"فيسبوك": هل أصبحت الخصوصية وهماً؟

618
عدد القراءات

2018-04-18

"لم يَعد لديكم أية خصوصية، تقبَّلوا هذا الأمر"، بهذه الكلمات حذّر سكوت ماكنيلي، المؤسس المشارك لشركة صن مايكرو سيستمز العام 1999 من مآلات ثورة المعلومات، وفق ما يذكر بيتر بيسيل في كتابه "الكون الرقمي"، فهل غدت هذه النبوءة أمراً لا مجال للفكاك منه فعلاً، ولكن ليس هذه المرة عبر قراصنة الحوسبة وألاعيبهم التي لا تتوقف؛ بل بالتراضي من خلال مواقع شرعية على رأسها "فيسبوك
ما بين "كورنيليا" و"فيسبوك"
في ظل العهد الجمهوري الروماني صدرت العام  810 قبل الميلاد نصوصٌ تشريعية عرفت باسم "قانون كورنيليا"، بهدف حماية خصوصيةِ الأفراد؛ حيث اعتبرت أسرار البيوت والمعلومات الخاصة بأصحابها في ذلك الحين، أشياء مقدسة، لا يجوز اقتحامها.

تلاحق  "فيسبوك" منذ 7 أعوام اتهامات بانتهاك الخصوصية بلغت ذروتها العام 2018

والمفارقة أنّه بعد مرور قرابة 3 آلاف عام، أدى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي إلى تغيير معاني الخصوصية، مثل؛ الحياة العاطفية، الآراء السياسية، الدينية، الاهتمامات الخاصة، ومراسلات الأفراد، إضافةً إلى أماكن سكناهم وتواجدهم في لحظاتٍ معينة، بحيث أصبحت مشاعاً، إن صح التعبير، وغدا تعبير الفرد عن ذاته، مرتبطاً أحياناً بانتهاكه خصوصياته.
المؤسس والمدير التنفيذي لموقع فيسبوك، مارك زوكربيرغ

تنازل طوعي عن الخصوصية
ربما تحمل عبارة  "لا أحد يهتم بخصوصياته" مبالغةً ما، غير أنّ إلقاء نظرةً على صفحات أشخاصٍ مختلفين على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، سوف تحسم هذا الجدل، في ظل أنّ العديد من هؤلاء يعرضون ببساطة خصوصياتهم وأجزاء من اهتماماتهم على الموقع وبشكل دائم.
العديد من الأفراد، أصبحوا يبادرون إلى عرض أمورٍ خصوصية عنهم من أجل الحصول على اهتمام وشهرة تجعلهم  أكثر تميزاً عن باقي مستخدمي "فيسبوك"، ووصل الأمر إلى قيام أشخاصٍ ببث جرائمهم بالفيديو، ومباشرةً، مثلما فعل رجل في مدينة كليفلاند الأمريكية، خلال نيسان (إبريل) 2017، حين بث ارتكابه جريمة قتل بحق رجلٍ عجوز، وهناك جرائم أفراد جماعاتٍ مسلحةٍ مثلاً، في دولٍ عربية تشهد عدم استقرار، بات مستخدم "فيسبوك" يراها مباشرةً في بعض الأحيان، قبل أن يقوم الموقع بحذفها.

الكثيرون يبادرون لعرض أدق خصوصياتهم بهدف الحصول على اهتمام وشهرة تجعلهم بأي طريقة مميزين

بينما توجد صفحات، يقوم أصحابها بنشر أدق تفاصيل حياتهم اليومية ومشاعرهم مثل الصفحة الشهيرة للزوجين "سارة وأبو جاد"، ما يجعل "فيسبوك" مجتمعاً رقمياً يقدم معظم أفراده معلوماتهم الخاصة على الموقع بأنفسهم.
وهو ما يجعل بنود اتفاقية الخصوصية بشأن فتح حسابات على "فيسبوك"، تبدو غير مهمة أو مقروءة من الأساس رغم بعض الخطورة الكامنة فيها؛ حيث تنص الفقرة رقم 1، من بند مشاركة المحتوى والمعلومات الخاصين بحقوق الملكية الفكرية، على أنّه "بالنسبة للمحتوى المحمي بحقوق الملكية الفكرية، مثل؛ الصور ومقاطع الفيديو، فإنك تمنحنا تحديداً الإذن التالي، وبما يخضع للخصوصية وإعدادات التطبيق لديك: إنك تمنحنا ترخيصاً دولياً غير حصري قابل للنقل والترخيص من الباطن وغير محفوظ الحقوق لاستخدام أي محتوى محمي تنشره على فيسبوك أو له صلة بفيسبوك".
الاستخدام غير العادل للمعلومات
وإذا ما تم طرح سؤال: هل يستفيد فيسبوك من انتهاك الخصوصية؟باعتباره سؤالاً مشروعاً، فإنّ سلسلةَ القضايا بهذا الشأن، بدأت منذ العام 2011، حين أعلنت المحكمة الفيدرالية الأمريكية تسويةً واسعة، يقوم موقع "فيسبوك" بموجبها، باحترام خصوصياتِ مستخدميه، بعد تهمٍ "بالاستخدام غير العادل للمعلومات".
وكانت التهم تضمنت كذلك "مشاركة معلومات مستخدمي فيسبوك مع مطوري برامج وشركاتٍ خارجية"، إضافةً إلى "السماح للمعلنين بجمع معلوماتٍ عن المستخدمين بمجرد ضغطهم على أي إعلانٍ من خلال موقع فيسبوك"، وفقاً لما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011.

المشتركون ليسوا مجرد زبائن بل هم مُنتج يباع ويتم استهلاكهم من خلال الحصول على معلوماتهم

وفي الرابع من الشهر الحالي، عادت صحيفة "نيويورك تايمز" من جديد، لتنشر تقريراً حول مشكلة شركة "كامبريدج أناليتيكا" المختصة بجمع وتحليل البيانات، التي "حصلت على معلومات ما لا يقل عن 87 مليون مستخدم، مستخدمة إياها بطريقةٍ غير مشروعة،مستغلةً المعلومات في الحملة الرئاسية للرئيس الحالي دونالد ترامب في 2016".
سبعة أعوامٍ تقريباً، والاتهامات بانتهاك الخصوصية من قبل فيسبوك تطل برأسها بين حينٍ وآخر، لكن الاتهامات والشبهات، تأججت عام 2018، وفتحت مشكلة شركة "أناليتيكا" الباب على مصراعيه، لعودة الجدل حول ما يفعله فيسبوك بشأن معلومات مستخدميه.
مستهلكون للبيع
يربح "فيسبوك"، بقدر ما يمتلك من مشتركين على صفحته، وحين يفكر أي شخصٍ في كون البرنامج مجانياً،لا ينتبه بأن البرنامج ليس مجرد جمعية خيرية، فهو يضم 2.2 بليون مشترك نشط، بحسب الإحصاء الأخير لموقع "statista"، وهؤلاء المشتركون، ليسوا زبائن فقط؛ بل هم المنتج نفسه، الذي يباع ويتم استهلاكه، وذلك من خلال الحصول على معلوماتهم وإعادة بيعها لشركات الإعلانات بطرقٍ مختلفة، مثلما حصل مع شركة كامبريدج أناليتيكا.
جمع المعلومات "يتم من خلال السماح لشركاتٍ كأناليتيكا، بتطوير تطبيقاتٍ وإعلانات، يمكن لها جمع البيانات والمعلومات عن مستخدمي موقع فيسبوك، مثل؛ ما يكتبونه، ويشاركونه، والاهتمامات، وغيرها، وكل ذلك، يتم بمجرد الضغط على الإعلانات أو التطبيقات، ومنها "ما يتفعل وحده، ويقوم بجمع المعلومات الأساسية من حسابات المستخدمين"، بحسب الصحفي المتخصص في تقنيات مواقع التواصل الاجتماعي أحمد الشيخ.
فيديو الغد:

 

ويضيف الشيخ خلال لقاء له مع تلفزيون الغد، في 22 آذار (مارس) 2018، أنّ "هذه البرامج، تُكون صورةً دقيقة عن المستخدم من خلال جمع بياناته، مما يسهل إعادة بناء تفاصيل شاشة الـ (news feed) وفق أهداف ومصالح هذه الشركات للتحكم في توجهات المستخدم".
وبناء على ما قاله المتخصص في وسائل التواصل، يمكن من خلال البيانات الضخمة "Big Data"، التي تجمعها هذه الشركات، العبث في خصوصياتِ المستخدمين، وفي حين تعني خصوصيتهم أنّ من حقهم وحدهم، التحكم بتوجهاتهم ومعلوماتهم وعلاقاتهم، سوف تتحول ملكية هذا التحكم، إلى شركات وقوى اقتصادية أو سياسيةٍ مثلاً.
فيديو من بي بي سي يشرح مثالاً على التلاعب بالمستخدمين:

وكون مستخدم فيسبوك، هو السلعة التي يروجها الموقع ربما، من خلال معلوماته المعروضة للبيع والاستفادة، وسلوكه المعروض للتحكم.  فإنّ الأمثلة على جمع البيانات والمعلومات لتوظيفها من قبل فيسبوك، عديدة، آخرها ما كشفته شبكة وقناة "cnbc" الاقتصادية الأمريكية بتاريخ 5 نيسان (إبريل) الحالي، عن إرسال شركة فيسبوك "طبيباً، من أجل إقناع مستشفياتٍ كبيرةٍ في أمريكا، ومؤسسات تعمل في قطاع الرعاية الصحية، مثل كلية طب ستانفورد والكلية الأمريكية لأمراض القلب. داعية إياهم مشاركة سجلات مرضاهم الطبية".

 

المستخدم شريك لفيسبوك في انتهاك خصوصياته ومعلوماتُه هي السبب الأساسي لاستمرار الموقع ووجوده

أيضاً، تضمنت البيانات المطلوبة، التي تسعى شركة فيسبوك للحصول عليها "عمر المريض، وعدد الزيارات التي يقوم بها للمستشفى، والعلاج، لربطها ببيانات المستخدمين على موقع فيسبوك"، لكن المشروع توقف ولم يتجاوز مرحلة التخطيط بعد "فضيحة شركة كامبريدج أناليتيكا"، بحسب القناة.
هل يكفي اعتذار زوكربيرغ؟
المؤسس والمدير التنفيذي لموقع فيسبوك، مارك زوكربيرغ اكتفى مبدئياً؛ بالاعتذار في صفحات صحفٍ عالميةٍ كبرى، مثل "صنداي تليغراف، وصنداي تايمز، والأوبزرفر، وصنداي ميرور، وصنداي إكسبرس، وفي الولايات المتحدة؛ نُشر اعتذار زوكربرغ على كامل الصفحات الأخيرة لصحف نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وول ستريت جورنال"، وفقاً لما نشره موقع "بي بي سي" في 26 آذار (مارس) 2018.

هل يستغني فيسبوك عن المنتج الأساسي الذي يروجه لضمان مساحة حريةٍ وخصوصيةٍ أكبر من أجل مستخدميه؟

ولحق باعتذار زوكربيرغ، عنوانٌ كبير، نشرته "الإنديبندنت" البريطانية، ويتحدث عن "قيام فيسبوك بمحو رسائل للمستخدمين من صناديق رسائلهم، بصورةٍ سرية، ودون إعلامهم". وهو ما اعتبرته الصحيفة في تقريرها المنشور بتاريخ 6 نيسان (إبريل) الحالي "خرقاً لشروط خدمة فيسبوك المعلنة للمستخدمين".
وعد زوكربيرغ، خلال اعتذاره المذكور؛ باتخاذ إجراءاتٍ تحدُّ من كل ما تم ذكره في هذا التقرير، لكن، وبعد ما يبدو أنه مأسسةٌ لانتهاك الخصوصية، هل يتم الاستغناء عن المنتج الأساسي الذي يروجه "فيسبوك" من أجل ضمان مساحة حريةٍ وخصوصيةٍ أكبر من أجل مستخدميه؟ خصوصاً لو تخيل المستخدم، أنه شريك للموقع في نشر خصوصياته وانتهاكها، وأن معلوماته، قد تكون السبب الأساسي لاستمرار الموقع ووجوده.

اقرأ المزيد...

الوسوم: