إيران المُخترَقة حتى النخاع تحارب عارية من دروعها

إيران المُخترَقة حتى النخاع تحارب عارية من دروعها

إيران المُخترَقة حتى النخاع تحارب عارية من دروعها


18/06/2025

أخيرًا، تنوب إيران عن نفسها في الحرب، بعد عقود طويلة احتضنت خلالها الدولة الإسلامية الإيرانية الحواضن الشيعية في المنطقة العربية، فغذتها ودعمتها؛ فجرّت على المنطقة حروبًا بالوكالة، كان العرب فيها حطب المعارك، فقد دفعت إيران بأذرعها للوقوف في وجه القوة العاتية، بينما تحرك الأحداث من خلف ستار، إلى أن اقتربت من تحقيق طموح لم تكن لتسمح به إسرائيل، ففُرضت عليها مواجهة مُباشرة، ليستيقظ العالم فجر يوم الجُمعة، وإذ ما حدث في لبنان يتكرر على نحو أسوأ، فيُغتال رئيس الأركان ورئيس الحرس الثوري، وقادة سلاح الطيران، و(6) علماء ارتفعوا بعدها بأيام إلى (14) عالمًا نوويًا.  

من كان يقول إنّ دولة عاندت الغرب نصف قرن، وامتصت العقوبات الواحدة تلو الأخرى، ومشت خطوات خطرة في سبيل طموحها النووي، تترك ثغورها بهذا الشكل الصادم!

إيران المُختَرَقة حتى النخاع

بعد هذه الضربة لم يكن خافيًا أنّ إيران مُختَرَقة حتى النخاع، فلو أرادت إسرائيل قتل خامنئي لفعلت، لكنّ قتل رجال العلم أهمّ بكثير من قتل رجال الدين. إنّه لأمر عجيب أن تكون إيران مُستباحة ومخترَقة بهذا الشكل، والمفترض أن تكون على أهبة الاستعداد منذ عامين، فهجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) وضعها مباشرة محل اتهام إسرائيل، واغتيال رئيسها السابق بإسقاط طائرته في الغابات، ليس خافيًا على أحد أنّ الموساد كان ضالعًا فيه، وما تلا ذلك من تبادل إطلاق المسيّرات والصواريخ بين البلدين، كانت كلها مؤشرات لا تغفل عنها دولة بحجم إيران.

الأمر يوحي بخيانة على مستوى خطير، جعلت البلاد كتابًا مفتوحًا أمام الأعداء، إلى درجة أنّ إسرائيل ضربت إيران من داخلها، وسرّبت لعمق البلاد مُسيّرات وقواعد صواريخ في ضربة مُهينة لأجهزة المخابرات الإيرانية.

وفي السياق نفسه أذاعت قناة الجزيرة منذ (8) أشهر لقاء مع جابر رجبي مستشار سابق في مؤسسة الرئاسة الإيرانية، قال فيه نصًّا بناءً على تواصله مع مقربين من دوائر صنع القرار الإيراني: إنّ إسماعيل هنية اغتيل في طهران من داخل إيران، وبأيدٍ جاسوسية وليس بقذيفة من خارجها، وقال في اللقاء نفسه: إنّ هناك قيادات كبيرة في الحرس الثوري الإيراني عميلة، وإنّ الموساد يده طليقة في البلاد، وقام بعمليات اغتيال كثيرة لم يعلن عنها داخل إيران، كما سُرقت وثائق خاصة بالبرنامج النووي، وفوق ذلك هناك نزاعات عميقة داخل النظام الإيراني والحرس الثوري ذاته، حول الاستمرار في البرنامج النووي للبلاد، وما قد يكلفه ذلك.

هذه ليست أجواء بلاد كان من المفترض أن تُعدّ جبهة داخلية قوية لحرب يراها القاصي والداني وشيكة.

سهولة الخداع

زيادة على ذلك، أسهم الرئيس الأمريكي عشية الضربة في تضليل إيران بتصريحات كان من الواجب ألّا تنطلي على مبتدئين في السياسة، ودولة لها طموح نووي وحولها خطر قائم، ولها أجهزة معلوماتية وتعرف طبيعة الرئيس الأمريكي الصارمة والمخاتلة، فكم نفى وحاور وناور حول علمه بطبيعة الضربة الإسرائيلية وميعادها، والآن بعد أن انفتحت الأجواء أمامه يعقد اجتماعًا مع المجلس القومي الأمني، ويتشاور حول ضربة مباشرة لإيران وخاصة محطة "فوردو" النووية.

المراقب العادي يستطيع أن يلاحظ أنّ سلاح الدفاع الجوي ليس له وجود، وهذا السلاح هو أهم أسلحة الحروب، فدونه تصبح سماؤك مفتوحة، وتغدو أهدافك على الأرض صيدًا سهلًا لعدوّك، وهذا يُعيدنا إلى سؤال مهم: كيف لدولة تُجهّز نفسها للنادي النووي ليس لها قوة تحمي بها حتى المحيط القريب من منشآتها النووية؟

العقوبات الدولية وحظر تصدير الأسلحة لإيران لا يفسّران وحدهما هذا الظهر العاري لإيران، بل هناك يد طعنت البلاد بخنجر من ظهرها، الأمم لا تتهاوى بهذا الشكل السريع والمدوي إلّا من داخلها.

ماذا سيكون السيناريو القادم؟  

لقد مهدت إسرائيل قبل ضرب إيران بعملية "الإحلال الكبير"، ووجّهت ضربات شلّت قدرات الأذرع الإيرانية في المنطقة، فكانت مأساة حزب الله وليس فقط هزيمته البداية، فحيّدت سلاحًا قويًّا جدًّا كان من الممكن أن يشكّل خط الدفاع الأول عن إيران، لو كان الحزب ما زال بقوته، وقوّضت نظام الأسد الذي تهاوى بسرعة غريبة، وأحلّت مكانه ابنًا مطيعًا سيطر على السلطة في توقيت عجيب، بينما وجّهت أمريكا وإسرائيل ضربات للحوثيين في اليمن الذراع الثالثة لإيران.

بدت إيران عاريةً جدًا وقد خسرت مساحات واسعة، ونضجت كل الظروف لتضرب إسرائيل ضربتها في وقائع سريعة ومباغتة، تشبه تمامًا أجواء "نكسة 67". ليس هذا تشاؤمًا وليس استباقًا للأحداث، لكن من يقرأ التاريخ يعرف أنّه دورات تتكرر، والعاقل من حفظ دروسه.

فرح أعمى لشعوب مهزومة

أمّا هذا التهليل العربي الساذج على المنصات المختلفة، فإنّما هو فرح أعمى لشعوب ترى عدوها التاريخي مذعورًا لبعض الوقت، لبضعة أيام، وغدًا سوف يخرج الإسرائيليون يعلنون عن نصرهم التاريخي، وسيكتبون كيف حاربوا على عدة جبهات معًا، وكيف أزالوا مُدنًا كاملة، وأسقطوا أنظمة، وقيدوا فصائل، بعد أن سببوا لهم فضائح عسكرية. غدًا ستخرج إسرائيل تحتفي بأنّها حققت معجزة على أيّ مقياس عسكري، فقضت في بضع ساعات على الصف الأول من القادة العسكريين والعلماء، لدولة كانت منذ قليل فقط ملء السمع والبصر.

هذه الفرحة الساذجة تشبه تمامًا فرحة الخامس من حزيران (يونيو) والسابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وما خلفه ذلك من أراضٍ عربية محروقة، وأرواح مُنخلعة، فبعد هذه الأفراح العمياء والمنشورات الشعبوية الاحتفالية، التي لا تختلف عن بيانات الإذاعة إبّان النكسة، "أبشروا يا عرب"، يبدو أننا سنستيقظ على واقع صعب لا نتمناه، وإن كان أُفقه بدأ يلوح.

أمّا السيناريو الأصعب، فهو أن تتدخل الدول التي لديها مصالح في الشرق الأوسط، وهناك مخاطر أن تتوسع المعركة إلى حرب شاملة، وهو سيناريو قائم أيضًا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية