هل تمثل ولاية الفقيه إجماعاً في الفقه الشيعي؟

هل تمثل ولاية الفقيه إجماعاً في الفقه الشيعي؟


16/09/2019

لعلّ المذهب الشيعي هو الوحيد بين المذاهب الإسلامية الذي يتمتع بإكليروس "كهنوت" ديني؛ إذ يُكوّن فيه رجال الدين طبقة اجتماعية خاصة بهم، تتمتع بمظهر مغاير، ومصدر دخل اقتصادي خاص، ومكانة مرموقة ضمن الهرم الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: "ولاية الفقيه".. حين انقلب الخميني على الفقه السياسي الشيعي
ويمكن التمييز في قمة الهرم الشيعي بين عدة طبقات من كبار رجال الدين، تقع المرجعية في مقدمتها؛ إذ يبلغ الشخص مرحلة القوة في استنباط الأحكام من مصادر التشريع بحيث يصبح موضع اتّباع العامة من الشيعة، وفوق هذه الطبقة تأتي المرجعية العامة؛ وذلك حينما تتجاوز شهرة المرجع مدينته، وإقليمه الجغرافي، ويصبح مرجعاً دينياً على مستوى البلاد. وفوق كل ذلك تأتي طبقة المرجعية العليا؛ إذ يتشكل ما يشبه الإجماع في كل البلدان الشيعية على أعلميّة المرجع؛ وهو ما يجعله أشبه بالزعيم الديني للأمة الشيعية.

يمكن وصف المنهج التقليدي المتبع في الحوزات العلمية بالانشطاري كونه يكرّس دائماً تعدُّدية في المراجع والمدارس

ويمكن وصف المنهج التقليدي المتبع في الحوزات العلمية بالمنهج الانشطاري، كونه يكرّس دائماً تعدُّدية في المراجع والمدارس، ويمتلك فيه كل مرجع مدرسة مستقلة مرتبطة به، ويقوم طلبة المرجع بتوسيع نطاق مدرسته، عبر إعادة الدروس في المدرسة ذاتها، وتحت إشرافه، لعدد أكبر من الطلبة. أو يتوسعون بها جغرافيّاً، حينما يعود طلبة المرجع إلى مدنهم للترويج لمنهج مرجعهم، وتجميع المصادر المالية لصالحه، كل ذلك كان يؤدي في نهاية المطاف إلى عملية انشطارية، مؤداها إنتاج المزيد من مراجع التقليد، وهي ظاهرة ممتدة إلى يومنا هذا.

ولا شك أنّ فكرة "مرجعية التقليد" انطوت على أسس لما عُرف لاحقاً بـ"ولاية الفقيه"؛ إذ قامت على أساس تولّي الفقهاء رعاية الأمة الشيعية نيابةً عن الإمام المعصوم الغائب، وذلك بحسب النصوص التي أوكلتهم بإدارة "شؤون الحسبة". لكنّ تطور هذه الفكرة إلى رؤية سياسية حدث فقط، مع "الحركة الدستورية الإيرانية" في بدايات القرن العشرين؛ حيث اعتبر بعض الفقهاء أنّ الحكومة هي شأن من "شؤون الحسبة"، وبالتالي فإنّ الولاية عليها إنّما تكون للفقيه الذي يوكِّلُ بدوره عليها السلطان.

اقرأ أيضاً: 6 معارضين من علماء الشيعة لولاية الفقيه.. لماذا رفضوها؟
وبهذا المعنى فإنّ نظرية ولاية الفقيه لم تكن حصيلة رؤى مُنظّري الثورة في إيران، كما يظن كثيرون، بل تمتد جذورها إلى ما قبل ذلك، لكنها كانت أقرب إلى "نظرية سياسية"، ولم تصبح "نظرية في الحكم" إلا بعد الثورة الإيرانية، ولم تكتمل كـ "نظرية دولة"، إلا بعد مرور عدة سنوات، على الأقل، من عمر الثورة الإيرانية؛ إذْ تطورت تفاصيلها لكي تكون رؤية شاملة لإدارة شؤون الدولة.
وأسهم في تطوير نظرية ولاية الفقيه إلى جانب الخميني عدد آخر من رجال الدين الشيعة، مثل؛ حسين علي منتظري، ومحمد باقر الصدر، وبين هؤلاء الثلاثة، يمكن ملاحظة فوارق جمّة في المساحة التي يمكن أن تتضمنها ولاية الفقيه جغرافياً أو سياسياً أو تشريعياً، كما يمكن العثور على فوارق مهمة في طريقة تسمية الولي الفقيه، ومصادر شرعيّته.

اقرأ أيضاً: لماذا "ولاية الفقيه" حدث طارئ في السياق الشيعي العربي؟

وبالنظر إلى النسخة التي تبنّاها الدستور الإيراني من "ولاية الفقيه"، يمكن تسجيل عدد من الإشكالات الرئيسة التي واجهتها، أو خلقتها الفكرة؛ فهذه النظرية، وإن كانت في الظاهر استمراراً لسطوة المرجعية الشيعية، وتتويجاً لها، إلّا أنّها خلقت ازدواجيةً تمثلت في ثنائية "المرجعية الشيعية/الولي الفقيه"؛ إذْ أصبحتَا مؤسستَيْن مختلفتَيْن ومتمايزتَيْن؛ فليس كلّ مرجعٍ شيعي وليّاً فقيهاً، كما أنّه لا يجب على الولي الفقيه أن يكون مرجعاً من مراجع التقليد وفق الدستور الإيراني.

هذا الوضع المعقد طرح تساؤلات كبيرة، هزّت أركان مؤسسة الولي الفقيه، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ نظرية ولاية الفقيه ليست نظرية الأغلبية من فقهاء الشيعة إلى يومنا هذا، وإنّما هي بنسختها الحالية، نظرية الندرة من الفقهاء؛ ما يجعلها مهدّدة دوماً من قبل الحاضنة الفقهية. ويمكن الإشارة إلى أنّ "أبو القاسم خوئي"؛ وهو أحد أكبر مراجع التقليد في زمانه، كان يرفض "ولاية الفقيه" جملةً وتفصيلاً، مؤكداً ألّا خبر في السنة، والعترة يدل عليها. وكذلك كان رأي كل من: محمد هادي ميلاني، ومحمد كاظم شريعتمداري، ومحمد علي أراكي، ومحمد حسين طبطبائي، ومحمد حسين فضل الله، وعلي سيستاني، ومحسن الحكيم؛ ما يجعل الخميني شبه منفرد في زمنه بهذه النظرية.

اقرأ أيضاً: هل يتفق نظام ولاية الفقيه مع الجمهورية الإسلامية؟ معارضان إيرانيان يجيبان

ومما زاد الوضع صعوبة، أنّ مراجع التقليد الذين كانوا يؤيدون فكرة ولاية الفقيه، كانوا يؤكدون في الوقت ذاته أنّه يتعيّن على الولي الفقيه أن يكون مرجعاً للتقليد على أقل تقدير، إن لم يكن المرجع الأعلى أو المرجع العام. والحال أنّه إذا كان كثير من مراجع الشيعة (وليس كلهم) يرون أنّ الخميني كان مرجعاً عاماً، فإنّهم بالإجماع، لا يرون مثل هذه المكانة لخلفه خامنئي.
ولذلك ظلّ خامنئي يعاني من هذا الخلل في شرعيته الدينية على الرغم من سنوات حكمه الطوال، ثم إنّ ما تبنّته وجهة النظر الرسمية الإيرانية من أولوية حكم الولي الفقيه على حكم مراجع التقليد، وضرورة اتّباعهم له في حال حدوث تناقض في الأحكام (وهي فكرة طرحها هاشمي رفسنجاني لأول مرة، وكررها من بعده بعض الفقهاء مثل مكارم شيرازي) يتعارض مع شمولية ولاية مراجع التقليد في الحياة الدينية لأتباعهم، ولذلك يعارض الكثير من الفقهاء الشيعة وجهة النظر الرسمية الإيرانية هذه.

وبالنظر إلى هذه الازدواجية في الولاية، بين مؤسستي "المرجعية" و"ولاية الفقيه"، والصراع الذي تجتلبه، اتجه النظام الإيراني إلى التصدي للأخطار المحتملة القادمة من مؤسسة المرجعية عبر اتخاذ تدابير احترازية، وإجراءات تنظيمية وتوجيهية من أجل ترويض مؤسسة المرجعية أو تحييدها؛ فقام بتأسيس نظام شامل يوحد مختلف الحوزات العلمية تحت عنوان "منظمة الحوزات العلمية"، ووضعه تحت إشراف "مركز إدارة الحوزات العلمية"؛ وهو إطار يشبه وزارة التعليم العالي المشرفة على الجامعات. وجرى تأسيس "رتب علمية" موحدة، ينبغي على طالب العلوم الدينية بلوغها، ضمن "نظام علامات" مُوحَّد؛ تبدأ من مستوى المتعلم المبتدئ، وتنتهي إلى مستوى دروس الخارج، ليحصل من يبلغها على درجة الاجتهاد. واستولى النظام من خلال هذه المؤسسات على إدارة "اقتصاد المرجعية"، عبر تنظيم وتقنين عمليات جمع، وتوزيع الصدقات، وزكاة الخمس، وإدارة الأوقاف.

اقرأ أيضاً: هل يختلف الشيعة على مفهوم ولاية الفقيه؟

كان ذلك ثورة حقيقية في تغيير المنهج، ثم قدّم النظام الإيراني قائمة بمراجع الرسميين الذين يجوز تقليدهم؛ وهي خطوة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية، كما جرى تقييد نشاط مراجع التقليد الذين يعارضون نظرية ولاية الفقيه، وبشكل تعسفي وخشن أحياناً. وتوّج النظام الإيراني جهوده "الترويضية" هذه، بإنشاء محكمة خاصة برجال الدين في إيران.

وبطبيعة الحال لم تكن هذه التغييرات موضع ترحيب من مراجع التقليد الذين اعتبروها انحرافاً عن المنهج السليم لدراسة العلوم الدينية، ومانعاً على طريق استقلال الحوزات العلمية، لكن النظام السياسي تمكن من فرضها، وتكريسها عبر حزم مختلفة من المحفزات، والعقوبات.

ما قام به النظام السياسي في إيران على صعيد إعادة هيكلة مؤسسة المرجعية، وتقنينها، وترويضها آتى ثماره في دعم وتكريس الرواية الرسمية الإيرانية للفقه الشيعي. وفتح الباب أمام هيمنة مراجع تقليد متناغمين مع سلطة الولي الفقيه، وأغلق الأبواب على مراجع التقليد المعارضين.

لم تنجح بعدُ عملية ترويض المرجعية خارج الحدود الإيرانية خاصة في النجف التي تنافس قُم

إلّا أن "عملية الترويض والتحييد" هذه، ما زالت تواجه بعض العقبات العملية؛ فالساحة لم تخلُ بعدُ من وجود مراجع تقليد معارضين لفكرة ولاية الفقيه، ولسياسات النظام الإيراني، أو لبعض تصرفات القائد الأعلى.
لم تنجح بعدُ عملية ترويض المرجعية خارج الحدود الإيرانية، خاصة في النجف التي تنافس قم في عدد المراجع والمدارس الدينية. وبالرغم من الجهود التي يبذلها النظام الإيراني للتأثير على العالم الشيعي غير الإيراني، عبر حقن مراجع تقليد إيرانيين في هذا العالم (مثل ما حدث في محاولة طرح هاشمي شاهرودي للمرجعية في العراق)، لكنّ الهيمنة والسطوة في العالم الشيعي، لا تزال بيد مراجع تقليد تخرجوا من حوزات العراق. وهناك ظاهرة أخرى أسهمت في عرقلة جهود النظام الإيراني، تمثلت بهجرة عددٍ من علماء قم إلى النجف، بُغية التخلص من الضغوط، وهو ما عزّز فرص التعارض بين النجف وقم في المناحي السياسية.

اقرأ أيضاً: آية الله خامنئي: الانتقال من ولاية الفقيه إلى السيطرة العسكرية
لذلك اتجه النظام الإيراني إلى العزف على الحدود الجغرافية لمؤسسة المرجعية؛ حيث طرح قضية أن يكون المرجع ضمن الحدود الجغرافية (وهي قضية تُطرح لأول مرة أيضاً في تاريخ الفقه الشيعي)، إلا أنّ الأمر لم يُجْدِ نفعاً بعدُ؛ إذْ لا تزال فئات عريضة من المجتمع الإيراني المتديّن، تُقلد مراجعَ في العراق، ومنهم السيستاني.
وفي المجموع، يمكن القول إنّ عملية إعادة هيكلة المرجعية الشيعية، والخطوات التي قام بها النظام الإيراني في سبيل ترويضها، حقّقت نجاحات ملحوظة حتى الآن، على الرغم من أنّها واجهت بعض العقبات الجغرافية والظرفية والفقهية. فقد جرى إخضاع معظم المؤسسة الدينية الشيعية لسلطة الولي الفقيه، والنظام السياسي الإيراني. لكن لو أخذنا بعين الاعتبار أننا بإزاء مؤسسة حافظت على استقلالها لأكثر من ألف عام، وأنّها مؤسسة دينية عابرة للحدود الجغرافية، وكانت في معظم المراحل التاريخية خارج الهيمنة المباشرة للسلطة السياسية، ندركُ حينها أنّ عملية إعادة هيكلة هذه المؤسسة، وترويضها، تنطوي على انعكاساتٍ ومخاطرَ جمّة، ستُهدّد مستقبل الفقه الشيعي بشكل عام، وتُفقِده إحدى أهم مزاياه، وسماته التاريخية، وهي الاستقلال عن السلطة السياسية، وحصانته من تقلباتها. وذلك لأسباب عدة، منها تعارض الجغرافيا الدينية مع الجغرافيا السياسية، وتراجع أهمية المؤسسة الدينية، نتيجة تحوّلها إلى مجرد أداة في يد السلطة السياسية.

الصفحة الرئيسية