"20 قصيدة حب".. صوت الشاعر يبحث عن الريح

"20 قصيدة حب".. صوت الشاعر يبحث عن الريح


02/06/2020

أوميد عبدالكريم إبراهيم

كان للحقبة التي عاش في ظلها الشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا «1904-1973»، وما شهدته من حروب وأحداث عصفت ببلاده وبعدد من دول العالم، تأثير واضح على أعماله الشعرية التي طغى عليها الطابع الثوري الرافض للظلم والجور من جهة، والحزن والألم والحنين إلى الوطن من جهة أخرى، لاسيما في مجموعته وباكورة أعماله «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» التي أصدرها نيرودا وهو في أوج شبابه، والتي ترجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية، إلى جانب لغات أخرى، وحازت إعجاب النقاد والقراء على حدٍّ سواء.
نيرودا المولود في إحدى القرى النائية وسط تشيلي عام 1904، والذي وصفه الروائي الكولومبي الكبير، جابرييل جارسيا ماركيز بالقول إن «بابلو نيرودا من أفضل شعراء القرن العشرين في جميع لغات العالم»، أصدر مجموعة «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» عام 1924، أي في بدايات تشكل هويته الثقافية وتجربته الأدبية، وفيها رفع الشاعر التشيلي الكبير راية التحدي في وجه الظلم والمهانة، وتتكون هذه المجموعة من 20 قصيدة كما يتضح من عنوانها، حيث يقول في إحداها، مُصوراً ضعف البشر ومُشبهاً العالم بجسد امرأة:
يا عطشي، يا اشتياقاً لا ينتهي
يا طريقيَ الحائر!
دروبُ مياهٍ مظلمة
حيث العطش الأبدي يستمر
والعناء يستمر
والألم لا نهاية له

الصمت المطبق

نيرودا الذي حاز العديد من الجوائز العالمية أبرزها جائزة نوبل في الآداب عام 1971، كما حاز الدكتوراه الفخرية من جامعة أوكسفورد، والذي كتب عنه الناقد الأدبي، هارولد بلوم: «لا يمكن مقارنة أي من شعراء الغرب بهذا الشاعر الذي سبق عصره»، يسخر في إحدى قصائده من الصمت الدولي المطبق تجاه ما سماه «الظلم والممارسات المريضة»، وفي هذا الإطار يقول في قصيدة «تعجبينني حين تصمتين»:
تعجبينني حين تصمتين لأنك تكونين كالغائبة/ وتَسمعينني من بعيد، وصوتي لا يلامسك/ تبدو عيناك مرتبكتين/ ويبدو أنَّ قبلةً ستطبقُ على فمك/مثل كل ما يمتلئ بروحي/ تُشرقين، ممتلئةً بروحي/ وتشبهين روحي، يا فراشة الحلم/ وتشبهين كلمةَ كآبة.

نقد ذاتي

لم يكتفِ الشاعر التشيلي الكبير الذي كان شيوعيَّ التوجه، بانتقاد العالم على صمته مما يحدث، بل عمد إلى النقد الذاتي، واعتبر نفسه جزءاً من ذلك العالم الصامت الذليل، ملقياً اللوم على نفسه لأنه أضاع حبه ووطنه، فيقول في قصيدة «أستطيع أن أكتب الأشعار»:
في الليلة نفسها التي تبيَضُّ فيها الأشجار نفسها/ نحن، اللذَيْن كنّا آنذاك، لم نعد كما كُنّا/ لم أعُدْ أُحبها، صحيحٌ، لكنْ كمْ أحببتها/ كان صوتي يبحث عن الريح كي يلامس سمعَها/ ستكون لآخَر. لآخَر. مثلما كانت من قبْل لقبلاتي/ صوتها، جسدها المضيء. عيناها اللانهائيتان/ لم أعُد أُحبها، صحيحٌ، لكنْ ربّما أحبها/
كم هو قصيرٌ الحب، وكم هو طويلٌ النسيان.

طريق العودة

كان الحزن والكمد والحنين سمات طاغية على قصائد المجموعة، وفيها كان نيرودا يبحث عن طريق العودة إلى الوطن والدروب المؤدية إلى أحضانه، حيث يقول في قصيدة «لقد فقدنا حتى هذا الشفق»:
رأيت من نافذتي
مهرجان الغروب فوق الربى البعيدة
ومثل قطعة نقود
تتّقد شذْرَةٌ من الشمس بين يديّ
لماذا يداهمُني كل هذا الحب
عندما أشعر بالحزن، وأَشعرُ بكِ بعيدة؟
اختار نيرودا عنوان «أغنية يائسة» ليختتم بها مجموعته الشهيرة، وفيها يتحدث عن موت حب التسامح في قلوب البشر، وكيف تسبب الحروب بتدمير العالم الجميل وتحوله إلى أنقاض أشبه بنهاية البشرية، حيث يقول:
يلحّ تذكُّركِ في الليلة التي أنا فيها
يَمزج النهرُ بالبحر نواحه العنيد
مهجورٌ مثل الأرصفة وقت السَحَر
إنها ساعة الرحيل، أيها المهجور!
تُمطر فوق قلبي تويجاتٌ باردة
يا مثوىً للحطام، يا كهفاً مفترساً للغرقى!
تتراكمُ فيكِ الحروب والأجنحة المحلّقة
ومنكِ تنهض بأجنحتها عصافيرُ الغناء
فيكِ غَرِقَ كلُّ شيء، مثل البعد
مثل البحر، مثل الزمن. فيكِ غَرِقَ كل شيء!

الرحيل الأبدي

مجموعة «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» لم تكن وحدها ذات طابع حزين ومؤلم بين أعمال نيرودا، فقد عاصر الشاعر التشيلي معظم الحروب والأحداث التي عصفت ببلاده وبالعالم خلال القرن العشرين، كما كان من أبرز النشطاء السياسيين، وعضواً بمجلس الشيوخ ومرشحاً سابقاً للرئاسة في تشيلي، ومثَّل بلاده في العديد من دول العالم مثل الهند، إندونيسيا، المكسيك، الأرجنتين، إسبانيا وفرنسا، ومن أبرز الأحداث التي تركت جراحاً غائرةً في نفسه، مقتل صديقه المقرب الشاعر الإسباني الكبير فيديريكو جارسيا لوركا عام 1938 على يد جنود الدكتاتور الإسباني «فرانكو»، فضلاً عن مقتل صديقه الآخر، الرئيس التشيلي المنتخب آنذاك سلفادور أليندي، الذي أطاح به قائد الجيش أوجستو بيونشيه، وقتله داخل القصر الرئاسي عام 1973، وقد توفي نيرودا بعد مقتل أليندي ببضعة أيام، وكان آخر الجمل، وربما آخر جملة في كتاب سيرته الذاتية: «لقد عادوا ليخونوا تشيلي مرة أخرى».

عن "الخليج" الإماراتية

الصفحة الرئيسية