هل تعبر فلسفة اللاإنجاب عن نظرة تشاؤمية؟

هل تعبر فلسفة اللاإنجاب عن نظرة تشاؤمية؟

مشاهدة

10/12/2019

"لم تكن لديه هموم كثيرة، كانت تكفيه هموم يومه، فأنجب هو هماً جديداً إلى العالم، فالمسؤولية هم، ألا يكفيني أن أكون مسؤولاً عن نفسي"؟

هكذا أطل الفنان عبد السلام النابلسي (1899-1968) على جمهوره من خلال برنامج نجوم على الأرض، في ستينيات القرن الماضي على شاشة التلفزيون المصري.
وحين سألته مذيعة البرنامج ليلى رستم أليست هذه أنانية؟ فقال "الأنانية هي الإنجاب لأعيش من خلال ابني، الحكيم منا يقول يكفي العالم هذا القدر من البشر".

المعري أشهر شاعر عربي نُسبت إليه فلسفة اللاإنجابية وهو صاحب العبارة الشهيرة "هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد"

أما الفنانة المصرية سناء جميل (1930-2002) ففاجأت جمهورها في التسعينيات بتصريحها حول القرار الذي كانت اتخذته بعدم الإنجاب منذ شبابها، وقد كان قراراً مشتركاً مع زوجها الصحافي والناقد لويس جريس (1928-2018)، بعد أن اعتقد جمهورها أنّها عاقر؛ "كنت أرفض أي عمل فني يتضمن كلمة لا ترضيني، فليس لدي مسؤوليات مادية ولا أولاد، فلا شيء عندي أخاف عليه سوى زوجي ومنزلي وهذا أمر يمكن تدبيره". 
كلمات الفنانين عن اللاإنجابية قد تكون أسرع انتشاراً بين جمهور عريض غير متبحر في هذه الفلسفة بالضرورة، أو قطاع من الجمهور يرى في اللاإنجابية دعوة مارقة مهرطقة، لهذا كانت أفكار عبد السلام النابلسي وسناء جميل غريبة على مسامع غالبية الجماهير التي تراءى لها أنّ اللاإنجابية أو (فلسفة رفض التناسل) Antinatalism  صيحة غريبة دخيلة على مجتمع محافظ، إلا أنّ فلسفة اللاإنجابية ليست صيحة مستحدثة بل فلسفة كاملة لها جذور تاريخية منذ الحضارة اليونانية.

بين المعري وشوبنهاور

أبو العلاء المعري (973-1058م) أشهر شاعر عربي نُسبت إليه فلسفة اللاإنجابية، ففي كلمات بسيطة وصف نفسه بـ"رهين المحبسين"؛ محبس البيت الذي لم يبرحه سوى للمسجد، ومحبس العمى الذي أصابه في الرابعة من عمره.
كان المعري من رواد النباتية تضامناً مع آلام الحيوان، وصُنف من فلاسفة التشاؤمية العرب، وهو صاحب العبارة الشهيرة "هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد"، وكان يقصد أنّ وجوده وآلامه لم تكن بيده، وإنما بيد من أتى به إلى الدنيا.

اقرأ أيضاً: نخاف الإنجاب في هذا المكان الآن.. سوريّات يخشين الأمومة
لم يتزوج المعري ورفض تخليد اسمه بالإنجاب، وتعد أفكاره نواة للفلسفة اللاإنجابية في التاريخ العربي، فيقول في قصائده "وإذا أردتم للبنين كرامة/ فالحزم أجمع تركهم في الأظهر" (اللزوميات 1/472) ويقول أيضاً "وألقاك فيها والداك فلا تضع/ بها ولـداً يلقى الشدائد والنكرا" (اللزوميات 1/397).

بنتار أعلن أنّ فلسفة رفض التناسل ليست نابعة من كراهيته للأطفال وإنما شفقة على ما قد ينتظرهم

في ذهنية كثير من البشر، اقترنت اللإنجابية بفلسفة التشاؤمية، قد يعزو البعض هذا الأمر إلى تبني الفيلسوف الألماني أرثر شوبنهاور (1788-1860) لفلسفة اللاإنجابية وقد لُقّب بفيلسوف التشاومية، وكانت حياته الشخصية وفي صغره قاسية، فانتحار والده وخلافه مع والدته فيما بعد أثر سلباً عليه في علاقته بالحياة و بالنساء.
وهنا يعترض الباحث المعاصر ووزير التعليم الفرنسي الأسبق لوك فيري Luc Ferry ليقول إنّ فلسفة شوبنهاور استندت للدراسة والتفكير المنهجي، ورؤيته لمعاناة العالم وليس لتجارب شخصية مأساوية.
اعتبر شوبنهاور أنّ الإرادة التي تدفع الإنسان للمثابرة هي إرادة الحياة، أو كما وصفها بالألمانية Wille Zum Leben وهي الدافع الذي يجعلنا نتمسك بالوجود ونقدم على التكاثر مهما كلفنا الأمر، فيقول في مقال بعنوان آلام العالم (1862) إنّ "البشرية لكان مصيرها الفناء لو لجأ البشر للمنطق وإعمال العقل والتفكر العميق بشأن الإنجاب، فالحكمة تقتضي تعاطف الإنسان مع الأجيال القادمة ليرحمها من عبء الوجود وآلامه"، فذهب إلى أنّ الإنجاب فعل قاسٍ يتم بدم بارد في حق المولود الذي لا حول له ولا قوة.

اقرأ أيضاً: "كفر ناحوم": توقفوا يا فقراء عن الإنجاب!
وحتى وإنّ اختلف البعض مع لوك فيري في قوله إنّ فلسفة شوبنهاور لم تتأثر بمأساته وآلامه الشخصية وحدها، وحتى وإن اختلف البعض الآخر في أنّ فلسفة أبي العلاء المعري لم تكن نابعة من مأساته الشخصية وحدها، فالقراءة المتأنية -بالرغم من هذه الآراء- تجعلنا نتساءل هل فعلاً اقترنت فلسفة اللانجابية بالنظرة التشاؤمية؟
رفض التناسل كفلسفة أخلاقية تفاؤلية
الأمر المثير للانتباه في دراسة فلسفة شوبنهاور، أنّ تأثره كان واضحاً بـبوذا الذي عانى بسبب الألم والبؤس في العالم، إلا أنّ بوذا لم يوصف بالتشاؤم، وإنما اقترنت فلسفته بالخلاص.
يُنظر لفلسفة بوذا كفلسفة أخلاقية في معناها الشامل، بل تُنسب له ولأتباعه القدرة على خلق سلام نفسي وسلام مع العالم المحيط، بالرغم أن حكمة بوذا تمحورت كثيراً حول رفض التناسل، فيرى بوذا أن "كثيراً من الألم يصنعه الإنسان لغيره حين يتكاثر، فهكذا يصنع الموت والعجز الذي هو مصير الإنسان " (روح البوذية The spirit of Buddhism  - 1929- هاري سينج جور).

فلسفة اللاإنجابية قد يتبناها من يعاني أزمات مادية أو أناس ظروفهم المادية ليست بائسة بالضرورة

بالرغم من ذلك لم تكن فلسفة بوذا سوداوية، بل كانت منبعاً لفلسفة التفاؤل، وأسّست لما يعرف بقوة الطاقة الإيجابية في العصر الراهن، فتراءى لبوذا أنّ العقل الإيجابي يجد الفرصة السانحة في كل عقبة وهي فلسفة تتنافى مع التشاؤمية.
أما ديفيد بنتار  David Bantar الجنوب أفريقي (المولود العام 1966) وهو من أشهر فلاسفة اللاإنجابية المعاصرين والمتهم كثيراً بالتشاؤمية على غرار شوبنهاور، فلا يدافع عن نفسه ضد اتهامات التشاؤم، وإنما يعلن أنّ فلسفة رفض التناسل ليست نابعة من كراهيته للأطفال وإنما شفقة على ما قد يواجهونه في المستقبل، خاصة هؤلاء الذين يولدون في ظروف عسيرة من الفقر والمرض، ويعتبر أنّ الواقعية ليست تشاؤماً، وإنّما يرى أنّ التفاؤل المفرط انفصال عن الواقع كما ورد في كتابه Better Never to: have been born: The Harm of coming into Existence  "الأفضل ألا نولد: الضرر الكامن في المجيء إلى الوجود".

اقرأ أيضاً: الإنجاب هو الحل..ما رأي الإسلاميين؟
ويقول Bantar "لن يغير كتابي رأي الناس فهذه منهجيتي الفلسفية"؛ أي إنّه لا يتبنى الدعوة الممنهجة إلى رفض التناسل، كما أنّه يقول إنّ الطيبين الذين ينجبون هم من يسعون لدرء الأذى وحماية أبنائهم من المعاناة؛ أي إنّه لم يتبنَّ وجهة نظر عدائية لمن ينجب بالرغم من نظرته الحاسمة، بل والحادة في طرح فلسفة اللاإنجابية بشكل عام، بل إنّه بالرغم من تأكيده على آلام البشرية وما فيها من مجاعات وأمراض وحروب، إلا أنّه لا يروج ولا يتبنى لفكرة الخلاص بالانتحار.
في فلسفةBantar  إنّ غياب البشر عن الأرض ليس أمراً سيئاً على الإطلاق، لكن في ذات الوقت يؤكد رفضه لتحجيم البشر أو قتلهم، ويضيف: يمكن لشخص أن يحزن لكونه لا أطفال له، ولكن ليس لأنّ الأطفال الذين كان يمكـنه أن ينجبهم تم حرمانهم من الوجود، الندم على عدم الإنجاب هو ندم لأنفسنا، هو حزن على ضياع تجربة حمل الأطفال وتربيتهم، لكننا من ناحية أخرى نندم إذا جـئنا للوجود بطفل حياته تعـيسة.

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة يشجع إقليم صيني على إنجاب الأطفال
الموضوعية هنا لا تقودنا لدرء التشاؤمية عن (رفضة التناسل) خاصة في رؤيتهم لمعاناة البشرية، ولكن تقودنا إلى الأخذ في الاعتبار أنّ رفض التناسل ليست بالضرورة فلسفة تشاؤمية، كما أنّ فلسفة التشاؤمية ذاتها مختلف عليها وغالباً ما تُعد نظرة واقعية يراها المتفائلون نمطاً من أنماط التشاؤم، بل يرى كثير من رافضي التناسل أنّ انحسار الإنجاب يقود العالم إلى مستقبل أفضل يقل فيه ضحايا المرض والمجاعات، ويرون أنّ تبنّي طفل بلا مأوى، أو ولد في ظروف قاسية هو فعل أخلاقي. 

يتعرض كثير ممن يعبرون عن تبنيهم فلسفة اللاإنجابية من العرب لحملات وصم مجتمعية

ومن بين أشهر هؤلاء، أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة كاليفورنيا تينا رولي Tina Rulli التي أسست لضرورة التبني كفعل أخلاقي في كتابها The Ethics of Procreation and Adoption (أخلاقيات الإنجاب و التبني).
أما الفيلسوف البلجيكي المعاصر Théophile de Giraud  تيوفيل دي جيرو، مؤلف كتاب De l'Impertinence de procréer, أو (قصور في مسألة الإنجاب)، فهو يعتمد على أسلوب ساخر في تناوله كثيراً للقضية، ويروج الضرورة الأخلاقية للتبني من أجل عالم أفضل، ويُلقب بنجم اللاإنجابية popstar of Antinatalism بسبب مظهره الأشبه بنجوم الغناء.
مثلت فلسفة رولي ودي جيرو أفكاراً رائجة انتشرت بين الجماهير خاصة في حركة رفض التناسل المعاصرة في الهند الداعية للتبني، بدلاً من خلق الحياة بالإنجاب، وهنا يتبادر سؤال ضروري للأذهان؛ ألا تُعد هذه فلسفة تفاؤلية لا تشاؤمية، فمن يسعى لتغيير حياة غيره للأفضل قد يكون  متفائلاً بقدرته على إحداث تغيير في ظروف عسيرة، حتى لو كان لاإنجابياً برغم قدرته على الإنجاب فسيولوجياً ومادياً؛ أي إنّ رفضه التناسل في هذه الحالة يسعون لأنسنة اللاإنجابية؛ أي إضفاء طابع إنساني غير عدواني على الفلسفة التي يتبنونها. 
لاإنجابية بدون تفلسف
رفض التناسل ليس فكرة يحتكرها الفلاسفة الدارسون وحدهم، بل انتشرت بين جموع من الجماهير غير المتبحرة في الفلسفة، أو بين جمهور اطلع على فلسفة اللاإنجابية بعدما اتخذ قراراً شخصياً بعدم الإنجاب بدون تبني التبشير للفكرة.
فلسفة اللاإنجابية قد يتبناها من يعاني أزمات مادية، أو أناس ظروفهم المادية ليست بائسة بالضرورة، بل يعتبر بعض اللاإنجابيين أنّ الإنجاب مسؤولية فوق احتمالهم أو يعدون الإنجاب شيئاً مناسباً لغيرهم ولكنه ليس مناسباً لهم.

اقرأ أيضاً: المرأة كما تصوّرها حسن البنا: مكانها المنزل ووظيفتها الإنجاب
كما أنّ كثيراً من اللاإنجابيين غير كارهين للحياة، ولا يصارعون الاكتئاب المزمن ولا راغبون في الخلاص بالانتحار، ولا معادون لفكرة الرومانسية والحب والزواج، ولهذا ظهر مصطلح جماهيري في الولايات المتحدة تحت شعار (اللاإنجابية الودودة Friendly Antinatalism )؛ أي فلسفة لاإنجابية غير معادية لمن لا يتبنى الفلسفة، وهؤلاء اللاإنجابيون الودودون يتعرضون أنفسهم للوصم الاجتماعي لمجرد أنهم يعلنون عن عدم رغبتهم في الإنجاب، ويرفضون ما يُعرف باسم فطرة التكاثر وفطرة الأمومة والأبوة.
اللاإنجابيون العرب والوصمة الاجتماعية
المرض النفسي ليس وصمة اجتماعية، لكن عادة يُتهم من يسير في اتجاه معاكس للجموع بالمعاناة من المرض النفسي، هذا قد يحدث في مجتمعات ترى في الاختلاف جموحاً (من دون تعميم)، بل يتبنى الإعلام والخطاب الديني والاجتماعي في عديد من الحالات توجهاً ممنهجاً لوصف صاحب الرأي المختلف بالمريض النفسي، وفي هذا الصدد تُعد فلسفة رفض التناسل في المجتمعات التي تتبنى موروثاً دينياً قائماً على التكاثر، شكل من أشكال المرض النفسي خاصة إن تبنته امرأة ترى أنّ الأمومة دور اجتماعي وقرار عاقل يغلب على الفطرة، فعادة يتم التشكيك في أنوثتها وليس فقط في سلامتها العقلية.
في هذا الصدد يتعرض كثير ممن يعبرون عن تبنيهم فلسفة اللاإنجابية من العرب، خاصة المسلمون منهم، لحملات وصم مجتمعية، واللافت للانتباه أنّ المنددين بظاهرة رفض التناسل لأسباب شرعية حسب كلامهم،  لا يبذلون نفس مجهود التنديد تجاه ظاهرة الإنجاب بدون حساب في مجتمعات ينهشها الفقر والعوز والمرض بل والحروب أحياناً.


الصفحة الرئيسية