محمد عادل زكي: من السذاجة إعادة أزماتنا الحالية لأسباب آنية

محمد عادل زكي: من السذاجة إعادة أزماتنا الحالية لأسباب آنية

مشاهدة

11/12/2019

أجرى الحوار: حاتم زكي


قال الباحث في الاقتصاد السياسي، محمد عادل زكي، إنّه من السطحية إعادة أسباب الاحتجاجات العربية الأخيرة إلى أزمات آنية بحتة، بمعزل عن طبيعتها الهيكلية وكيفية تكونها على الصعيد الاجتماعي عبر حركة التاريخ.

اقرأ أيضاً: اقتصاد الأزمة في لبنان
وأضاف الخبير المصري، في حواره مع "حفريات"، أنّنا ما زلنا نتجنب الإجابة عن سؤال أولي "لماذا، بعد أن خرج الاستعمار الَّذي شوَّه الهيكل الاقتصادي وسبب التخلّف، لم تزل بلدان العالم العربي متخلّفة؟"، موضحاً أنّه لن يمسي مقنعاً الحديث عن تكامل اقتصادي عربي بدون الحديث عن كيفية هيكلية لتجاوز التخلف نفسه، "ابتداءً من إعادة النظر في التراكم المعرفي في حقل نظرية التخلف ذاتها".

ليس مقنعاً الحديث عن تكامل اقتصادي عربي بدون الحديث عن كيفية هيكلية لتجاوز التخلّف نفسه

وأكد، صاحب كتاب " الاقتصاد السياسي للتخلّف"، أنّ أزمة العرب الراهنة ليست ابنة اليوم، وإنما هي نتيجة الإدماج في منظومة الرأسمال كأحد الأجزاء المستعمرة، ثم التابعة، ثم المتخلفة، والتي سلبت، تاريخياً، الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجها، وذهب إلى أنّ المجتمعات العربية حتى تجاوز التخلف يجب أن تؤمن بأنّه لا يرجع إلى اندماجها، بالقدر الكافي، في منظومة الرأسمال العالمي، كما تروج النظرية الرسمية، إنما هو نتيجة لهذا الإدماج.
وشدّد زكي على أنّه "لا يمكن الخروج من تلك الحلقة الجهنمية إلا بحركة تصنيع شاملة تهدف إلى السيطرة على شروط تجديد الإنتاج الاجتماعي، للوصول إلى تنمية مستقلة معتمدة على الذات".
يذكر أنّ محمد عادل زكي من مواليد الإسكندرية العام 1972، وله عدة كتب منشورة في مجال الاقتصاد السياسي مثل: نقد الاقتصاد السياسي، والتبعية مقياس التخلّف، ومبادئ الاقتصاد السياسي (مجلدان)، إضافة إلى العديد من الأبحاث المنشورة في دوريات علمية محكّمة باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية

تجاوز التخلف

كتاب " الاقتصاد السياسي للتخلّف"
ما هي الأسباب الاقتصادية الكامنة وراء اندلاع الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي في لبنان والعراق والسودان؟

الإجابة الجاهزة والسهلة، والسطحية، ولذا فهي السائدة بطبيعة الحال، هي التي ترجع الموجة المذكورة، وهي بالمناسبة ليست سوى موجة احتجاجية لم ترقَ بعد إلى فكرة الثورة، إلى أزمات آنية بحتة، كارتفاع معدلات البطالة واستشراء التضخم وتراجع الدور الاجتماعي للدولة تاركة الجماهير الغفيرة في مواجهة سافرة مع قوى الرأسمال الدولي وحمى الأرباح.

اقرأ أيضاً: كيف تحاول الإمارات تطوير القدرات السيادية في الأمن والاقتصاد؟
هذه الإجابة، الجاهزة، تستقي سطحيتها من عدم إثارتها التساؤل، الناقد، حول الطبيعة الهيكلية للأزمات الآنية، وكيفية تكونها على الصعيد الاجتماعي عبر حركة التاريخ الملحمية.
وهذا يدفعنا للحديث عن الطبيعة الهيكلية لتلك الأزمات فما هي أسبابها وكيف تؤثر على اقتصاديات تلك الدول؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تفترض سبق الإجابة عن سؤال أولي، وغالباً ما لا تتم الإجابة عنه، وهو: لماذا، بعد أن خرج الاستعمار الَّذي شوَّه الهيكل الاقتصادي وسبب التخلّف، لم تزل بلدان العالم العربي متخلّفة؟

الخبراء الدوليون أثناء مفاوضات قروض العالم الثالث يستخدمون قوانين اقتصادية مبهمة ونماذج بيانية غامضة

هذا السؤال من المعتاد تجاهله من قبل النظرية الرسمية، والانتقال الكوميدي إلى: كيف نخرج من التخلّف بالتكامل؟ وحينئذ نرى سيلاً من الآراء والمقترحات (المدرسية/ الرسمية) الَّتي لا تعرف ما الَّذي تبحث عنه بالتحديد؛ وذلك أيضاً أمر منطقي؛ حينما لا تعرف هذه المقترحات ماهية التخلّف ذاته! على الرغم من أنّ الحديث عن التكامل الاقتصادي يكون عديم المعنى والفائدة معاً إذا لم يقترن بالبحث الموازي في ظاهرة التخلّف الاقتصادي والاجتماعي في بلدان العالم العربي، بوصفها أحد الأجزاء المتخلفة (وغير المتجانسة) من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، من جهة درس ماهية ظاهرة التخلّف ومحدداتها وكيفية تجاوزها التاريخي.
أي؛ لن يمسي مقنعاً الحديث عن تكامل اقتصادي عربي بدون الحديث عن كيفية هيكلية لتجاوز التخلف نفسه، وإنما ابتداءً من إعادة النظر في التراكم المعرفي في حقل نظرية التخلف ذاتها.
وبناءً عليه؛ فإنّ الأزمة ليست ابنة اليوم، وإنما هي نتيجة الإدماج في منظومة الرأسمال كأحد الأجزاء المستعمرة، ثم التابعة، ثم المتخلفة، والتي سلبت، تاريخياً، الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجها.

اقرأ أيضاً: التمدّد التركي في العراق.. هل يقف عند حدود الاقتصاد؟
وكي يمكن تجاوز التخلف يجب أن تؤمن المجتمعات العربية بأنّ تخلفها لا يرجع إلى اندماجها، بالقدر الكافي، في منظومة الرأسمال العالمي، كما تروج النظرية الرسمية، إنما هو نتيجة لهذا الإدماج؛ وبالتالي لا يمكن الخروج من تلك الحلقة الجهنمية إلا بحركة تصنيع شاملة تهدف إلى السيطرة على شروط تجديد الإنتاج الاجتماعي، مع إقامة التناغم والتوزان بين قطاعات الهيكل الاقتصادي، من أجل تنمية مستقلة معتمدة على الذات.

فخ المديونية الدولية


كيف ترى مدى مسؤولية الخبراء العاملين بالمؤسسات الاقتصادية عن تردي أوضاع تلك الاقتصاديات؟

من المعروف أنّ جل بلدان عالمنا وقعت في فخ المديونية الدولية بالتزامن مع اندماجها الأهوج في منظومة الرأسمال الدولي، مساهمة بذلك بحال أو بآخر في إنعاش الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة التي كانت تعاني، ولم تزل في الواقع، من أزمات دورية حادة.

تخلّف مجتمعاتنا لا يرجع إلى عدم اندماجها بالقدر الكافي بمنظومة الرأسمال العالمي بل نتيجة لهذا الإدماج

الوقوع على هذا النحو في فخ المديونية فتح الباب على مصراعيه أمام خبراء الصندوق والبنك الدوليين، وهؤلاء الخبراء يتبنون نظرية تؤمن بالدور الخالق لقوى السوق وترفض تماماً أي دور للدولة في النشاط الاقتصادي.
ومن المعروف كذلك أنّ هؤلاء الخبراء أثناء مفاوضات القروض أو إعادة جدولتها، والتي تتم مع رجال الحكومة، إنما يستخدمون القوانين الاقتصادية المبهمة، والنماذج البيانية الغامضة، والدوال الرياضية المعقدة (وفقاً لأفكار الحديين والنقديين) وهو ما لا يفهمه الكثير من رجال الحكومة، على الأقل الحرس القديم، أما الجيل الجديد من رجال الحكومة فقد تربوا على هذه النظريات التي تجرعوها في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة بعد أن انتقل إليها مركز الثقل الثقافي عقب تهميش أوروبا واختراقها ثقافياً.
وبالتالي؛ فليس متوقعاً، على أقل تقدير فكرياً، من رجال النظام السياسي تقديم أي حلول لأزمات أوطانهم خارج مقترحات أفكار النظرية التي يتبناها صندوق النقد والبنك الدوليين!
الخروج من التبعية


هل تعتقد أنّ ابتلاء العالم الثالث بالتغرب، كما وصفه المفكر جلال آل أحمد، قد أثر سلباً على أداء النخب الاقتصادية المؤثرة؟

أخذاً في الاعتبار الظروف التاريخية التي قادت إلى تشكيل وعي جلال، والقوى الاجتماعية التي كانت متصدرة المشهد السياسي في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي كتب فيها جلال كتابه "وباء الغرب"، فإنّ مذهبه في هذا الشأن لا يختلف عن مذهب ناقدي المركزية الأوروبية، بل يمكن اعتباره من الرعيل الأول الذي تنبه إلى ضرورة نقد، بل ورفض، التبعية الثقافية، بكل ما تحمله كلمة ثقافة من معني.

اقرأ أيضاً: نصرالله: الاقتصادي السيئ
ولا شك في أنّ سيادة الثقافة الغربية، الأمريكية بوجه خاص، وهيمنة النظرية الاقتصادية الرسمية، الخادم الأمين للنظام السياسي، في المعاهد والجامعات قد أدّيا دوراً حاسماً في سبيل إعدام أي محاولة في سبيل التنمية المستقلة المعتمدة على الذات.
كيف ترى أثر تلك التبعية على تنمية بلدان العالم العربي؟ وكيف أسهمت بتردي أوضاع الاقتصادات الوطنية؟
إنّ التبعية، كما أفترضها، هي أن يفقد المجتمع الاستقلالية الاقتصادية؛ يفقد القدرة على السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي. والمجتمع يفقد الاستقلالية الاقتصادية حينما تتسرب القيمة الزائدة المنتجة داخله، بفضل عرق المنتجين، صوب الأجزاء المتقدمة. وبالتالي يفقد المجتمع القدرة على السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي حينما يمسي عاجزاً عن الإنتاج دون أن يعتمد على السوق الرأسمالية العالمية الَّتي تحتكر إنتاج وسائل الإنتاج الَّتي يعتمد عليها المجتمع المتخلف، التابع، في سبيله إلى تجديد إنتاجه السنوي، بل وفي سبيله إلى تحقيق وجوده الإنساني اليومي.

مازلنا نتجاهل الإجابة عن سؤال التخلّف بعد خروج الاستعمار الّذي شوَّه الهيكل الاقتصادي وسبب التخلّف

الأمر الَّذي يجعلنا نسأل سؤالاً واحداً، ومحدداً، هو: ما مقدار اعتمادنا، نحن أبناء الأجزاء المتخلفة، على الرأسمالية العالمية في سبيلنا إلى تجديد إنتاجنا الاجتماعي السنوي، وتحقيق وجودنا الإنساني والاجتماعي اليومي؟ هذا السؤال هو ما اعتبره "سؤال التبعية". وهو السؤال الَّذي لا يمكن، في تصوري، مناقشته إلا ابتداءً من تصور هيكلي.
أما البحث في مفردات الاقتصاد القومي ككل، وفقاً لنظريات البنك الدولي، والمؤسسة التعليمية الرسمية، فنحن في الواقع لا ننكره ولا نرى مبرراً لإهدار نتائجه، وإنما لا نتجاوز به حدوده الَّتي لا ينبغي له أن يتعداها كبحث ينتهج التصورات الحدية ولا يرى الاقتصاد القومي إلا من خلال معدَّلات التضخم، وبيانات البطالة والفقر، ونسب الجوعى والمرضى، وإحصاءات الدخل... إلخ، لأن هذه الدراسات على هذا النحو تنشغل بعمل أبحاث، إنما حدّية/ آنية، في المشكلات الآنية للاقتصاد المعني دون أن تثير الكيفية التاريخية الَّتي شكلت هذا الـ"آن" الَّذي تبحثه!

ما السبيل إذن للخروج من ذلك النفق المظلم الذي دخل فيه العالم العربي؟
أزمة عالمنا العربي، هي أنّه يعاني من تخلف مزمن، هذه الحالة المرضية المزمنة لا يمكن البرء منها إلا من خلال العمل وبكل قوة من أجل السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجنا الاجتماعي. وبدون تلك السيطرة سنظل دوماً خاضعين لشروط وقرارات مجحفة تملى علينا وعلى أجيال لم تأت بعد ونتحمل أمامها المسؤولية التاريخية كاملة.


الصفحة الرئيسية