نهاية التاريخ... وَجَل الديمقراطية وسؤال الهوية

نهاية التاريخ... وَجَل الديمقراطية وسؤال الهوية

نهاية التاريخ... وَجَل الديمقراطية وسؤال الهوية


14/07/2025

في عام 1989 كتب الباحث الأمريكي من الأصول الصينية، فرانسيس فوكوياما، واحدة من مقالاته المهمّة جداً، وأتبعها بكتاب يُفصل المقالة، ليصبح كتاب "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" واحداً من أهم الكتب التي أثارت الجدل. يقول فوكوياما ببساطة: إنّ التاريخ بمعناه الإيديولوجي وليس الزمني وصل إلى محطته الأخيرة، وإننا بلغنا ذروة النضج في أنظمة الحكم، ولا يوجد هناك مرحلة تطورية بعد ذلك، وقد قصد فوكوياما هنا أنّ الديمقراطية الليبرالية الغربية هي أسمى نظام للحكم الإنساني على مرّ التاريخ، وأنّ المبادئ الغربية التي تصون الحريات وحقوق المواطنة والكرامة الإنسانية هي نموذج أعلى ومثالي للحكم، وأكمل عقد اجتماعي يضمن الحريات، خاصة بعد سقوط الشيوعية والرأسمالية والفاشية والإسلام السياسي كنظريات للحكم، وعدم مقدرتها على خلق بلدان تصون الروح الإنسانية وحرية الأسواق.

عصر الاعتراف

بنى فوكوياما نظريته على المبادئ الهيجلية التي تقوم على أنَّ الإنسان في صراع من أجل الاعتراف، اعتراف السيد بالعبد، وأنّ الإنسان ليس مجرد كائن حريص على البقاء، بل هو حريص على كرمته وحريته، فوسّع فوكوياما نظرية هيجل لتشمل بدلاً من اعتراف السيد بالعبد، إلى اعتراف الدولة بالمواطنين، واعتراف المجتمع بالأقليات، واعتراف العالم بالشعوب المهمشة.

فرانسيس فوكوياما رأى أن الديمقراطية الليبرالية الغربية تمثل نهاية التطور السياسي وأسمى نماذج الحكم في التاريخ البشري.

 

هذه النظرية لاقت عدة اعتراضات حرجة، وأهمها أزمة الشعبوية، وهي صعود اليمين المتطرف في البلاد الديمقراطية، والذي يمثل أغلبية شعبية تميل للاعتراف بالهويات الخاصة والوطنية وعدم الاعتراف بالمهاجرين واللاجئين، وتظهر تسامحاً أقلّ مع حرية الصحافة والإعلام، وهذه الظواهر كلها هي نتيجة انتخابات ديمقراطية، أي نتاج نموذج الحكم الأعلى، وأوضح مثال على ذلك هو صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سُدّة الحكم مرتين، وهو يميني مُتطرف أوشك أن يدخل البلاد في عنف أهلي وأعمال شغب واسعة بسبب نظرته للمهاجرين، فضلاً عن سبّه وسائل الإعلام والصحفيين الذين ينتقدونه علناً.

بنى فوكوياما نظريته على فكرة أن الإنسان لا يطلب البقاء فقط بل الاعتراف والكرامة، وهذا يشمل اعتراف الدولة والمجتمع والأقليات.

 

هذا ما جعل فوكوياما يُعدّل أطروحته المشهورة في كتاب جديد سمّاه "الهُوية"، وفيه يلفت النظر إلى ما تجاهله في كتابه السابق، فالإنسان لا يريد الاعتراف به كمواطن فقط، وإنّما يريد الاعتراف به من حيث الدين (مسلم- مسيحي ـ يهودي ـ بوذي...)، ويريد اعترافاً من حيث العرق (أبيض ـ أسود)، ومن حيث الجنس (رجل - امرأة ـ عابر...)، إلى آخره من تلك الهويات الصغيرة، ولكن مع ملاحظة أنّ الاستغراق في تلك الانتماءات الصغيرة يُحرّض على انقسام البلدان والصراعات، ولكن يجب وضع في الحسبان تعقيد النفس الإنسانية "ربما كانت الديمقراطية متفائلة جداً ببساطتها، لكنها تبقى أفضل ما لدينا، بشرط أن تطور نفسها لتفهم تعقيد النفس الإنسانية"، فوكوياما. 

إذاً البحث عن هوية موحدة للدولة تضم جميع الأقليات من الهويات المختلفة دون أن تغذي الانفصالية هو التحدي الأكبر.

سؤال الديمقراطية

لم تكن الشعبوية فقط هي التحدي الوحيد للديمقراطية الغربية الليبرالية، وإنّما واجهتها عدة اعتراضات أخرى، أوّلها سؤال هل الديمقراطية تفرض على بلد آخر من الخارج أم هي بناء داخلي؟ وأزمة احتلال العراق أوضح مثال على ذلك، حتى عدها الكثيرون نوعاً من الاستعمار الحديث الناعم، كذلك أتاحت الأسواق الحرة مزيداً من تكديس رؤوس الأموال لدى شرائح معينة من الطبقات، وازدادت الطبقة المتوسطة والفقيرة انخفاضاً وتردياً.

الشعبوية صعدت في قلب الديمقراطيات، وأظهرت أن هذه الأنظمة قد تفرز قوى ترفض المهاجرين وتحد من الحريات باسم صناديق الاقتراع.

 

كذلك الصعود الكبير للصين وروسيا، وهما بلدان يتميزان بنظام حكم شمولي يخلو تماماً من الحريات. وكان لخصوصيات بعض البلدان الإسلامية والشرقية تحديات أخرى مع الديمقراطية، إذ إنّ هذه البلاد التي خضعت للحكم السلطاني ثم الاستعماري ثم العسكري بعيدة تماماً عن روح الديمقراطية سواء على المستوى الشعبي أو ذهنية الدولة العميقة، كما أنّ الديمقراطية كفكر لا تنمو في بلدان معدلات الفقر والبطالة والوعي السياسي فيها منعدم، ويسهل شراء أصوات الناخبين، ولا تنمو الديمقراطية في دولة مؤسسات الإعلام والصحافة والقضاء بها ليست مؤسسات حرة، وإنّما موالية للحاكم. فضلاً عن استغلال الجماعات الأصولية للديمقراطية نفسها وعباءة الدين للاستيلاء على الحكم وفرض نموذج شمولي وصلوا إليه على كوبري الديمقراطية.

والأمثلة على المشاريع الفكرية الإسلامية للحكم موجودة، غير أنّ بعضها لم يدخل حيز التطبيق أو دخل بالفعل، لكنّها تجارب لم تصمد مثل تجربة الإخوان المسلمين في مصر وتونس بعد الثورة، وتجربة طالبان في أفغانستان ونموذجها المصادر للحريات وحقوق المرأة ممّا عرضه للعزلة الدولية، كما أنّ أفكار مالك بن نبي ومحمد عبده ظلت حبيسة الكتب فقط.

في كتابه "الهوية" اعترف فوكوياما بأن الإنسان لا يكتفي بالاعتراف به كمواطن بل يبحث عن الاعتراف بهوياته الدينية والعرقية والجندرية.

 

إلا أنّ كل ما سبق لم يكن أبلغ الاعتراضات على النموذج الغربي للديمقراطية، فقد رأينا كيف كانت هناك "ازدواجية الدم" و"ازدواجية الروح الإنسانية" واضحة في تعامل الغربيين مع قضايا ليست داخل بلدانهم، فالديمقراطية الغربية لا تساوي بين الدماء والأرواح، ولا تعرف المبادئ الإنسانية إلا في الداخل الغربي، حتى ذلك الداخل عندما انتفض الأحرار فيه من أجل الأرواح المهدورة في غزة اعتقلتهم الأنظمة الديمقراطية الحرة، وألقي القبض عليهم من داخل الجامعات، كثير من هؤلاء لم ينادوا بإقامة دولة فلسطينية ولا نهاية إسرائيل وإنّما احتجوا على المذابح الصهيونية وطلبوا وقف إطلاق النار، فكل من يقول إنّ هناك دماء تجري أنهاراً في الشرق الأوسط، ويجب أن يتوقف حمام الدم هذا، يتعرّض للاعتقال والتنكيل والفصل من وظيفته والتهديد بإلغاء إقامته، بل إنّ اللوبي الصهيوني أعدّ قائمة بأسماء أساتذة الجامعات والطلاب وكل من أبدوا تعاطفاً تجاه فلسطين لتسهيل حرمانهم من الوظائف والمزيد من التعنت ضدهم.

ازدواجية الغرب واضحة في دعمه لحقوق الإنسان حين توافق مصالحه، بينما يغض الطرف عن الدماء الفلسطينية ويسحق المتضامنين مع غزة.

 

رأينا كيف ينتفض الساسة الغربيون لانتهاك حقوق الإنسان والأقليات في دول بعينها، ويتغاضون عن التطهير العرقي للغزاويين، رغم أنّ التقارير التي تُرفع هي تقارير من مؤسسات غربية، فكيف تنادي أمريكا بحق الأوكرانيين في تقرير مصيرهم، ويُسلب هذا الحق من الشعب الفلسطيني؟ إنّ الديمقراطية الغربية مائعة، يتخذ مؤشرها اتجاه المصلحة، ولا يعنيها القيم الإنسانية ووحدة النوع البشري، ولا يهتم صانع القرار الأمريكي لو احترق مليون إنسان شرق أوسطي.

لو أنّ الديمقراطية الغربية تنظر بعيون باردة إلى الألوف المؤلفة التي تجري خلف كيس الطحين في مشهد عظيم الألم والدلالات ككادر هوليودي، لو أنّ هذا هو النموذج المثالي للديمقراطية، فبئس النموذج، وبئس هذه الديمقراطية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية