هل تنفجر تشاد على وقع الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

هل تنفجر تشاد على وقع الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

مشاهدة

08/03/2021

تمرّ الدولة الوطنية في تشاد بمخاض عسير نحو الاستقرار، منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960، لم تنجح خلاله في تحقيق الاستقرار السياسي، مثل الكثير من دول أفريقيا، في عصر بات التغيير حتمياً، ولم تعد الدولة القائمة على الحكم الفردي والديكتاتورية قادرة على مواجهة التحديات التنموية ورياح التغيير، رغم ما يرفعه نموذج الاستبداد من شعارات ديمقراطية.

اقرأ أيضاً: لماذا يفضّل أمراء الحرب في ليبيا مرتزقة تشاد؟

وكان مصير هذا النموذج الصدام مع الشعب، أو ظهور حركات التمرد العسكري، وفي العقد الأخير باتت الاحتجاجات الشعبية هي الخطر الذي يهدد هذا النموذج، والتي حالما تنفجر تنجح في إطاحة النظام الحاكم، أو تجرّ البلاد إلى حرب أهلية.

الرئيس التشادي إدريس ديبي

ويواجه النظام التشادي، برئاسة الرئيس إدريس ديبي التحدي الذي واجهته الدول العربية في أحداث الربيع العربي، مع خصوصية الحالة التشادية، مثلما كان لكل دولة عربية خصوصية، حددت كيفية رد النظام الحاكم ومسار الأزمة.

يرجح أنّ تكون الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في تشاد الشهر المقبل، بداية انفجار أزمة البلاد، تأثراً بالتغيرات في دول الجوار كالسودان ومالي والنيجر

وكان الرئيس ديبي حذر في لقاء حزبي من جرّ البلاد إلى الفوضى، مؤكداً أنّ "الديمقراطية لا تعني الفوضى"، وتثير تأكيدات ديبي المتكررة حول "الالتزام بالقانون" السخرية، في ظل نظام حكم يضرب عرض الحائط بالقانون.

ومن المرجح أنّ تكون الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في تشاد الشهر المقبل، بداية انفجار أزمة البلاد المزمنة، تأثراً بالتغيرات في دول الجوار؛ مثل السودان ومالي والنيجر.

وحدد الرئيس ديبي مقاربته للأزمة، عبر استخدام العنف ضد المرشح القوي، يحيى ديلو الذي قاد تمرداً عسكرياً سابقاً، وكان وزيراً في الحكومة، وهو من العشيرة الحاكمة. وتسبب عنف الرئيس في مقتل 5 أفراد من عائلة ديلو، من بينهم والدته، ما زاد من الغضب الشعبي، وخروج احتجاجات واجهها الأمن بالعنف.

ونجح ديلو في الهروب من العاصمة، تسانده قوات من الجيش، ومن المحتمل أنّه يجهز لقيادة تمرد ضد ديبي، لمنعه من الترشح لفترة رئاسية سادسة.

معركة مرشحي الرئاسة

بدأت الأزمة السياسية الأخيرة في تشاد، عقب محاولة الحرس الرئاسي للرئيس ديبي اعتقال المرشح للرئاسة، يحيى ديلو في 28 شباط (فبراير) الماضي، عقب يومين من تقدمه إلى المحكمة العليا بملف الترشيح للانتخابات الرئاسية، عن حزب "اشتراكيون بلا حدود"، برفقة جمع من أنصاره، وتسببت محاولة الاعتقال في مقتل خمسة من أفراد عائلة ديلو، من بينهم والدته.

يحظى يحيى ديلو بنفوذ كبير داخل الجيش يهدد وجود ديبي

ووقعت الاشتباكات عندما هاجمت قوات الحرس الرئاسي، مدعومة بالدبابات منزل ديلو، ورد أنصاره المسلحون على الهجوم، ورشق المدنيون الدبابات بالحجارة، وفتحت قوات الحرس النار ما تسبب في وقوع القتلى، وتمكن ديلو من الهروب إلى مكان غير معلوم.

وحمّل بيان المتحدث باسم الرئيس ديبي المرشح ديلو المسؤولية عن الحادث، عقب مقاومته لتنفيذ السلطات أوامر قضائية بالقبض عليه، للتحقيق معه في تهمتي؛ سب زوجة الرئيس، والفساد المالي أثناء عمله ممثلاً للحكومة في المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا (سيماك)، بحسب بيان الحكومة. وقامت السلطات بقطع الاتصالات عن البلاد، والعاصمة انجمينا، بشكل متقطع لمدة أسبوع عقب الحادثة.

سياسي تشادي لـ"حفريات": الوضع خطير للغاية، فإذا لم تتوحد الحركات المسلحة المعارضة والأحزاب السياسية فإن البلاد مهددة بالانزلاق في صراعات قبلية دامية

في المقابل، ردّ ديلو من جانبه، عبر تسجيل صوتي بثه عبر الفيسبوك، متهماً الرئيس ديبي بالتخطيط لاغتياله، وذكر أنّ جمع من أقاربه باتوا في منزله قبل يوم الاقتحام لمساندته، وأنّه رفض الامتثال لأوامر الحرس الرئاسي كوّنهم خالفوا القانون، ولم يحملوا مذكرة قانونية لتوقيفه، وثم قامت القوة بإطلاق النار على منزله، وقتلت والدته، وفقّ ما نقلته صحف تشادية.

وتسبب الحادث في احتقان شعبي كبير، عبر عنه التشاديون عبر منصات السوشيال ميديا، وبدأ يتسرب رويداً إلى الشارع بحذر، خوفاً من القبضة الأمنية للرئيس ديبي، ونشرت صحيفة "الأنباء" التشادية صوراً لعبارات تطالب ديبي بالرحيل على حوائط مبانٍ في العاصمة، وتهديدات باقتحام شركات الاتصالات إذا تكرر قطع الخدمة.

ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في 11 نيسان (أبريل) المقبل، ومن المؤكد أنّها من نصيب الرئيس الحالي، إدريس ديبي، لتكون سادس ولاية رئاسية له، في ظل انعدام النزاهة.

وأدانت منظمات محلية غير حكومية، ومنظمات دولية الاستخدام المفرط للقوة ضد المرشح يحيى ديلو، وطالبت بإجراء تحقيق حول الحادث، محذرة من عودة البلاد إلى العنف مرة ثانية.

خطورة ديلو

وأعلنت المحكمة العليا في الثالث من الشهر الجاري، عن قبول ملفات 10 مرشحين للرئاسة، ورفض ملفات سبعة مرشحين، من بينهم يحيى ديلو، وسوكيس مسرة، ورفضت المحكمة قبول إعلان ثلاثة مرشحين سحب ملفات ترشحهم، وهم؛ صالح كبزابو، ونغارليجي يورونغار، وأنا تيوفيل بونغورو، معللة ذلك بأنّهم "لم يتقدموا بشكل رسمي بطلب التراجع عن الترشح"، بينما اتّهم الثلاثة المحكمة العليا بالإعلان عن القائمة النهائية قبل الموعد المحدد للإعلان، ما قطع الطريق عليهم لسحب ملفاتهم رسمياً.

ديبي برفقة زوجته السيدة هندة، التي تثير حفيظة الشعب بنفوذها الكبير

ولم تتخذ السلطات ذات الموقف العنيف الذي اتخذته مع يحيى ديلو تجاه أي من المرشحين المنافسين، ويوضح الناشط السياسي التشادي، البشير صالح سعيد، أنّ الصراع بين ديبي وديلو ليس جديداً، لكنّ هذه المرة جاء مفاجئاً، وحظي بترحيب شعبي داخل الجيش وخارجه.

ويردف سعيد في حديثه لـ"حفريات"، بأنّ ديلو هو ابن عمة الرئيس ديبي، ومن نفس عشيرة الزغاوة الحاكمة، و"سبق أن قاد تمرداً مسلحاً في 2006، ثم انضم للحكومة، وسبب خوف ديبي منه أنّ له شعبية كبيرة داخل الجيش، وبين الشعب، وخاصة بعد موقفه الوطني الرافض لتدخل زوجة الرئيس في إدارة الدولة".

اقرأ أيضاً: تشاد: الحرب على بوكو حرام ومراعاة حقوق الإنسان

وكان الرئيس ديبي أطاح ديلو من منصبه كممثل لتشاد في منظمة سيماك، عقب نشره مقالاً هاجم فيه تدخل زوجة الرئيس، السيدة هندة في مؤسسات الدولة، واتهم مؤسستها الخيرية، "القلب الكبير"، بأنّها واجهة لنهب المال العام، وهو الأمر الذي حظي برد فعل شعبي إيجابي.

ومن زاوية أخرى، يرى الناشط سعيد أنّ الهجوم على ديلو بمثابة "رسالة تحذير واضحة لبقية المرشحين، وكلّ من تسول له نفسه منافسة ديبي".

وهناك مخاوف قوية من عودة يحيى ديلو إلى التمرد المسلح، في ظل أنباء عن انشقاق القوات الموالية له داخل الجيش، وذكرت صحيفة "تشاد إنفو" أنّ الرئيس ديبي ربما يعمل على تهدئة الأوضاع، خصوصاً بعد مقتل والدة ديلو.

الاحتجاجات الشعبية

ولا يعلق الشعب أو المرشحون آمالاً كبيرة على إجراء انتخابات نزيهة، ما دفع ثلاثة مرشحين إلى الانسحاب، وبحث قوى سياسية ومنظمات مدنية اللجوء إلى خيارات أخرى غير الانتخابات، وبات المرشحون الذين لم ينسحبوا بعد حادثة يحيى ديلو في موضع اتّهام شعبي.

عبارات على حوائط في إنجمينا تطالب برحيل إدريس ديبي

وندد الرئيس الوطني لاتحاد الديمقراطيين من أجل التنمية والتقدم، ماكس كيمكوي، في مؤتمر صحفي السبت الماضي، بانتهاكات السلطة للديمقراطية، داعياً إلى "اللجوء إلى خيارات أخرى غير الانتخابات لفرض التغيير السياسي"، وفق ما نقلته صحيفة "تشاد إنفو".

وكانت الجمعية الوطنية أقرّت تعديلات محدودة على قانون الانتخابات في الثاني من الشهر الجاري، نصّت على تخفيض الحد الأدنى لسن الترشح إلى 40 عاماً، بدلاً من 45 عاماً، وأعلنت تأجيل السماح للتشاديين في الخارج بالتصويت في الانتخابات.

اقرأ أيضاً: هل تكون تشاد ساحة المواجهة العالمية الجديدة مع الإرهاب

وشعبياً تزداد نقمة الشعب على حكم ديبي، الذي دام 30 عاماً، لم تجنِ البلاد منه سوى الفساد والفقر والإخفاق في جميع المناحي الحياتية، وكانت البلاد شهدت إضرابات عمالية في مطلع العام الجاري، وانتهت بتوسط رجال الدين بين الحكومة والنقابات.

وبعد إخفاق الحكومة في تحقيق وعودها، أعلنت منصة الاحتجاجات النقابية، في السادس من الشهر الجاري، عن استئناف الإضراب، بدايةً من اليوم التاسع المقبل إلى السادس عشر، في كافة الأراضي الوطنية، وفي كافة المجالات سوى خدمات الطوارئ في المستشفيات.

ويؤكد الناشط التشادي، البشير صالح سعيد، أنّ الوضع العام أصبح مرتبكاً، والبعض يرى أنّ "هذه الأحداث ستغير ملامح المستقبل، وستكون بداية النهاية لديبي، بينما يرى آخرون أنّ ديبي تجاوز صعاباً مثل هذه من قبل".

وعن تحليله للوضع، يوضح سعيد أنّ الشعب التشادي لم يعد يستطيع تحمل وجود دبيبي، ولذلك "سيخاطر بكل ما يملكه لإسقاط ديبي، رغم مواجهة النظام للاحتجاجات بالقوة العسكرية، وهو ما يهدد بانفجار الأوضاع في القريب العاجل".

التعقيدات الإثنية والدينية

ويزيد من خطورة الوضع السياسي في البلاد تداخل العوامل الإثنية والدينية في الأزمة، حيث الصراع التاريخي بين الشمال والشرق المسلم، وبين الجنوب المسيحي، والذي لعب عليه الاستعمار الفرنسي في إدارة علاقته بتشاد.

الناشط السياسي التشادي، البشير صالح عثمان سعيد

ورصد الناشط البشير صالح سعيد تحولات في موقف فرنسا نحو الرئيس ديبي، ويقول لـ "حفريات" إنّ "فرنسا تبحث عن بديل يؤمّن لها مصالحها، ولا تهتم بمصير الشعب التشادي".

ومن المحتمل أنّ يكون لتغير الوضع الإقليمي في دول جوار تشاد تأثيرات كبيرة على مستقبل ديبي، والصراع الإثني في البلاد، بعد غياب نظام معمر القذافي في ليبيا، ونظام البشير في السودان، اللذين لعبا دوراً كبيراً في الصراعات الإثنية الداخلية.

ويحذر الناشط السياسي، البشير سعيد من خطورة الانزلاق إلى صراع إثني بدلاً من التعاون في سبيل الإصلاح السياسي: "الوضع بشكل عام من حيث المبدأ خطير للغاية، فإذا لم تتوحد الحركات المسلحة المعارضة والأحزاب السياسية فإن البلاد مهددة بالانزلاق في صراعات قبلية دامية".

ويحكم الرئيس إدريس ديبي البلاد منذ عام 1990، عقب انقلاب أطاح بالرئيس حسين حبري. وتعيش في تشاد أكثر من 200 إثنية مختلفة، ويتحدثون 100 لغة ولهجة محلية، ويجتمعون حول اللغتين العربية والفرنسية.

عقب مقتل والدة يحيى ديلو، اندلع غضب شعبي في تشاد

الصفحة الرئيسية