في ذكرى سميح القاسم "الناطق غير الرسمي باسم الأمتين العربية والإسلامية"

في ذكرى سميح القاسم "الناطق غير الرسمي باسم الأمتين العربية والإسلامية"

مشاهدة

19/08/2019

في حواره الأخير مع صحيفة "ذوات" الإلكترونية، ظل الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، الذي تمر اليوم ذكرى رحيله، محتفظاً بطاقة الأمل وعنفوان الرفض، وكبرياء المقاتل العنيد؛ كأنه اختار أن يعيش أبداً، مع أنّ الموت كان على مقربة منه. مات جسد الشاعر، لكنّ روحه وأشعاره وفروسيّته ظلت خالدة شامخة كقصائده المفعمة بالكفاح والتحدي.

اقرأ أيضاً: في ذكرى الغياب.. قصائد درويش جرس يذكّر بمآسي العرب
في ذلك الحوار، الذي أجراه الزميل يوسف الشايب، فتح القاسم خزائن ذاكرته على مصراعيها، من دون أن يتخلى عن غضبه في مواجهة حملات التشكيك بمواقفه الوطنية، مشدداً على أنّ الاحتلال الإسرائيلي عابر، ومؤكداً بنرجسيته المحببة: أنا الناطق غير الرسمي باسم الأمة العربية كلها، وكذلك الأمة الإسلامية!

الكتابة عن السفرجل الفاسد حداثة أما الكتابة عن محمد الدرّة فليست كذلك لأنه محمد وليس فرانسوا

تحدث القاسم في اللقاء في محاور ساخنة، بعضها طازج وبعضها استعاده من أروقة الذاكرة التي لربما لا تقل "طزاجة" عن حاضر عبثي، فتناول إشاعات إلقائه قصيدة رثاء لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين، وعن الحصار الذي تفرضه دول عربية عدة عليه وعلى كل مبدعي الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948 لمجرد قرار والديه، ومن ثم هو، البقاء في أرضه.
كما تحدث عن دور المثقف الفلسطيني تاريخياً في التعاطي مع هموم شعبه وقضاياه، بل سرد حكايات نادرة تدين شعراء عرباً كباراً وشخصيات سياسية ودينية عربية وفلسطينية، انعطفوا عن قصد، أو استدراج، ليرموا بثقلهم الشعري ورمزيتهم المعنوية بين الناس في خدمة الصهيونية، قبل حتى قيام دولة إسرائيل على أنقاض ذكريات الفلسطينيين، ومنازلهم، وجثامين شهدائهم.

اقرأ أيضاً: بيت الشعر يحتفي بمحمود درويش في الرباط
كما لم يغفل القاسم عن الحديث حول الشعر العربي وخصوصيته، والدخول في جدل "قصيدة الحداثة"، مؤكداً أنّ هناك شعراء عرباً تفوقوا بحداثتهم على أكبر رموز الحداثة الشعرية في أوروبا.
ديوان "سأخرج من صورتي ذات يوم"

الشاعر الطفل
وحين نبش القاسم في ذاكرته البعيدة عثر على الشاعر الطفل في داخله وكيف تشكّل: كنت في الصف السابع الابتدائي حين اكتشف معلم اللغة العربية "شاعراً في الصف" من خلال موضوع إنشاء وردت فيه مقاطع موزونة ومقفّاة، وذهلت حين اتضح أنني أنا هو "الشاعر" الذي أشار إليه معلم اللغة العربية. حين قدمت إلى المدرسة في الغداة شاحباً محبطاً، وأخبرت المعلم أنني سهرت الليل، ولم أستطع كتابة قصيدة جديدة، داعب المعلم إلياس شَعري ضاحكاً: لا تذهب إلى القصيدة يا بني، دعها هي تأتي إليك، وستأتي.. لا تقلق.

اقرأ أيضاً: رغم رحيلهما.. نزار قباني ودرويش الأكثر متابعة على تويتر
كان هذا هو الدرس الأول في النقد الأدبي الذي تعلمته في طفولتي، وطفولة قصيدتي، وتمسكت بعبرته طيلة حياتي اللاحقة.
القصيدة الصادقة
وبسؤاله عما قاله صديقه الشاعر محمود درويش الذي رحل قبله، بخصوص وصف الصهاينة بأنهم "عابرون في كلام عابر"، قال إنه يوافق ما قاله درويش "بكل تأكيد" موضحاً: مرحلة الاحتلال وما يرافقها من شتات فلسطيني عابرةٌ، لأنّ القصيدة تنبأت بذلك. تشتُتنا بين رام الله والرامة في الجليل أمر طبيعي في هذه المرحلة غير الطبيعية. هذه المرحلة غير الطبيعية مرحلة عابرة؛ لأنّ القصيدة الفلسطينية قالت لها ستكونين لها مرحلة عابرة. هذا ما قالته القصيدة، والقصيدة لا تشتغل بالتكتيك ولا بالخرائط ولا تفاوض. القصيدة تقول حلمها وجموحها بكل حرية، ولذلك فليس هناك شيء أكثر صدقاً من "القصيدة الصادقة". 

حين نسحق بحذاء جندي أجنبي لابد أن نصيح قصيدتنا هي آهاتنا وهي وسيلتنا في رفض الدوس بالحذاء

واستذكر القاسم عودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من تونس إلى فلسطين: يوم ودّعنا قيادة المنظمة في تونس، قلت لأهل تونس "جايين نأخد البنت منظمة التحرير لعريسها الوطن". وقلت بأنّ الدولة الفلسطينية قادمة، فردّ عليّ أحدهم بأنني أهذي، وبأنّ ما أقوله خيال شعراء، فأكدت بأنه ليس على الأرض أكثر واقعية من خيال الشعراء، وخيال الشعراء يقول بأنّ الاحتلال زائل لأنه باطل. الاحتلال يتعارض مع المنطق التاريخي ومع الوعي الإنساني ومع الأديان والشرائع السماوية والأرضية، ومع مهب رياح العصر الذي يرفض الاحتلال والعنصرية ونهب الأرض وبناء البيوت عليها للوافدين من كل أنحاء الأرض، ويرفض ما يسمى "الاستيطان"، وهو استعمار كولونيالي بكل معنى الكلمة. هذا ما قالته القصيدة الفلسطينية منذ بداية الصراع.

ديوان "عجائب قانا الجديدة"
وسئل القاسم خلال الحوار: هل تعتقد أنّ القصيدة فعل نضالي؟ فجاءت إجابته: وكيف لا؟ الشاعر الفلسطيني كان يدرك حقوقه، وعلى وعي بها منذ بدايات القرن الماضي. يمكنني الحديث بإسهاب عن نضالات القصيدة الفلسطينية، وعن فضائح لشعراء عرب وشخصيات سياسية ودينية فلسطينية وعربية تورطت في مديح المندوب البريطاني السامي "الصهيوني"، والمشاركة في افتتاح الجامعة العبرية ومشاريع يهودية أخرى، من بينها مشاركةُ مفتي يافا في افتتاح مشروع لصناعة الخمور في "غوش عتصيون" قبل العام 1948، ونظمُ الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي قصيدةً يصف فيها ليلة لقائه بهربرت صموئيل بأنها كـ "ليلة القدر"، ومشاركة مفتي القدس ومطرانها الأكبر في وضع حجر الأساس للجامعة العبرية.

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
بداية الصراع لم تبدأ مع جيلنا، كانت هناك أجيال سابقة. قبل أعوام أصدرتُ بالتعاون مع "اليونسكو" كتاباً بعنوان "مطالع في أنطلوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام"، بدأت من كشاجم الرملي الذي كان يلقب بـ"متنبي فلسطين" قبل ألف عام، وكان الهدف من هذا الكتاب الرد على مقولة الاحتلال الفلسطيني بأنّ الشعب الفلسطيني غير حضاري، ولو كان يملك حضارةً لما ترك أرضه، وأننا لم نعرف الحضارة إلا بقدوم الحركة الصهيونية وقيامها بتجفيف مستنقعات الخضيرة وبدء العمران على طريقة هرتسل في كتابه "المدينة القديمة الجديدة". ويرمز هرتسل للفلسطيني في كتابه هذا بشخصية رشيد بيك، وهو إقطاعي يرى أنّ المشروع الصهيوني يجلب العمران والحضارة فيقدم أرضه للمشروع الصهيوني، وينسجم معه وينخرط فيه.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
وماذا عن شعر المقاومة.. هل اغتيل مع توقيع اتفاقية أوسلو؟ سئل القاسم، فكان رده: لست من أنصار عقلية المؤامرة، من مؤامرة على اللغة العربية، لكن في الأعوام الأخيرة نشأت بعض القضايا التي يجب أن تكون واضحة للجيل الجديد، كما كانت واضحة بالنسبة إلينا.
ظهر تيار يتحدث عن أنّ زمن شعر المقاومة وشعر القضية ولى، وأنّ لا لزوم ومبرر له، وأنّ الفنيات في القصيدة تتناقض مع السياسة. وقال القاسم: نحن كشعب عربي بالعموم، وكشعب فلسطيني على وجه الخصوص، لابد أن ندرك أنّ الثقافة هي خندقنا الأخير. ليس لدينا سلاح طيران، ولا دبابات، ولا نفط، ولا نحاس، ولا ذهب، ولا حديد. ليس لدى شعبنا إلا ثقافته، واعتزازه بتاريخه، وثقته بعدالة قضيته، فنحن ضحايا عدوان. نحن لسنا عنصريين ولسنا إرهابيين بل ضحايا العنصرية والإرهاب.

اقرأ أيضاً: زوجات الشعراء والكتاب
الغريب أنهم يحتلون أرضنا ويبنون المستوطنات عليها، وحين نطالب بحقوقنا كبشر يتهموننا بالإرهاب. نحن لا نطلب إلا بحقنا في العيش بحرية في بيوتنا، ونأمن على أهلنا ومأكلنا. نحن لا نطالب بضم سويسرا إلى فلسطين. نحن ضحايا ويسعون إلى تصويرنا على أننا جلادون.

نريد أن نعيش أحراراً
نحن لا نرتجي نجومية من وراء شعر المقاومة وشعر القضية. "حلّوا قضيتي وقضية شعبي وروحوا بستين داهية إنتو والشعر". نحن لم نصنع الكارثة لنكتب شعر مقاومة وشعر قضية. ما به شعر الحب والمرأة والطبيعة، لكن حين نسحق بحذاء جندي أجنبي لابد أن نصيح. قصيدتنا هي آهاتنا وهي وسيلتنا في رفض الدوس بالحذاء. "حلوا عن ضهرنا وما بدنا مجد الشعر ولا نجومية الشعر". ما نريده أن نعيش أحراراً كبقية شعوب الأرض. حين نتحرر في فلسطين ونتخلص من آثار جريمة "سايكس بيكو"، لن يعود هناك مبرر لكتابة شعر المقاومة.

مرحلة الاحتلال وما يرافقها من شتات فلسطيني عابرةٌ لأنّ القصيدة تنبأت بذلك لأنها لا تشتغل بالتكتيك ولا بالخرائط ولا تفاوض

حينها قد يكون عمري ربما 200 أو 220 سنة، وسأبحث آنذاك عن "صبية حلوة" لأكتب شعر الغزل فيها. شعر المقاومة والقضية ضرورة تاريخية، ما دام هناك احتلال وعنصرية وعنف وديكتاتوريات وطاغوت. شعر المقاومة ليس فقط ضد الاحتلال، بل ضد الغاطوت العربي، وضد التخلف والجهل، وضد ما أسميه "الجاهلية الجديدة". جميع أدباء التاريخ كانوا يتحدثون عن قضاياهم الوطنية، فلماذا تحلل لهم وتحرم علينا. ذات مرة هاجم ناقد فرنسي فيكتور هوغو لـ"كثرة حديثه عن الشعب"، فرد عليه هوجو بسؤال استنكاري مفاده "وهل الشعب قافية رديئة؟!".
وبسؤاله عن موقعه من شعر الحداثة قال القاسم: لا أدري ما مفهوم الحداثة في الشعر. لا أعتقد أنّ شعر السفرجل الفاسد شعر حديث، أو كما صرح شاعر أوروبي بأنه لا يستطيع كتابة الشعر دون شمّ رائحة السفرجل الفاسد. الكتابة عن السفرجل الفاسد حداثة، أما الكتابة عن محمد الدرّة فليست كذلك؛ لأنه محمد وليس فرانسوا.


الصفحة الرئيسية