هل يستغلّ الجيش المدنيين للبقاء في السلطة في مالي؟

هل يستغلّ الجيش المدنيين للبقاء في السلطة في مالي؟

مشاهدة

15/09/2020

تحوّل تدريجي طرأ على موقف العسكريين في مالي من السلطة؛ فبعد أن تعهّدوا بتسليم السلطة إلى المدنيين، عقب إطاحة الرئيس كيتا، في 18 من الشهر الماضي، تراجعوا عن ذلك، وصاغوا وثيقة انتقالية تمكنهم من السيطرة على البلاد، حتى إن كان المدنيون على رأس السلطة.

الأحزاب السياسية التي أيدت الرئيس المخلوع كيتا، وعلى رأسها الحزب الكبير "أديما" تستغل الفجوة بين العسكريين والمعارضة، من أجل تخويف العسكريين من التقارب معهم، بذريعة عدم تكرار سيناريو 2012

ويرى مراقبون أنّ صراعات الأحزاب السياسية، والتنافس بينها على نيل رضا العسكريين، وتشجيع بعضهم للجيش ليمسك بالسلطة، هو سبب طمع الجيش في السلطة.

وينقسم الرأي العام في مالي بين أكثرية مؤيدة له لتولي المرحلة الانتقالية، وأقلية تريد تسليم السلطة إلى حكومة مدنية مستقلة.

ويبدو أنّ الجيش يرغب في الاحتفاظ بالسلطة، وفي الوقت نفسه يريد إقناع دول إيكواس برفع العقوبات عن مالي، لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي، لذلك خرج بوثيقة انتقالية تُسلم السلطة شكلياً للمدنيين.

وثيقة المرحلة الانتقالية

 اختتمت في العاصمة المالية، باماكو، السبت 12 من الشهر الجاري، الاجتماعات التشاورية بين اللجنة العسكرية التي تحكم البلاد، عقب إطاحة الرئيس كيتا، والأحزاب السياسية، وشخصيات دينية ومجتمعية ونقابية، وخلص الاجتماع إلى صياغة وثيقة المرحلة الانتقالية.

الكولونيل، عاصمي غويتا، رئيس اللجنة العسكرية الحاكمة

وتنصّ الوثيقة على أن تكون الفترة الانتقالية لمدة 18 شهراً، وتكوين هيكل سياسي من رئيس، ونائب، وبرلمان من 121 عضواً.

وتختار اللجنة العسكرية الرئيس ونائبه، وللرئيس صلاحيات رئيس الجمهورية كاملةً وفق الدستور، ويعين رئيس الحكومة، كحدّ أقصى، 25 وزيراً.

اقرأ أيضاً: الأصابع الروسية تعبث في مالي رغم أنف فرنسا والولايات المتحدة

ويتولى نائب الرئيس شؤون الدفاع والأمن والتعديلات الدستورية، على أن يكون الرئيس أو النائب من المدنيين أو العسكريين، فضلاً عن ذلك؛ نصّت الوثيقة على أنّها تُقدَّم على الدستور في حال وجود تعارض بينهما.

وحول الوثيقة، يقول المحلل السياسي الماليّ، عبد الرحمن سيبي: "من المرجح أن يكون الرئيس شخصاً مدنياً، ونائبه من العسكريين، خاصة أنّهم أعطوا الملفات المهمة؛ الدفاع، والأمن، وعملية التعديلات الدستورية، التي ستحدّد شكل مستقبل الدولة لنائب الرئيس، وهذا ما لم يتم الاتفاق عليه في المشاورات".

ويتابع سيبي، لـ "حفريات": "سلطات الرئيس أكثر، لكن لم يشاؤوا أن يكون نائب الرئيس مجرد ديكور، وبما أنّهم يعرفون استحالة تعيين عسكري كرئيس للدولة، لذلك منحوا النائب صلاحيات مهمة".

انقسام الرأي العام

وينقسم الرأي العام في مالي بين مؤيد ومعارض لتولي الجيش المرحلة الانتقالية، وبشكل أساسي تؤيد الأحزاب المحسوبة على الرئيس السابق، كيتا، تولي العسكريين المرحلة الانتقالية، وتشكل هذه الأحزاب القوة السياسية المنظمة الأكبر في البلاد.

اقرأ أيضاً: من ليبيا إلى مالي.. تركيا تطرق أبواب الساحل والصحراء

ويحلل الأكاديمي الماليّ، محمد مايغا، موقف هذه الأحزاب بقوله: "الأحزاب السياسية التي أيدت الرئيس المخلوع كيتا، وعلى رأسها الحزب الكبير "أديما" تستغل الفجوة بين العسكريين والمعارضة، من أجل تخويف العسكريين من التقارب معهم، بذريعة عدم تكرار سيناريو 2012، حين سلم العسكريون السلطة للمعارضة، فأخفقت في إدارة البلاد، وأعادت الوضع للمربع صفر".

الإمام محمود ديكو، أهم الرموز الدينية في البلاد

ويتابع محمد مايغا، لـ "حفريات": "هذه الأحزاب ليست حريصة على مصلحة البلاد، بل تريد تشويه المعارضة، ووضعها في خانة المناوئ للجيش، لتشويه صورتها أمام الشعب، كي تسقط شعبيتها في الانتخابات المقبلة، خاصة أنّ الأحزاب المرتبطة بالرئيس فقدت شعبيتها في الشارع، فتعمل على الإطاحة بخصمها، كي تعود للواجهة".

اقرأ أيضاً: 5 محللين جزائريين يصرحون لـ "حفريات" بمخاوفهم من انقلاب مالي

وعن موقف قوى المعارضة، يقول الصحفي الماليّ، عبد الله محمود: "حراك "M5" منقسم: مجموعة السياسي عيسى كاو جيم، رئيس "تنسيقية الحركات والجمعيات والمتعاطفين مع الإمام محمود ديكو" يريد بقاء الجيش على رأس السلطة الانتقالية، ومجموعة تطالب بإقامة سلطة مدنية، على رأسها الدكتور شوغيل كوكالا ميغا، المتحدث الرسمي باسم الحراك، وموقف الإمام محمود ديكو غامض حتى الآن، لأنّه دائماً يقول في هذه القضايا: إنّ "الشعب هو من يحدّد من يكون الرئيس وما سيكون نوعه".

اقرأ أيضاً: سلطة الظل في مالي.. تعرف إلى الداعية محمود ديكو

وأصدرت حركة 5 يونيو (M5) بياناً رفضت فيه الوثيقة الانتقالية، بدعوى أنّها خالفت ما تمّ الاتفاق عليه، وأنّها لم تأخذ في الاعتبار كثيراً من الموضوعات التي تمّ الإجماع عليها، وهي؛ تنظيم حوار وطني حول التعديلات المرتقبة، وتشكيل لجنة المراقبة للمرحلة الانتقالية، ودور المحكمة الدستورية، وإشراك الشباب والنساء في إدارة البلاد.

أما عن موقف الشعب، فيقول عبد الله محمود، لـ "حفريات": "معظم أفراد الشعب لا يثقون بالسياسيين، ويفضلون الجيش.

وفي فيديو مباشر على الفيسبوك، صرّح زعيم الطريقة التيجانية، الشيخ محمد ولد شيخنا، برغبته في بقاء العسكر بقيادة السلطة الانتقالية."

أطماع الجيش

ويبدو أنّ الجيش لديه تخوفات حول كفاءة المدنيين في إدارة البلاد؛ ففي كلّ مرة سلم فيها الجيش السلطة للمدنيين فشلوا في إقامة نظام حكم مستقر، وإصلاح المشاكل الاقتصادية، والقضايا الأمنية.

المحلل السياسي عبد الرحمن سيبي لـ"حفريات": تركيا تريد استغلال الوضع في مالي لمناكفة فرنسا، التي تخوض معها صراعاً في ليبيا وشرق المتوسط، خصوصاً أنّها وقّعت اتفاقية أمنية مع النيجر

ويرى الأكاديمي الماليّ، محمد مايغا؛ أنّ جهات سياسية من النظام المخلوع تستغل الجيش كي يقبض على السلطة لحين إصلاح وضعهم في الشارع، استعداداً للانتخابات المقبلة، وتقوم بزيارات متكررة تغذي طموح العسكريين في السلطة.

ويقول مايغا: "الآن بات الجيش في موقف استغلال الثورة من أجل السلطة، وملامح ذلك بدأت في حصر تعيين الرئيس ونائبه وأعضاء البرلمان بيدهم، أي أنّهم يسيطرون على السلطة التنفيذية والتشريعية".

اقرأ أيضاً: مالي بين 7 تنظيمات إرهابية... هذه هي

ويؤكد المحلل السياسي، عبد الرحمن سيبي، ما سبق، حيث إنّ "الحسابات السياسية للأحزاب تغلبت على المصلحة الوطنية، وكعادتهم، أثبت السياسيون أنّ آخر ما يهمهم هو مصلحة مالي.

رأينا بعضهم، لأغراض انتخابية، يفضّلون عسكرياً في رئاسة المرحلة، متجاهلين البعد الإقليمي والدولي لقرار كهذا، وتبعاته على البلاد".

الموقف الدولي

وكانت منظمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) قد فرضت عقوبات على مالي، عقب إطاحة الرئيس كيتا، ودعت إلى الإفراج عنه، وتسليم السلطة إلى المدنيين.

ويبدو أنّ المنظمة قبلت بالانقلاب العسكري، واشترطت لرفع العقوبات أنّ تقتصر الفترة الانتقالية على عام واحد، وأن يكون الرئيس ورئيس الحكومة من المدنيين، وهذا ما دفع العسكريين إلى منح صلاحيات واسعة لنائب الرئيس، الذي من المرجح أن يكون من بينهم.

وزير الخارجية التركي خلال زيارته لمالي

ومن المحتمل عقد قمة مصغرة في غانا، الثلاثاء 15 أيلول (سبتمبر)، بين رئيس مجموعة إيكواس وممثلي اللجنة العسكرية، لبحث المرحلة الانتقالية ورفع العقوبات.

وكانت مجموعة إيكواس ثد اشترطت تسليم السلطة إلى المدنيين قبل منتصف الشهر الجاري، ويتوقع المحلل السياسي، عبد الرحمن سيبي؛ أن ينجح العسكريون في إقناع مجموعة إيكواس برفع العقوبات عن مالي، بإجبار المجموعة على قبول المرحلة الانتقالية كإجماع شعبي.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يرى الشعب المالي في إطاحة الرئيس انقلاباً عسكرياً؟

وشهدت مالي زيارة لوزير خارجية تركيا، جاويش أوغلو، يوم التاسع من الشهر الجاري، وبحسب حديث سيبي، لـ "حفريات"؛ فإنّ تركيا تريد استغلال الوضع في مالي لمناكفة فرنسا، التي تخوض معها صراعاً في ليبيا وشرق المتوسط، خصوصاً أنّها سبق أن وقّعت اتفاقية أمنية مع النيجر.

ويقول سيبي مستنكراً الدور التركي: "هل سندفع نحن ضريبة الصراعات بين القوى الإقليمية أو الدولية؟".

اقرأ أيضاً: 4 انقلابات عسكرية في مالي.. فقر يتوسع وإرهاب يتمدد

وشهدت مالي أربعة انقلابات منذ استقلالها عن فرنسا؛ الأول عام 1968، حين قاد موسى تراوري انقلاباً عسكرياً، وأطاح بالرئيس الأول موديبو كيتا.

 وعام 1991؛ أطاح قائد سلاح المظلات، حامادو توماني توري، بالرئيس تراوري، وسلم توري السلطة إلى المدنيين، وأصبح رئيساً للجمهورية عبر الانتخابات في 2002.

وفي عام 2012؛ أطاح انقلاب عسكري بتوري، وجرى تسليم السلطة إلى المدنيين، وانتُخب الرئيس، إبراهيم كيتا، في 2013، وأطاح به الجيش، في 18 آب (أغسطس) العام الجاري.

الصفحة الرئيسية