هل عقدت حكومة الكاظمي هدنة مع الميليشيات المسلحة؟

هل عقدت حكومة الكاظمي هدنة مع الميليشيات المسلحة؟

مشاهدة

29/07/2021

وهو في طريقهِ إلى واشنطن لإتمام الجولة الرابعة من الحوار الإستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، يردهُ نبأ الحادثة التي هزّت الرأي العام المحلي المتضامن مع فاطمة البهادلي، الناشطة المدنية التي فقدت ابنها الثاني بعد خطفهِ و قتلهِ من قبل جهات مسلحة، ورمتهُ في إحدى مناطق محافظة البصرة، جنوب العراق.

وعلى غير عادته، لم يعلّق رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على الحادثة، التي وقعت الأحد الماضي، علماً بأنهُ دائماً ما يُبدي مواقف رسمية عن مختلف الحوادث الإرهابية، وإن كان في حالةِ سفرٍ خارج البلاد.

اقرأ أيضاً: مجدداً.. قاآني في زيارة سرية إلى العراق... ما أهدافها؟
 ويعلّل مراقبون المواقف الباردة للكاظمي مؤخراً بعقدِ حكومتهِ هدنةً مع الميليشيات المسلحة، في مسعىً منهُ إلى تهدئة الأوضاع السياسية والأمنية، وعدم فتح جبهة جديدة، وإن تكررت عمليات الاختطاف والاغتيال مجدداً، كما أنّ من شروط الهدنة التي تمّت بوساطة سياسية أن تضحي الجماعات المسلحة بمنفّذي عملياتها "الإجرامية"، دون الكشف عمّن يقف خلفها لوسائل الإعلام. 

فاطمة البهادلي
وهذا، ما أثار تساؤل الكثير من العراقيين، وهم يشاهدون اعترافات قاتل الخبير الأمني هشام الهاشمي، التي بثّها التلفزيون الرسمي، يوم الجمعة الماضي، حول الجهة التي تقف خلف العملية التي أودت بحياة الضحية، في 6 تموز (يوليو) الماضي. 

البهادلي والاستهدافات المتوالية 

تعدّ فاطمة البهادلي، التي تترأس جمعية الفردوس الحقوقية، وهي أبرز ناشطة نسوية في محافظة البصرة، التي يغلب عليها التشدد الديني والطابع الاجتماعي المحافظ، وهذا ما عرّضها لاستهدافات متواصلة، منها: الاختطاف عام 2012، ومن ثم اتهامها بـ "العمالة" للقنصلية الأمريكية في المحافظة، نتيجة نشاطها الواسع في احتجاجات 2018 و2019، ثمّ مقتل نجلها الأول (أحمد كريم) عام 2019، ونجلها الثاني (علي كريم)، الذي تعرّض للاختطاف ومن ثم القتل في 25 تموز (يوليو) الجاري. 

يعلّل مراقبون المواقف الباردة للكاظمي مؤخراً بعقدِ حكومتهِ هدنةً مع الميليشيات المسلحة، في مسعىً منهُ إلى تهدئة الأوضاع السياسية والأمنية، وعدم فتح جبهة جديدة

ويتّهم أغلب الناشطين المدنيين في جنوب العراق الذي تهيمنُ عليه الفصائل المسلحة الموالية لإيران، بـ "العمالة" لأمريكا والخارج الأجنبيّ، وهذا ما أدّى إلى تكرار عمليات الاغتيال بحقّهم.  وفي نهاية العام الماضي؛ كرّمت منظمة "فرونت لاين ديفندرز" الإيرلندية، الناشطة فاطمة البهادلي، على "جهودها الكبيرة في الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، والبهادلي واحدة من بين 5 سيدات كرّمتهن المنظمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2020 في تصنيف المدافعين عن حقوق الإنسان المعرضين للخطر.

ناشطون يقللون من أهمية اعتقال أحد المتهمين

ولم يتعاطَ ناشطو محافظة البصرة مع الخبر الذي أفادَ بـ "اعتقال القوات الأمنية لمقداد المالكي، المتهم بقتل الشاب علي كريم، نجل الناشطة فاطمة البهادلي، بالمحافظة"، إذ أكدوا لـ "حفريات"؛ أنّهم اعتادوا تكرار مشاهد الموت، نتيجة فاعلية القتلة وتهاون الحكومة المحلية معهم.   

قبيلة كنانة تعلن براءتها من أحمد الكناني الضابط المتهم بقتل الخبير الأمني هشام الهاشمي

ويقول الناشط علي طه: "مشهد الاختطاف والتغييب والقتل ليس غريباً عن البصرة، ولا يثير في الجمهور حساسيةً مضادة، لأنهُ صار معتاداً"، مبيناً أنّ "القاتل يهدّد والمسؤول عن الأمن يقف متفرجاً مكتوفَ اليدَين، ومن ثم ينفّذ القاتل تهديده، والمسؤول ذاته لا يفعل شيئاً سوى تشكيل لجان تحقيق، إما تعلن تقييد الجرم ضدّ مجهول أو التسويف كما هي العادة".

اقرأ أيضاً: اغتيال ناشط جديد في العراق بعد تهديده ووالدته... ما القصة؟

وتساءل الناشط البصري: "من الذي يقتل؟"، ويجيب: "ببساطة، القاتل هو من يملك السلاح خارج نطاق الدولة، والميليشيات الولائية نفسها التي هدّدت ريهام يعقوب وقتلتها بحجة التعامل مع الأمريكيين، والسبب ذاته فعلوه مع الناشطة فاطمة البهادلي، التي هُددتْ لأكثر من مرة، ومن ثم فُجعت بابنيها، وقد تصل النوبة إليها كما صار مع غيرها، القصص من هذا النوع حفظناها عن ظهر قلب، نحن أهالي البصرة". 

وحمّل طه  مسؤولية "التسيّب الأمني" للمحافظ أسعد العيداني، "لأنّ وجوده يحدث الهرج والمرج بحقّ نفوس الناشطين والصحفيين الأبرياء، دون منع سابق ولا عقاب لاحق".

عدم اكتمال الحقائق يثير حفيظة العراقيين 

ويبدو أنّ حالة السخط والإحباط التي عبّر عنها الناشط علي طه، هي انعكاس لواقع يعاني منهُ المجتمع المدني العراقي، الذي أخذ ينتقد بصوتٍ عالٍ حكومة مصطفى الكاظمي، التي دائماً ما تعد بالكشف عن القتلة دون نتائج مرجوّة من قبل الشارع المحلّي. 

وكان الكاظمي قد غرّدَ، يوم الجمعة الماضية، عبر حسابه بتويتر: "وعدنا بالقبض على قتلة هشام الهاشمي، وأوفينا بالوعد"، هذه التغريدة جاءت بالتزامن مع عرض التلفزيون الرسمي اعترافات ضابط في وزارة الداخلية، سردَ كيفية قتل الخبير الأمني المعروف، وبدا واضحاً أنّ مقاطع الاعتراف تمّت منتجتها للحيلولة دون الكشف عن الجهة التي تقف خلف العملية، التي أُشيرَ إلى أنّها "جهة خارجة عن القانون". 

مواطن عراقي يتلو آيات من القرآن الكريم أمام صورة المغدور هشام الهاشمي

وعلى ذلك، يعلّق المدوّن كاظم الوائلي: "المفروض أن تكون اعترافات قاتل هشام الهاشمي، على مستوى هذه الجريمة الكبيرة التي هزّت الأمن المجتمعي"، مبيناً أنّه "لا أهمية لاعترافات نمطية، دون ذكر السبب الحقيقي، ودون ذكر الجهة التي كلّفت هذا الضابط بقتل الشهيد هشام، عدا ذلك ستكون الاعترافات مجرد مسرحية تمثيلية تافهة".

 هدنة سياسية تحمي الميليشيات 
وفي السياق ذاته، كشفَ خبراء أمنيون وجود هدنة سياسية بين رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي والفصائل الولائية، لإدامة الاستقرار النسبي في البلاد، مؤكّدين أنّ هناك اتفاقاً بينهما يفضي إلى "تضحية" الفصائل بالجناة مقابل عدم الملاحقة القانونية والتشهير الإعلامي بها. 

الخبير الأمني مجيد الدليمي لـ "حفريات": بوساطة سياسية.. الكاظمي عقد هدنة مع الفصائل الولائية لإيران مقابل تهدئة الأوضاع في العاصمة وعدم كشف الجهة التي قتلت الهاشمي

الخبير الأمني مجيد الدليمي، قال لـ "حفريات": "المعلومات المتوفرة حول عدم الإفصاح بشكل مباشر وبالاسم وبالحيثيات المطلوبة عن الجهة التي ينتمي إليها قاتل الشهيد هشام الهاشمي، تدلّ أنّ هناك اتفاقاً لتخفيف الاحتقان بين الكاظمي والميليشيات المسلحة، تحديداً كتائب حزب الله"، موضحاً أنّ "هذا الاتفاق الذي يخدم الطرفين تمّ بوساطة سياسية من قبل زعيم تحالف الفتح، هادي العامري، وزعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، ومستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي (الذي ينتمي لتحالف الفتح)، وآخرين في هيئة الحشد الشعبي والأحزاب الإسلامية الشيعية".

وأكّد أنّ "الاتفاق يقضي بعرض اعترافات القاتل دون الكشف عن الجهة التي تقف خلفه، مقابل تجنّب الاستعراض العسكري للميليشيات في بغداد، وعدم التصعيد إعلامياً كما حدث في القضايا السابقة"، ويستدرك قائلاً: "لكنّ الكاظمي وكادره الإعلامي لعبَ لعبةً ذكية بالإشارة إلى أماكن معينة في العاصمة، وهذه الأماكن تعدّ مقرّات للمليشيات الشيعية، تحديداً كتائب حزب الله؛ ما يعني أنّ الكاظمي لجأ إلى التلميح، لتلافي خروج الميليشيات ميدانياً ومحاصرة المنطقة الخضراء وضرب هيبة الدولة، كما حصل سابقاً".   

اعتقال منفّذي التفجير في مدينة الصدر 

وعلى العكس مما سبق، أعلنت الجهات الأمنية اعتقال منفّذي تفجير السوق المحلّي في مدينة الصدر، شرق العاصمة بغداد، والذي أدّى إلى مقتل 35 مدنياً وجرح 60 آخرين، وقد أشارت تلك الجهات إلى هوية المسؤولين عن الحادث الذي حصل عشية عيد الأضحى، مساء الإثنين من الأسبوع الماضي. 

وقالت خلية الإعلام الأمني التابعة لوزارة الدفاع العراقية: "تمّت الإطاحة بشبكتين إرهابيتين في محافظتي كركوك والأنبار"، مبينة أنّ "الشبكتَين مسؤولتَين عن تفجير مدينة الصدر، شرق العاصمة بغداد". 

صورة تجمع الناشطة النسوية فاطمة البهادلي مع ابنها علي كريم الذي قتل يوم الأحد الماضي في البصرة

وأكّدت الخلية، في بيانها، أنّ "الشبكتَين كانتا تخططان لاستمرار التفجيرات الإرهابية في العاصمة، إضافة إلى استهداف الأبرياء الآمنين في مناطق أخرى"، ولم يذكر البيان تفاصيل بشأن عدد أفراد الشبكتين، أو التنظيم الذي ينتمون إليه.

وكان تنظيم داعش الإرهابي قد تبنّى تفجير سوق الوحيلات الشعبي، في المدينة الأشدّ فقراً ببغداد، وذلك عبر تفجير أحد عناصر التنظيم، المدعو "أبو حمزة العراقي"، نفسه بحزام ناسف وسط السوق. 

الصفحة الرئيسية