المهندس المصري قاهر خط بارليف يعانق الخلود

24189
عدد القراءات

2018-06-25

في صفحة خالدة من كتاب التاريخ سترقد روح المهندس المصري اللواء المتقاعد باقي زكي يوسف، صاحب الحيلة العبقرية التي دمرت خط بارليف، ومكّنت الجيش من عبور الخط بعد أن اقترح على القيادة السياسية في حرب أكتوبر 1973 الاعتماد على مضخات المياه القوية لتجريف خط بارليف لعبور القوات المصرية، مما قلص إلى حد كبير من خسائر الجيش المصري خلال مرحلة عبور قناة السويس إلى الضفة الشرقية.

ولمعت فكرة استخدام التكتيك ذاته في ذهن يوسف، بعدما عجزت محاولات الجيش المصري عن فتح ثغرات في الساتر بالتفجير عن تحقيق أية نتائج مثالية.

وواجهت مصر، في تلك الحرب، تحدياً عسكرياً عسيراً، خصوصاً بعد هزيمة يونيو 1967 واحتلال شبه جزيرة سيناء، إثر تشييد إسرائيل خط بارليف على ضفاف قناة السويس لمنع أي عبور مصري إلى سيناء، وكان الساتر الترابي الشاهق الذي يقع مباشرة على ضفة القناة أحد أصعب تجهيزات هذا الخط المنيع.

وكان يوسف، الذي غيبه الموت أول من أمس، قد شارك في أعمال بناء السد العالي جنوبي مصر خلال الستينيات، حيث لجأ المهندسون هناك إلى نقل كميات ضخمة من الأتربة بقوة خراطيم مياه تطلقها محركات قوية.

صورة من جنازة الراحل (اليوم السابع)

أقوى خط تحصين دفاعي

ويعد خط بارليف أقوى خط تحصين دفاعي في التاريخ العسكري الحديث، ويبدأ من قناة السويس وحتى عمق 12 كم داخل شبه جزيرة سيناء على امتداد الضفة الشرقية للقناة .

وصمم خط بارليف الجنرال حاييم بارليف رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي وقتها، والذي فكر في إنشائه ليفصل سيناء عن الجسد المصري بشكل نهائي وليحول دون وصول الجيش المصري إلى الضفة الشرقية للقناة من خلال إنشاء ساتر ترابي منحدر ومرتفع ملاصق لحافة القناة الشرقية بطول القناة من بورسعيد إلى السويس. ليضاف للمانع المائي المتمثل في قناة السويس.

ويتكون الخط من تجهيزات هندسية ومنصات للدبابات والمدفعية وتحتله احتياطيات من المدرعات ووحدات مدفعية ميكانيكية (22 موقعاً دفاعياً و 26 نقطة حصينة) بطول 170 كم على طول قناة السويس.

ظل الراحل يُعرف على امتداد حياته العسكرية والعامة في مصر بأنه أحد مفاتيح عبور قناة السويس في الحرب

وقد تم تحصين كل مباني الخط بالكتل الخرسانية وقضبان السكك الحديدية المأخوذة من سكك حديد سيناء، بالإضافة لتغطيتها بأطنان من الصخور والرمال لامتصاص كل أشكال القصف الجوي والأرضي مهما كان حجمه، عوضاً عن الأسلاك الشائكة ومناطق الألغام وأنابيب النابالم الحارق أسفل مياه القناة، وكذلك شبكات تليفونية تربط كل نقاط الخط ببعضها البعض من ناحية وبالقيادة داخل إسرائيل من ناحية أخرى.

وقد كان الساتر الترابي- خط بارليف يعلو يوماً بعد يوم، وهو مكون من كثبان رملية طبيعية تكونت من ناتج حفر قناة السويس، وكانت رمال حفر القناة وصخوره تلقى على الضفة الشرقية من القناة حيث إن الناحية الغربية أراضٍ زراعية.

وكان الإسرائيليون أوصلوا الكثبان الرملية الطبيعية مع ناتج حفر قناة السويس وكميات أخرى ضخمة من الرمال، بحيث أصبحت درجة ميل الساتر الترابي مع قاع القناة (80 درجة)، واقترب أن يكون زاوية قائمة حتى يصعب الصعود عليه أو انهياره، وأصبح ارتفاعه يقرب من 20 متراً.

صورة من جنازة الراحل (اليوم السابع)

لا يمكن تحطيمه إلا بقنبلة نووية!

وعقب دارسة خبراء العسكرية السوفييتية له بشكل دقيق أكدوا أنّ الساتر الترابي لا يمكن تحطيمه إلا بقنبلة نووية! وبالطبع لم تكن مصر تملك واحدة منها، وكان من المستحيل استعمالها نظراً لتلاصق القوات المصرية والإسرائيلية.

إحدى المعضلات الكبرى في عملية اقتحام خط بارليف كيفية فتح ثغرات فى الرمال والأتربة التي لا تؤثر فيها الصواريخ لعبور ناقلات الجنود والمدرعات والدبابات إلى سيناء.

إحدى المعضلات الكبرى في اقتحام خط بارليف كيفية فتح ثغرات فى الرمال التي لا تؤثر فيها الصواريخ

في ذلك الحين، وللخروج من هذه العضلة، صمم اللواء الراحل باقي زكي يوسف مدفعاً مائياً فائق القوة، بإمكانه تحطيم وإزالة أي عائق أو ساتر رملي أو ترابي أمامه في زمن قياسي قصير، وبأقل تكلفة ممكنة، ما ساهم في تقليل الخسائر البشرية خلال تجريف خط بارليف وعبور القناة في الحرب.

وقال زكي فى حوار سابق مع صحيفة "اليوم السابع" المصرية: "كنا نملك قوى كبيرة، والمياه قوية في القناة، فاقترحت على القادة بأن نجلب طلمبات (ماصة كابسة)، تسحب المياه من القناة، وتضخها في الساتر الترابي، وهو مؤهل لذلك، نظراً لانحداره الشديد، ونضع عدداً كبيراً من الطلمبات بطول القناة، ونفتح بها ما نريد في الطول والعرض".

صورة من جنازة الراحل (اليوم السابع)

لم أنطق بالسر إلا بعد 25 سنة

واعترف باقي باحتفاظه بهذه المعلومة طيلة ربع قرن: "لم أنطق بالسر إلا بعد 25 سنة من الحرب".

يذكر أن اللواء الراحل من مواليد 1931، وقد تخرج في كلية الهندسة بجامعة عين شمس قسم ميكانيكا سنة 1954، والتحق بالقوات المسلحة في نهاية عام 1954، وعمل في القوات المسلحة بجميع الرتب والمواقع المختلفة حتى نال رتبة لواء في 1984. وبدأ الراحل العمل في بناء السد العالي في أثناء خدمته، وطلب وقتها من القوات المسلحة ضباطاً مهندسين متخصصين، وكان له النصيب الأكبر في اختيارهم، وعاد إلى صفوف القتال بعد نكسة 1967.

وظل يُعرف الراحل على امتداد حياته العسكرية والعامة في مصر بأنه أحد مفاتيح عبور قناة السويس في الحرب. ونعت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اللواء يوسف، في بيان لها، باعتباره "بطلاً من أبطال مصر الشجعان".

وذكرت بأنّ اللواء الراحل "كان صاحب فكرة استخدام قوة دفع المياه في حرب 1973 لهدم الساتر الترابي لخط بارليف، الذي كان وقتها رمزاً لتفوق العدو وسيطرته التامة على الضفة الشرقية لقناة السويس، ليفتح الطريق أمام قوات مصر الباسلة للعبور". وأضافت أنّ "التاريخ والوطن سيذكران حفيد مهندسي مصر العظام، بناة الأهرام وصانعي الحضارة والإرث الإبداعي الكبير".

اقرأ المزيد...

الوسوم: