هل ينذر عهد بايدن بنهاية العداء بين السلطة والثقافة؟

هل ينذر عهد بايدن بنهاية العداء بين السلطة والثقافة؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
14/02/2021

ترجمة: مدني قصري

يَخرج القطاع الثقافيّ الأمريكيّ، اليوم، بلا دم من كارثتَين: سياسة دونالد ترامب والوباء. يثير انتخاب جو بايدن أملاً عظيماً، لكن ما يزال الطريق طويلاً للخروج من هذه الأزمة غير المسبوقة.

لقد مثّل دونالد ترامب، وعائلته وحاشيته وإدارته، وادّعوا شكلاً حادّاً من أشكال مناهضة الفكر، هذا الشرّ النمطيّ الأمريكيّ الفريد الذي يُعرِّفه المؤرخ الكبير، ريتشارد هوفستاتر (Richard Hofstadter)؛ بأنّه "استياءٌ تجاه حياة العقل وإزاء أولئك الذين يُعدّون ممثلين له، واستعداد للتقليل باستمرار من قيمة هذا النشاط ".

اقرأ أيضاً: بايدن والأزمة اليمنية... مخاطر الرؤية الضبابية

في كتاب أساسي، تُوِّج بجائزة "Pulizer Prize"، عام 1964، وجد هوفستاتر، جزئياً، جذورَ هذا الشرّ في البروتستانتية الإنجيلية الأمريكية، التي تفضّل الروح والعاطفة والانفعال على الصرامة الفكرية.

نهاية كابوس مناهضة الفكر

من خلال الحسابات السياسية والميول الشخصية، أكد الرئيس المنتهية ولايته، بصوت عالٍ، عدم اهتمامه التام، بل وعداءَه للأمر الثقافيّ، الذي يصف اليمين الجمهوري أنصارَه وممثليه بالانحياز المفرط لليسار. حتى ترامب نفسه جعل من إنهاء كلّ التمويل الفيدرالي للثقافة، وعداً من وعود حملته الانتخابية.

الشاعرة أماندا جورمان تقرأ نصاً أثناء تنصيب جو بايدن في 20 يناير 2021 في كابيتول هيل في واشنطن

هذا الرفض يغذيه التعصّب المتبادل: لقد أصبح من قبيل الانتحار المهنيّ، إنْ قدّم أيُّ عضو في المجال الثقافي والإعلامي نفسَه كمؤيد للرئيس السابق. قال الممثل أنطونيو ساباتو الابن، مؤخراً؛ إن هذا الدعم قد دمّر بالفعل حياته المهنية: "لقد تمّ إدراجي على القائمة السوداء. لقد تخلّى عني جميع ممثليَّ، من الوكلاء إلى المديرين. كان عليّ أن أرحل من بيتي، وأن أجد وظيفة جديدة كي أعيش وأرعى أولادي. يا له من وضع فظيع ومذهل! إنّه لعار حقّاً! إنّه لأمر صعب؛ لأنه إذا كنتَ في تلك البيئة في هوليوود، وقلتَ ما لا يعجبهم، لقالوا لك رأيهم صراحة".

دمّر كورونا القطاع الثقافي. فمنذ الأشهر الأولى للوباء، تجاوز معدل البطالة بين الفنانين 60٪، ويواجه المبدعون معدّلات بطالة أعلى بكثير في المتوسط ​​الوطني

إنّ القول إنّ مجتمع الفنون الأمريكي مرتاح الآن لرحيل ترامب لُطف وكياسة ليس إلا، تقول الرسامة ديبورا كاس: "كابوسنا الوطني الطويل يقترب من نهايته"، "كانت الانتخابات انتصارًا لبلدنا وللديمقراطية"، يضيف روبرت لينش، رئيس مجموعة الضغط الأمريكية للفنون: "بالفعل، كان حشد المجتمعات الفنية لانتخاب جوزيف بايدن جونيور وكمالا هاريس غير مسبوق؛ فخلال حملته الانتخابية حصل على دعم العديد من المشاهير: بروس سبرينغستين، براد بيت، تايلور سويفت، جون ليجند، جورج كلوني، ليدي غاغا، توم هانكس، بيلي إيليش، جينيفر هدسون، دواين جونسون، وغيرهم".

ما الذي يعنيه بالنسبة إلى هذه الصناعة "في هذا الوقت المحفوف بالمخاطر، وجودُ شخص في المكتب البيضاوي يرى الثقافة مسألة أساسية. فالإجابة عن هذا السؤال باختصار: كلّ شيء كامن في التقاليد الديمقراطية، من كينيدي إلى أوباما، بلغت توقعات الاحتفال بقوة الفنّ الرمزية ذروتها مع بدء فترة ولاية بايدن".

قطاع ثقافيّ دمّره الوباء

لكن "الواقع يلطّف الارتياح"، كما قال الفنان ويليام بوويدا؛ "المهمة التي تنتظر هذه الإدارة الجديدة مهمة عظيمة للغاية: الوباء، والعنصرية، وتغيّر المناخ، في بلد انقساماتُه جدّ عميقة".

فرشاة حمام على شكل دونالد ترامب موضوعة على نجمة هوليوود ووك أوف فيم خلال مظاهرة في 20 يونيو ، 2020

لقد دمّر الوضع الصحّي القطاع الثقافي. منذ الأشهر الأولى للوباء، تجاوز معدل البطالة بين الفنانين 60٪، ويواجه المبدعون معدّلات بطالة أعلى بكثير في المتوسط ​​الوطني (أكثر من 52٪ من الممثلين و 55٪ من الراقصين كانوا عاطلين عن العمل في الربع الثالث من العام، عندما كان معدل البطالة الوطني 8,5٪).

في كاليفورنيا؛ أنتجت صناعات الفنون والترفيه نسبة أعلى من طلبات البطالة مقارنة بصناعة الفندقة، لقد أفلست بالفعل عدة مئات من قاعات الموسيقى المستقلة، كما أغلقت العديد من المعارض الفنية وشركات الرقص أبوابها نهائياً، والحال أنّ الأزمة لا تؤثر فقط في الفنانين؛ إذ توظّف الصناعات الثقافية الأمريكية 5,1 مليون شخص، وقد أفاد 95٪ منها عن خسارة كبيرة في الدخل، وهذه كارثة لقطاع اقتصادي يمثّل أكثر من 4,5٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وفق مكتب الولايات المتحدة للتحليل الاقتصادي (Bureau of Economic Analysis).

لا يملك جو بايدن شهرة تُذكر في مجال عشق الجمال، لكنّه كان دوماً يفهم المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بقطاع الفنون

في هذه المرحلة من الأزمة الاقتصادية الشديدة، يخشى القطاع من أنّه سيظلّ يُنظر إليه على أنّه، على رأي المثل الشائع، "العجلة الخامسة للمركبة"، أي عديم الفائدة. فالمنظمات مثل مؤسسة "أمريكا للفنون" (American for the Arts)، تسعى جاهدة لإدراج الفنون ضمن مخطط الاستفادة مما يقرب من تريليونَي دولار، والتي تعتزم الإدارة الجديدة تقديمها قريباً إلى الكونغرس الأمريكي (مجلس النواب ومجلس الشيوخ). لكنّ الأغلبية الديمقراطية ستكون سريعة الاستجابة، في حين من المرجح أن تكون المعارضة الجمهورية شرسة.

وزارة للثقافة

يجري الحديث حالياً عن إنشاء وزارة للثقافة مرّة أخرى، دون أن يؤمن بها أناس حقاً، أو حتى يتمنّونها: "في البلدان التي تشهد تدهوراً ديمقراطياً، وهي الفئة التي أحارب في داخلها، بعد حصار مبنى الكابيتول، كي لا تشمل الولايات المتحدة، أصبحت وزارات الثقافة مؤخراً أدوات للغضب السياسيّ"، هكذا يقول جيسون فاراجو، الناقد الفني لصحيفة "نيويورك تايمز" في بولندا، والتي يحكمها حزب القانون والعدالة اليميني.

اقرأ أيضاً: بايدن يهاجم قمع أردوغان: 20 ألف معتقل من حزب الشعوب الديمقراطي

أقال وزير الثقافة، أو رفض إعادة تعيين كثيرين مديري المتاحف. والعام الماضي؛ عيّن رفيق سفر من اليمين المتطرف لرئاسة مركز "وارسو" الرائد للفن المعاصر، واستخدمت الحكومة المجرية قواعدها في التمويل للتحكم في ما يظهر على خشبات المسارح.

وفي البرازيل؛ تبنى وزير الثقافة الأخير خطاب جوزيف جوبلز. وزارة ثقافة تحت رئاسة أمريكية مستقبلية، يمكن أن تكون أيضاً معادية للثقافة، كما كانت وكالة حماية البيئة التابعة للإدارة المنتهية ولايتها لحماية البيئة ".

الأمل بايدن

طوال حملته الانتخابية، كان الرئيس الجديد يروّج لصفقة فرانكلين دي روزفلت الجديدة (New Deal de Franklin D) كنموذج للتجديد الأمريكي، وكي تُظهر الإدارة الجديدة هذا النوع من تصميم روزفلت، ومع مراقبة مجلس الشيوخ، يمكنها أن تدعم مالياً ملايين الأمريكيين، من بينهم الفنانون والموسيقيون والممثلون، في هذا الشأن قال هاري هوبكنز، وزير التجارة في حكومة روزفلت، عندما سأله مسؤول عمّا إذا كان الفنانون يستحقون الدعم الفيدرالي: "يجب أن يأكلوا مثل البقية".

اقرأ أيضاً: بايدن يكشف موقفه من رفع العقوبات عن إيران.. ماذا قال؟

يتزايد الضغط على إدارة بايدن من أجل التحرك بسرعة للتخفيف من معاناة قطاع الفنون المتعثر، بما في ذلك إعادة فتح الأماكن الثقافية المغلقة، من خلال تأمين صحة المؤسسة الوطنية للفنون (Endowment for the Arts)،  وبتدابير الدعم المختلفة.

لقد قال الكاتب المسرحي، جيريمي هاريس (مؤلف كتاب "Slave Play")، مثلاً: "نحتاج إلى المساعدة الآن"، من خلال برنامج وطني، على غرار مشروع المسرح الفيدرالي في عصر الصفقة الجديدة  "New Deal".

بايدن ليس عاشقاً للجمال

لا يملك جو بايدن شهرة تُذكر في مجال عشق الجمال، لكنّه كان دوماً يفهم المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بقطاع الفنون، على الرغم من أنّه لم يجعل الثقافة أبداً جزءاً مهِمّاً من مقترحاته القانونية أمام مجلس الشيوخ، إلا أنه غالباً ما كان يصوّت لصالح دعم وتمويل القطاع. أصدر نائب الرئيس خلال الأزمة الاقتصادية لعام 2008 غلافاً مالياً بقيمة 50 مليون دولار لدعم القطاع الفنّي، خلافاً لرأي مجلس الشيوخ. في مقابلة حديثة، قال بايدن: "الفنون هي مستقبل ما نحن عليه. هي انعكاس لروحنا ". على الرغم من أنّه من السابق لأوانه تحديد علاقة هذه الإدارة الجديدة بالقطاع الثقافيّ، تحديداً دقيقاً، إلا أنّها لا يمكن أن تكون إلا أفضل من تلك التي كانت في عهد الإدارة المنتهية ولايتها.

ليدي غاغا تؤدي النشيد الوطني قبل أن يؤدي جو بايدن اليمين في 20 يناير 2021 في مبنى الكابيتول بواشنطن

أماندا جورمان، الشاعرة الأمريكية الأفريقية الشابة، التي ميزت مراسم تنصيب الإدارة الجديدة، ربما تكون أجمل رمز لهذه النهاية، نهاية العداء بين السلطة والثقافة؛ فهي التي بالكاد تبلغ من العمر 22 عاماً، فازت بالفعل في المسابقة الوطنية لكاتب الشعر الشاب، عام 2017، لقد أصبحت أصغر شاعرة تكتب وتقرأ أحد أعمالها خلال حفل التنصيب الرئاسي، على خُطى مايا أنجيلو وروبرت فروست، الأكثر خبرة. وكلماتها في إعادة التواصل مع التفاؤل الأمريكي الأبدي:

"بطريقة أو بأخرى،

قاوَمنا ورأينا

أمّة لم تنكسر،

ولكنها،  ببساطة غير مكتمِلة.

نحنُ، خلفاء وطن وزمان

حيث فتاة زنجية ضعيفة،

سليلة العبيد

وتربّت على يد أمٍّ عزباء،

تستطيع أن تحلم بأن تصبح رئيسة"

 

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://theconversation.com


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية