هل يصحو أردوغان من أحلام العثمانية الجديدة؟

هل يصحو أردوغان من أحلام العثمانية الجديدة؟

مشاهدة

03/01/2020

استطاعت الدولة العثمانية أن تكون السلطة المركزية في العالم الإسلامي، منذ القرن الخامس عشر وحتى سقوطها، العام 1924، وتمتعت إبان وجودها بقوة عسكرية كبيرة فرضت نفسها على معظم أرجاء العالم الإسلامي، دون أن تتمتع بقوة ثقافية وعلمية معادلة لها؛ وكانت تلك الفترة التاريخية التي تميزت بفقر ثقافي وعلمي كبيرَيْن، توصم بأنّها عصر الشروح والتلخيصات، وساد نمط من الحكم يقوم على الوراثة وولاية العهد.

عادت أحلام إحياء الروح العثمانية الجديدة في ظلّ الضعف الذي يعاني منه العالم العربي

ويذكر التاريخ كيف كان السلاطين العثمانيون يقتلون بعضهم، ويودعون بعضهم المصحّات العقلية، فكان كلّ همّ آل عثمان جباية الخراج من الأراضي التي سيطروا عليها، ولم يسعوا إلى تطوير وتمدين أرجاء العالم الإسلامي الخاضعة لهم، ولم تستطع الدولة العثمانية أن تواكب التقدم التقني والحداثي الذي يدور في أوروبا، وترتب على هذا الضعف في النهاية قيام الاستعمار الأوروبي، بكلّ أنواعه وأشكاله، باحتلال معظم أرجاء العالم العربي الخاضعة للحكم العثماني، ومع ذلك فقد ظلّت للخلافة العثمانية السلطة الروحية على أرجاء العالم الإسلامي السنّي، ولكن بسقوط الخلافة، العام 1924، عادت تركيا إلى حدودها الطبيعية، واستقلت الأجزاء الأوروبية عنها؛ فهل كانت تلك نهاية الأحلام العثمانية؟ 
إحياء الروح العثمانية
الإجابة: لا، فقد عادت أحلام الأتراك في إعادة إحياء ما يسمّى الروح العثمانية الجديدة في ظلّ الضعف والتفكّك البيّن، الذي يعاني منه العالم العربي، وعادت تركيا من جديد تتدخل في كلّ شؤون الشرق الأوسط، وذلك مع صعود رجب طيب أردوغان إلى سدة الحكم؛ فبعض نخب الأتراك بدؤوا يروّجون للدعوة إلى عثمانية جديدة، يكون لها دور وتأثير في مشاكل وأوضاع الشرق الأوسط، وبرّر أحمد داود أوغلو، وزير خارجية تركيا السابق؛ بأن ّالعثمانية الجديدة هي دعوة للانفتاح على العالم الإسلامي، وعودة تركيا إلى الشرق بعد أن كانت تستجدي عضوية الاتحاد الأوروبيّ.
خليفة غير متوّج!
لم يعد خافياً أنّ أردوغان ينظر إلى نفسه على أنّه خليفة غير متوّج للمسلمين، مستنداً في ذلك إلى الإرث التاريخي للعثمانيين، وقد أثار ذلك الكماليين من أتباع أتاتورك الذين يحرصون على قطع علاقات تركيا بالعالم الإسلامي، فعثمانية أردوغان الجديدة تطمح للتوسع والسيطرة، في حين أنّ دعاة كمالية أتاتورك ينظرون داخل الحدود الوطنية فقط، وعثمانية أردوغان تريد السيطرة على الشرق بديلاً عن الإخفاق في الدخول في الوحدة الأوروبية، وبالمقابل؛ تتخذ من الرابطة الدينية الإسلامية سبيلاً إلى ذلك. 

ساعد أردوغان في نشر توجهه العثماني ما أحدثه من نهضة اقتصادية في بلاده

وقد ساعد أردوغان في نشر توجهه العثماني ما أحدثه من نهضة اقتصادية كبيرة، وذلك بعد أن اتّخذ من الرابطة الإسلامية العثمانية وسيلة للحصول على فائض من الصناديق القطرية في بناء نهضة اقتصادية، وفتح تركيا للاستثمارات الخليجية والعالمية، والتي أسهمت في إعادة الروح للاقتصاد التركي الذي كان على شفا الإفلاس، وجعل من العالم العربي سوقاً مربحة لمعظم المنتجات التركية.
على الجانب الآخر، اتجه أردوغان إلى ممارسات تكشف رغباته الاستعمارية؛ حيث قام ببناء قاعدة عسكرية في قطر، ثم قاعدة عسكرية أخرى في السودان، في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، وما زال يمارس التدخل في الشأن الليبي بما يؤدي إلى محاصرة مصر وتصدير جماعات العنف والعمليات الإرهابية إليها.

اقرأ أيضاً: العثمانيون جاءوا إلى الوطن العربي برائحة الموت
وسعت العثمانية الجديدة على نحو مرسوم إلى نحو تتريك البلاد المجاورة لها في شمال سوريا، وشمال العراق، بحجة مواجهة النزعات الانفصالية الكردية؛ حيث توظف تركيا فصائل تتبع أجندتها بدوافع إثنية وعرقية، واستخدمت التعليم لتعزيز وجودها في دول الجوار، خاصة شمال سوريا، وغيّرت المناهج الدراسية لتلك البلاد حتى تعمّق فيها الهوية العثمانية، وربطت المناهج الدراسية في تلك المناطق بالمناهج التركية حتى تلحق تلك بها لغوياً وجغرافياً، وبدأت تركيا في منح بعض اللاجئين السوريين في تلك المناطق الجنسية التركية، وباتت الليرة التركية هي العملة المستخدمة هناك، وتوثيق حضورها الثقافي، وقامت في 2016 بعملية درع الفرات لضمّ أجزاء من شمال سوريا إليها، وها هي اليوم تقوم بعملية نبع السلام للسيطرة على أجزاء أخرى من شمال سوريا.  
دور الإخوان
وفتح أردوغان الأراضي التركية، بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 في مصر، للإخوان المسلمين، ليؤسسوا جبهات المعارضة ضدّ وطنهم في الخارج، وساعد الدعم القطري هؤلاء في تأسيس منصات إعلامية تهاجم مصر صباح مساء، وتعمل على زعزعة الاستقرار والنظام بداخل مصر، بترويج الأخبار والمعلومات المغلوطة أو المحرَّفة في كل وقت، وهم في كلّ أحوالهم مجرد أداة في يد أردوغان للنيل من مصر واستقرارها.

ينظر الإخوان إلى أردوغان على أنّه وليّ النعم والحاكم الذي لا يخطئ ويبررون له كلّ ممارساته

وبعد أن رفض الإخوان أثناء زيارة أردوغان لمصر قبل 2013، أن تكون دولة علمانية، وهم في أوج الاغترار بالسلطة، فقد تعاضدت المصالح بينهم وبينه، ففتح أردوغان الأراضي التركية لجماعة الإخوان المسلمين، وأصبحوا ينظرون إلى أردوغان على أنّه وليّ النعم، والحاكم الذي لا يخطئ، ويبررون له كلّ ممارساته، كما يفعلون الآن مع احتلاله لأجزاء من سوريا، والتدخل فيها؛ وذلك على حساب وطنهم الأصلي (مصر وسوريا)؛ لأنّ الدائرة الإسلامية الأشمل لديهم هي الرابطة الإسلامية التي تسبق الدائرة الوطنية، وذلك لأنّ الإخوان لا تمثل مفاهيم الوطنية في فكرهم أيّة أهمية؛ حيث أعلن مرشدهم فيما سبق أنّه ليس لديه أيّ مانع من أن يحكمه ماليزي أو تركي أو إندونيسي، طالما كان مسلماً.

الصفحة الرئيسية