هل يكون الانتحار خلاص المرأة العراقية من التهميش والخذلان؟

هل يكون الانتحار خلاص المرأة العراقية من التهميش والخذلان؟

مشاهدة

14/09/2021

كلّما تراكمت أزمات البلاد ألقت بثقلها على كاهل المرأة العراقية، بمختلف تصنيفاتها الاجتماعية؛ من أرامل ومطلقات، أو أخريات يعشن في مخيمات النزوح عن مناطقهن المحررة من الإرهاب.
 وتمكّن العنف من المرأة بعد نيسان (أبريل) 2003؛ جرّاء الهزات العنيفة التي تعرض لها العراق على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، والتي تعود بمجمل نتائجها على الواقع الاجتماعي وشرائحهِ المستضعفة، وهذا ما جعلَ سهام النقد النسوي توجه للسلطات العراقية التي "تغافلت" عن وضع معالجات حقيقية لشريحة النساء الآخذة بالتمرد والضياع. 
ومنذ عام 2017 ولغاية حزيران (يونيو) 2021، وصلت حالات الانتحار لـ (2226) حالة، بحسب إحصائية المفوضية العليا لحقوق الإنسان (جهة رسمية مرتبطة بالبرلمان)، والتي أكدت أنّ للمرأة النصيب الكبير منها، لا سيما في محافظات الوسط والجنوب، حيث التشدد الديني والعرف العشائري، فضلاً عن الفقر الذي بلغت نسبتهُ 40%. 
ولم تقتصر الشكوى من الواقع الذكوري على عامة نساء المجتمع؛ بل تشتكي عضوات في المجلس النيابي من سطوة الذكورية السياسية عليهن، ومنعهن من تشريع قوانين تدعم واقع المرأة في البلاد.  

آخر الجرائم: مقتل حسناء بغداد 
بعد خروجها من المطعم السياحي الذي تعمل بهِ في منطقة الجادرية، المحصنة أمنياً وسط بغداد، حاصرَ ثلاثة أشخاص "نورزان الشمري"، الملقبة حسناء بغداد لشدة جمالها.

صورة للقتيلة نورزان الشمري التي تناولتها وسائل التواصل الاجتماعي في العراق
 الثلاثة انهالوا على الفتاة العشرينية بالسلاح الأبيض حتى أردوها قتيلةً وسط الشارع، الذي تبعد عنهُ عدة أمتار نقطة أمنية لم تحرك ساكناً. 
وبعد التتبع للكاميرات الأمنية، تمكنت الشرطة العراقية من اعتقال أحد الجناة، وهو شقيقها، وقال بيان لوزارة الداخلية؛ إنّ "المتهم هو من قام بطعنها والمتسبب الرئيس في وفاتها بالتعاون مع اثنين من أبناء عمها، ما يزال البحث جارياً عنهما، بعد أن عرفت القوات الأمنية هويتهما". وأشار إلى أنّ "الجاني اعترف بجريمته بقتل شقيقته، واتُّخذت بحقّه الإجراءات القانونية اللازمة".

منذ عام 2017 ولغاية حزيران (يونيو) 2021، وصلت حالات الانتحار لـ (2226) حالة، بحسب إحصائية المفوضية العليا لحقوق الإنسان التي أكدت أنّ للمرأة النصيب الكبير منها


وإثرِ هذا الخبر الحزين، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بالغضب وإلقاء اللائمة على الجهات الأمنية، المسؤولة عن حماية المواطنين، فيما تساءل الناشط الحقوقي علي البياتي: "إذا كانت العاصمة والجادرية، التي من المفترض أنّها محصنة، تشهد جرائم كهذه، فماذا عن الأحياء البعيدة والمحافظات الأخرى؟!".

الكاظمي: العنف ضدّ المرأة يمنع المساواة 
في كلّ عام اعتادت قوى سياسية وأخرى مدنية عامة إقامة الكرنفالات الخاصة بالمرأة العراقية، وأحد هذه الفعاليات كان مؤتمر مناهضة العنف ضدّ المرأة، الذي أقامهُ زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، في بغداد، وحضرتهُ كافة الشخصيات الرئاسية والأممية والسياسية وصنّاع الرأي العام. 

وضمَّ رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، صوتهُ إلى الأصوات المنددة بواقع المرأة في البلاد، وقال في كلمة له خلال المؤتمر: "رغم أننا نعيش في عالم أكثر انفتاحاً من ذي قبل، إلا أنّ انتهاكات حقوق الإنسان ما تزال أكثر انتشاراً، لا سيما ما يخصّ المرأة".

اقرأ أيضاً: حقوق المرأة العراقية بين عهود وعهود
وأوضح: "ما يزال العنف ضدّ المرأة يمثل حاجزاً في طريق تحقيق المساواة والتنمية، ليس في العراق فقط، بل في أغلب دول العالم"، مردفاً أنّه "منذ نعومة أظفارنا ونحن نسمع المقولة المشهورة "المرأة نصف المجتمع"، لكنّ هذا النصف يعاني كثيراً، في ظلّ عدم الإنصاف والخذلان من المجتمع".
 وأكّد رئيس الوزراء؛ أنّه وجّه "وزارة العدل للتنسيق مع الجهات التشريعية والقضائية من أجل وضع آليات فاعلة؛ لمنع حالات التعنيف، ووضع عقوبات صارمة لمرتكبيها". 

نائبة: نعاني من الفكر الذكوري في البرلمان

وبعد توجيهات الكاظمي، حول تفعيل قسم شؤون المرأة وتمكينها في كلّ مؤسسات الدولة، اعتبرت عضو البرلمان، ريزان دلير، وهي نائبة كردية في البرلمان الاتحادي ببغداد، أنّ العقلية الذكورية الحاكمة للمشهد السياسي، تكبح مساعي النسوة من ممارسة أدوارهن في مختلف المؤسسات التنفيذية والقضائية. 

النائبة ريزان دلير عضو لجنة المرأة والأسرة والطفولة في البرلمان العراقي

وقالت دلير، لـ "حفريات": إنّ "فاعلية المرأة ما تزال نسبية بعد تغيير النظام السابق، مثلاً في إقليم كردستان تمكنّا من تشريع قوانين داعمة لحقوق المرأة، مثل: قانون مكافحة العنف الأسري، وقانون تشكيل هيئة عليا للمرأة، في حين أنّ واقع المرأة في السلطة الاتحادية سيء جداً، من ناحية القوانين والتعاطي المؤسساتي معها"، مضيفة أنهُ "على الرغم من أنّ الدستور العراقي وضع نسبة حضور للمرأة في البرلمان لا تقل عن 25%، لكن لا يوجد للمرأة واقع حقيقي على صعيد السلطة التنفيذية والقضائية".

وأشارت البرلمانية العراقية إلى أنّ "أغلب الأحزاب السياسية ذات طابع ذكوري وقائمة على العقل العشائري، وهذا العقل هو نتاج المجتمع الذي تسود فيه السلطة العشائرية، وأنا نائبة لدورتين نيابتين حاولت تشريع قانون مكافحة العنف الأسري في البرلمان الاتحادي، ولم أستطع". 

الانتحار وسيلة للخلاص
ومع تصاعد النسب المئوية لحالات ومحاولات الانتحار بين الشباب العراقيين، كلّ عام، يكون للمرأة النسبة المقاربة للرجل في تعداد الضحايا. ويعزو مهتمون بحقوق الإنسان تصاعد حالات الانتحار إلى تغيير نمطية التفكير لدى الجيل الجديد. 

البرلمانية العراقية ريزان دلير لـ"حفريات": العقلية الذكورية الحاكمة للمشهد السياسي، تكبح مساعي النسوة من ممارسة أدوارهن في مختلف المؤسسات التنفيذية والقضائية

وترى الصحفية المهتمة بحقوق الإنسان سها عودة أنّ "الجيل الجديد تربى بطريقة مختلفة عن الجيل القديم؛ فالأخير تأقلم مع كيفية أخذ الحاجة بشكل أقل مما هو موجود الآن؛ وذلك لاختلاف المتطلبات، وانفتاح المجتمع العراقي، ودخول التكنولوجيا، مما يعني أنّ مدارك الناس توسعت، وتوسعت معها أشياء أخرى؛ مثل أساليب التعليم وأساليب السفر، وهذا الانفتاح بذاتهِ جعل متطلبات الجيل الجديد تختلف عن متطلبات الجيل القديم". 

عودة أبلغت "حفريات" بأنّ "سلطة الدولة وسلطة العائلة غير قادرتين على تفهم هذه المتطلبات وتأمينها، كما أنّ مشكلة عدم الاستقرار السياسي تؤدي إلى مشكلات داخل البيئة الأسرية نفسها، ناهيك عن تكرار الحروب والنزوح وغيرها من المشاكل الاجتماعية التي لا نعرف أن نحلّها داخل البيت الأسري، مع غياب المؤسسات الاجتماعية والطبابة النفسية، التي من شأنها أن تحلّ الصراعات والمشاكل التي تحدث داخل الأسرة".
ولفتت الناشطة الحقوقية إلى أنّه "بفقدان كلّ ذلك من الطبيعي أن ترتفع نسب الانتحار، لأنّ الضغط على المرأة يجعلها تستخدم الانتحار كطريقة للتهديد وأحياناً يكون طريقة للخلاص". 

لغاية حزيران: 27 امرأة حاولن الانتحار

ورصدت المفوضية العليا لحقوق الإنسان حالات الانتحار على مدار السنوات الأربع، من عام 2017 ولغاية العام الجاري، كاشفةً أنّ العراق شهد (2266) حالة، ومحاولة، انتحار. 

فتيات شاركن بتظاهرات تشرين ورفعن لافتات تعزز من الوعي النسوي المحلي

وقال عضو المفوضية، فاضل الغراوي:  "النصف الأول من عام 2021 شهدَ توثيق (87) حالة ومحاولة انتحار؛ (47) من الذكور، و (27) من الإناث، و(13) من الأحداث"، لافتاً إلى أنّ "أبرز أنواع الانتحار كانت بالشنق أو الغرق أو الحرق أو تناول السمّ أو الإطلاق الناري". 

ويؤكّد الغراوي؛ أنّ المفوضية سجلت ارتفاعاً في حالات الانتحار بالبلاد، موضحاً أنهُ "خلال 2020 بلغت (644) حالة، مقارنة ب (594) حالة في 2019، في حين سجل عام 2018 (519) حالة، وهو عدد أكبر من الذي سجلناه عام 2017، والذي بلغ (422) حالة انتحار".
 
لكنّ الصحفية سها عودة شكّكت في كلّ الأرقام المعلنة من قبل الجهات الرسمية، وقالت: "عملتُ شخصياً على هذا الموضوع وصدمتُ بالنتائج الواقعية المدونة لدى منظمات المجتمع المدني، علماً بأنّ المؤسسات الحكومية تحتفظ بأرقام قليلة جداً عن حالات الانتحار". 

فئات نسوية في دائرة الإهمال 

وتعد أبرز الفئات النسوية إهمالاً من قبل السلطات الاجتماعية والدينية والحكومية؛ الأرامل، والمطلقات، والنازحات عن مناطقهن المحررة من داعش، التي لم يعاد إعمارها لغاية الآن . 

ويتجاوز عدد فئتي الأرامل والمطلقات، المليوني امرأة، بحسب الإحصائية الأخيرة لوزارة التخطيط؛ إذ يشهد العراق حالات طلاق كثيرة، وصلت، في تموز (يوليو) الماضي، إلى عشرة آلاف حالة، في حين لا يوجد عدد حقيقي للأرامل بفعل الحرب وإدانة الزوج القتيل؛ إن كان مع تنظيم داعش، الإرهابي، أو قتل أثناء تظاهرات تشرين (أكتوبر) 2019، أو راح ضحية جناية عشائرية. 

وتتكفل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بهذه الفئات النسوية، المهمشة مجتمعياً واقتصادياً، عبر توزيع رواتب شهرية للفرد الواحد، تصل أعلاها لـ 100 دولار أمريكي، في حين لا تنال النسوة الأخريات الحقوق ذاتها؛ لأسباب تتعلق بالفساد داخل الوزارة أو الضياع في مخيمات النزوح. 

وبشأن ذلك، تقول النائبة ريزان دلير: "وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لديها قانون، وليس فيهِ أية مشكلة، إنما مشكلتها في الموازنة المالية المخصصة لها".
وتوضح أنّ "العجز العام في موازنة البلاد، ينعكس على الموازنات المخصصة للوزارات، بما فيها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية؛ كون الإنفاقات أكثر من الواردات".

ورغم ذلك، طالبت دلير، الحكومة الاتحادية بـ "رفد وزارة العمل بالموازنة المطلوبة، من أجل شمول مختلف الفئات النسائية بالمنح المالية التي تكفل لهن العيش الكريم".



الصفحة الرئيسية