إيلي كوهين... قصة الجاسوس الخارق الذي جندته إسرائيل

إيلي كوهين... قصة الجاسوس الخارق الذي جندته إسرائيل

إيلي كوهين... قصة الجاسوس الخارق الذي جندته إسرائيل


17/07/2025

 

يُعدّ إيلي كوهين واحدًا من أخطر الجواسيس الإسرائيليين الذين زُرعوا في العالم العربي، وتعود خطورته إلى المناصب الحساسة التي تعامل معها، والمناصب التي كان مرشحًا أن يتولاها. اخترق العميل الجبهة السورية، حتى عُدّ صديقًا شخصيًا لحافظ الأسد والقادة العسكريين والسياسيين والشعبيين في سوريا، وكان في طريقه ليتولى رئاسة وزارة الدفاع السورية أو رئاسة الوزراء، فمن هو هذا الرجل؟ ولماذا تجددت قصته ثانية؟

إيلي كوهين يهودي مصري درس بجامعة الملك فاروق في الإسكندرية، وتورط في عدة أنشطة سرّية هدفت لتهريب يهود مصر إلى الدولة الصهيونية الناشئة، وقُبض عليه بعد فضيحة "لافون" الشهيرة.

إيلي كوهين يُعدّ واحدًا من أخطر الجواسيس الذين زرعتهم إسرائيل في العالم العربي، بسبب المناصب التي اقترب من الوصول إليها في سوريا.

 

في مطلع عام 1954 كانت إسرائيل تتوجس من مصر بعد انسحاب بريطانيا، مخافة من أن تأخذ بثأرها من هزيمة 1948، بعد أن تستولي على المعدات والمطارات والمخازن الضخمة للقوات البريطانية المنسحبة، ففكرت في ثغرة يمكن أن تنفُذ منها بحيث تعيد بريطانيا ثانية إلى مصر، إذ إنّ معاهدة الجلاء تنص على عودة بريطانيا، في حالة حدوث أعمال شغب وإرهاب أو أزمات خطيرة، فكانت الخطة أن تُجند إسرائيل عدداً من اليهود المصريين المحليين للقيام بأعمال إرهابية واستهداف مكاتب بريطانية وأمريكية، إلّا أنّ الخطة باءت بالفشل.

كوهين نسج علاقاته بدهاء مع كبار المسؤولين السوريين، حتى أصبح صديقًا مقربًا لحافظ الأسد وبعض قيادات الدولة والجيش.

 

لم تجد السلطات المصرية ما يدين إيلي كوهين، إلا أنّها فتحت سجلاً أمنياً باسمه، وأطلقت سراحه، وربما هذا يُعطينا فكرة عن سياسية القضاء المصري آنذاك في التعامل مع اليهود المصريين، فرغم ثبوت القيام بأعمال عدائية مارسوها ضد الوطن وفي فترة تاريخية حرجة، إلّا أنّه مع عدم كفاية الأدلة أُطلق سراح كوهين.

أُعدم من ثبتت عليهم التهمة، واستقال على إثر هذه الفضيحة وزير الدفاع الإسرائيلي، وجاء بعده بن غوريون، وبقي إيلي يمارس نشاطه السرّي في تهريب اليهود من مصر، حتى غادر نحو إسرائيل عام 1957 بعد حرب السويس.

الموساد درّب كوهين بعناية على التجسس والتخفي، وزوّده بهوية مزوّرة مكنته من التسلل إلى قلب دمشق بثقة وقوة.

 

في إسرائيل عمل مترجماً للصحف الأجنبية، وكان يتقاضى أجراً زهيداً، ثم عمل محاسباً في شركة هامشير، قبل أن تُصفي بعض موظيفها ومن ضمنهم كوهين، الذي كان قد تزوج في هذه الفترة من يهودية عراقية "ناديا"، وكانت حاملًا بمولودهما الأول، وتركت العمل تبعاً لذلك، وبعد أن أصبحا عاطلين، استجاب لعرض الموساد، الذي طلب منه قبل ذلك أن يكون عميلاً له في بلاد أوروبية وعربية، مقابل (350) شيكلاً (195دولاراً).

في أواخر الخمسينيات أطلقت إسرائيل مشروعاً يهدف إلى تحويل جزء من مياه نهر الأردن إلى أراضيها عبر أنابيب ضخمة، وقد أثار هذا الموضوع غضب العرب الذين أوكلوا لسوريا مهمة تنفيذ مشروع هندسي كبير يهدف إلى تحويل مياه نهر الأردن وحجزها قبل الدخول إلى إسرائيل، التي كانت في حاجة إلى من يُطلعها على التحركات التي تتم على الجبهة السورية بخصوص ذلك الأمر، خصوصاً بعد أن نشطت هجمات السوريين على جبهة الجولان، فكان إيلي كوهين مرشحاً لتلك المهمة.

عاش كوهين في دمشق حياة البذخ والنفوذ، وافتتح دارًا للفقراء ليكسب ثقة المجتمع، بينما كان ينقل الأسرار لتل أبيب.

 

بدأ تدريب العميل كمال أمين ثابت، "إيلي كوهين"، على استخدام الحبر السرّي، والاستقبال والإرسال عبر جهاز صغير وتقوية ذاكرته، وطرق تأمين نفسه، وأحضروا له من يعلمه الصلاة على الطريقة الإسلامية وقراءة القرآن، وكان رؤساؤه يطمئنونه بأنّه لا داعي للقلق بهذا الشأن، ويمكنه إن احتاج الأمر أن يقول إنّه مسلم غير متدين.

وكانت الهوية الجديدة لإيلي هي أنّه لأبوين سوريين، ولد في بيروت، وفي الثالثة  من عمره انتقل إلى مصر، بعد عام توفيت أخته الوحيدة، وكان والده تاجر أقمشة، وعمّه مهاجراً أرجنتينياً كتب لأسرته بعد فترة يستقدمهم للإقامة في الأرجنتين، وارتحلوا جميعاً واستقروا هناك، وبعد فترة توفي والداه، وعاش مع عمه وعمل في وكالة سفريات، ومنها في مجال الأعمال، وحقق نجاحاً مبهراً.

في ذلك الوقت وُلدت ابنته الأولى صوفيا، وأخبر زوجته بأنّه سيعمل في أوروبا، مروجاً للصناعة العسكرية الإسرائيلية، ليفتح أسواقاً جديدة لمنتجاتها، وأنّ راتبه سيصلها، وكان قد تعلم اللغة الإسبانية والحديث باللكنة العربية السورية.

في الأرجنتين اختلط كوهين بأبناء الجالية العربية، وجلس في مقاهٍ عربية، وارتاد دور سينما تعرض أفلاماً عربية، وقدّم مالاً سخياً للدور الخيرية التي تقدم أعمالاً خيرية للمهاجرين العرب.

رغم المحاولات الإسرائيلية للإفراج عنه، أصرّت سوريا على إعدامه في مشهد علني لردّ الهيبة وضرب مشروع التجسس الإسرائيلي.

 

لم تمرّ عدة أشهر حتى اخترق كوهين قلب الجالية العربية السورية، بفضل مهارته وذكائه وسخائه، وأصبح ضيفاً أساسياً في السفارة السورية، وحظي بصداقة عبد اللطيف حسن رئيس تحرير مجلة الوطن العربي، الذي عرّفه على الملحق العسكري للسفارة السورية. وبعد هذه المرحلة من التمكين أصبح جاهزاً للانتقال للمهمة الرئيسية، وهي الانتقال إلى سوريا بعد أن كوّن خلفية وغطاءً قوياً، وبسبب توصيات الجالية السورية دخل إلى دمشق دخول تمكين وقوة.

قبل وصول العميل إلى هدفه، كان قد سافر إلى إسرائيل وتلقى تدريباً إضافياً لعدة أشهر، ليتمكن من إرسال الرسائل المشفرة، وليطلع على تفاصيل الداخل السوري السياسي والعسكري، وكان كمال أمين ثابت جاهزاً للخطوة الخطيرة، فسافر إلى ميونيخ ومنها إلى دمشق. 

الصدفة وحدها، عبر انقطاع الاتصالات العسكرية، كشفت إشارات بثه وأدت إلى تحديد شقته واعتقاله متلبسًا في دمشق.

 

كان الموساد قد زوّده بعدة التجسس كاملة؛ الحبر السرّي، وعدة كتب تُستعمل كرموز وآلة كاتبة خاصة، وراديو ترانزيستور أُدخل فيه جهاز إرسال وآلة حلاقة يعمل سلكها كهوائي، وأصابع ديناميت مخبأة في صابون وسيجار، وأقراص سيانيد للانتحار تحسباً.

في دمشق اشترى كمال أمين ثابت داراً فخمة في أحد الأحياء السورية الراقية، بالقرب من وزارة الدفاع السورية والسفارات الأجنبية، ودار ضيافة سوريا، وفي غضون شهور قليلة وثق صلاته بأثرياء سوريا وتجارها وسياسييها، حتى أنّه فتح داراً لإطعام فقراء دمشق، وكانت الأوساط السورية السياسية في ذلك الوقت لا تعرف الهدوء، ورائحة الانقلابات واضحة والجو العام غير مستقر، فاختار إيلي كوهين أن يصبر ولا يتقرب من أيٍّ من القوى المُتصارعة، حتى يعرف إلى من ستميل الكفة.

أخذ كوهين يُرسل الرسائل من دمشق إلى إسرائيل يومياً، وأحياناً صباحاً ومساءً، وساعده على ذلك قربه من مقر قيادة الجيش السوري، فلم يكن باستطاعة أحد التمييز بين هذه الرسالة التي تطير إلى تل أبيب، والرسائل الكثيرة المنبعثة من مراكز اتصالات الجيش. 

كوهين أصبح لاعبًا سياسيًا مؤثرًا في دمشق، وساهمت معلوماته في دكّ مشاريع البنية التحتية السورية على يد الجيش الإسرائيلي.

 

زار إيلي إسرائيل مرة أخرى، وزوّده رجال الموساد بكاميرا صغيرة تمكنه من تصوير المواقع والوثائق، كانت مخبأة في صندوق باهظ الثمن للعبة نرد، ستمر إلى دمشق تنقل الأسرار، ومنها إلى الأرجنتين، ثم تعود مرة أخرى إلى القدس في حقيبة دبلوماسية.

كانت أولى الوثائق التي طارت إلى تل أبيب هي تصاعد تيار البعث داخل الجيش، واحتمال وصوله إلى الحكم، لذلك وطد علاقاته برجالاته وتبرّع للحزب بمبالغ طائلة.

ووصل حافظ الأسد البعثي لحكم سوريا بالفعل، واحتفالاً بذلك أُعدّت وليمة كبيرة على شرفه، وعلى حساب كمال أمين ثابت، وكان حاضراً في ذلك الحفل عدد من الوزراء والعسكريين والمهندسين وكبراء الدولة ووزير الدفاع السوري، والسيدة زوجة حافظ الأسد التي كانت مرتدية معطفاً أهداه لها إيلي كوهين حسب الوثائق الإسرائيلية، ولم تكن السيدة وحدها التي تلقت الهدايا الفاخرة، فقد حصلت سيدات أخريات ورجالات دولة على هدايا ثمينة...، وفي تلك الليلة أمام إيلي كوهين، ناقش العسكريون الأوضاع على الجبهة السورية والشؤون الداخلية، ومشروع تحويل مياه نهار الأردن، وفي الليلة نفسها كانت خُلاصة تلك النقاشات تبيت في تل أبيب.

أصبح كمال أمين ثابت واحداً من صانعي القرار في الحزب البعثي، وصديق القادة العسكريين والسياسيين، وتمكن من تزويد إسرائيل بخطط لمواقع وتحصينات الجيش السوري، وأهم العتاد الذي دخل الخدمة وأسماء القادة العسكريين ورتبهم، ووفرت إقامته إلى جوار مقر القيادة العسكرية غطاء آمناً لمراسلاته مع تل أبيب، كما أنّه استطاع بفضل صلاته تقديم برنامج إذاعي في الإذاعة السورية، وببعض الكلمات المتفق عليها يستطيع الإسرائيليون فك شفرتها، وهكذا كانت تصل أخبار الجيش والدولة السورية طازجة أوّلاً بأوّل إلى إسرائيل.

كان يحضر الاجتماعات العسكرية ويستضيف الضباط في بيته، ونجح في إرسال معلومات حيوية عبر أدوات تجسس متطورة.

 

ووفقًا لمصادر إسرائيلية أقام إيلي كوهين حفلات لضباط كبار في الجيش السوري، أسهمت في تنويع مصادر معلوماته.

في عام 1964 دكّت إسرائيل معدات ميكانيكية وجرافات كانت معدة لتنفيذ عملية تحويل المياه، ونتيجة هذا الاختراق وضعف سلاح الجو السوري، ومعرفة إسرائيل بمواقع التحصينات بشكل دقيق نجحت المهمة، وبدا أنّ سوريا صرفت النظر عن تنفيذ المشروع بعد هذه الضربات القاصمة.

بدأت المخابرات السورية تنتبه، خاصة أنّ كل قرار تتخذه مساء، يصبح لدى إسرائيل صباحاً، وأيضًا بعد دقة ضربات إسرائيل على المواقع والتحصينات السورية التي أدت في نهاية المطاف إلى وقف أعمال تحويل المياه، فراود رجال المخابرات السورية الشك حول أنّ هناك شخصية ذات حساسية ما، وذات مستوى رفيع، ومرتبطة بدوائر صُنع القرار تعمل لدى الكيان.

تمكن كوهين من تزويد إسرائيل بمعلومات حساسة عن تحصينات الجيش السوري ومشاريع تحويل مياه نهر الأردن.

 

لكنّهم لم يستطيعوا أن يحددوا من هو هذا الجاسوس، وكان كمال أمين ثابت رجلاً فوق الشُبهات، حتى صادفهم الحظ، فقد قام السوفييت بتزويد السوريين بشبكة اتصالات حديثة، لتحلّ محل تلك التي عفا عليها الزمن، ولتركيبها تم تعليق اتصالات الجيش مدة (24) ساعة.

تمكن ضابط أثناء خدمته من التقاط إشارة عن طريق جهاز استقبال للجيش ترسل إشارة خافتة، وهنا تنبهت المخابرات السورية لتحديد موقع المُرسل، وكانت الحسابات التي أجراها رجال المخابرات تشير إلى منزل كمال أمين ثابت.

في أحد صباحات كانون الثاني (يناير) 1965 كان (4) ضباط سوريين يخلعون باب الشقة على إيلى كوهين، ويضبطونه وهو يرسل مُتلبساً، وبعد التفتيش وجدت باقي أدوات التجسس الأخرى.

تقول مصادر إسرائيلية: إنّ حافظ الأسد ذهب إلى زنزانته لاستجوابه بنفسه، وسأله أن يتلو سورة الفاتحة فلم يستطع، وحاول الدفاع عن نفسه بأنّه لا يتذكر، لكن كان الجميع قد تيقن من أنّه يهودي.

الموساد درّب كوهين بعناية على التجسس والتخفي، وزوّده بهوية مزوّرة مكنته من التسلل إلى قلب دمشق بثقة وقوة.

 

تم التحقيق مع المئات ممّن اتصل بهم كوهين من النساء والرجال، غير أنّ بعض الشخصيات الحساسة كان يصعب الاقتراب منها لخطورة مناصبها، وقد سبب هذا ألماً داخل الدولة السورية. ووفقاً لمصادر إسرائيلية عرضت إسرائيل تزويد سوريا بمعدات زراعية ثمنها ملايين الدولارات، كما عرضت عليها مبادلة كوهين مع (11) جاسوساً إسرائيلياً، غير أنّ سوريا رفضت، فلجأت لتوسيط عدة شخصيات عالمية للإفراج عنه، غير أنّ هذا أيضاً قوبل بالرفض، فقد كانت هناك إرادة وتصميم وعناد داخل سوريا بأنّ هذا الجاسوس يجب أن يُعدم، وأعتقد أنّ هذا اللّا-تسامح مع كل تلك الحوافز التي قدمتها إسرائيل يعود إلى أنّ الرجل من الممكن جداً أن يكون قد ورّط عدة أسماء ذات حساسية بالغة من دون أن تعلم أنّها كانت ضمن شبكة تجسسه.

وفي 18 أيّار (مايو) 1965 تمّ إيقاظ "إيلي كوهين"، كمال أمين ثابت، وأُخذ من زنزانته إلى أحد أسواق دمشق، وبعد أن أجلسوه مع خادم سوري، وسمحوا له بكتابة رسالة إلى زوجته، ارتقى منصة الإعدام ولُفَ حَبل حول رقبته، وأزيح الكرسي من تحت قدميه.

وسط جماهير من المتفرجين، تدلت رقبة أشهر جاسوس إسرائيلي في ساحة كبيرة، ودفنت جثته في مكان مجهول إلى اليوم.

هل كان إيلي كوهين بكل هذه الخطورة التي روّجت لها وسائل الإعلام؟ أم أنّه حظي ببعض التسويق الدرامي؟ وهل كان بطلاً قومياً حقيقياً في إسرائيل، أم كان جزءاً من صناعة هيبة ورهبة المؤسسة الاستخباراتية الصهيونية؟ بعض المصادر السورية قللت من شأن المعلومات التي حصل عليها كوهين، ونفت أنّه كان مرشحاً لتلك المناصب السورية المهمة، والبعض اعتقد أنّه السبب الأول في ضياع الجولان.

وقد حاولت إسرائيل على مدار (60) عاماً إعادة رفات إيلي كوهين، إلا أنّ السوريين يرفضون، (60) عاماً وإسرائيل لم تصل إلى جثمانه، غير أنّ العجيب أنّ الموساد أعلن في 18 أيّار (مايو) الماضي أنّه استلم متعلقات الجاسوس إيلي كوهين ووصيته الأصلية، ومفتاح شقته في دمشق ورسائل بخط يده و(2500) وثيقة من ملف التحقيق معه، وحسب (رويترز) فإنّ القيادة السورية الجديدة اتخذت هذه الخطوة كمبادرة حسن نية تجاه إسرائيل وتحريكاً للجمود السياسي. 

كان في استقبال هذه المتعلقات نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، ورئيس الموساد، وزوجة إيلي كوهين "ناديا"، وما زال مصير الجثة مجهولاً حتى اليوم، لكن من غير المُستبعد أنّ هناك من ينبش عنها ليهديها إلى إسرائيل.

 

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية