هل تسفر مخاضات الثورة السودانية عن حكومة مدنية؟

السودان

هل تسفر مخاضات الثورة السودانية عن حكومة مدنية؟

مشاهدة

28/07/2019

بعد مخاض عسير، وجولات مفاوضات سرعان ما تتعثر لتبدأ من جديد، ودخول وسطاء إقليميين ودوليين للمساعدة في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، كما هو معلن، أبرمت قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري السوداني، في 17 تموز (يوليو) الماضي؛ اتفاقاً سياسياً بالأحرف الأولى، يشمل هياكل الحكم في السودان، خلال الفترة الانتقالية المستمرة لأكثر من ثلاثة أعوام، فيما تمّ إرجاء الإعلان عن الوثيقة الدستورية، والتي تنظم مواد الدستور في المرحلة الانتقالية، وتحدّد صلاحيات (الهياكل) ووظائفها، إلى ما بعد اجتماعات يوم الجمعة المقبل.

تتكون هياكل المرحلة الانتقالية من مجلس سيادي يضمّ عسكريين ومدنيين وحكومة تنفيذية مدنية ومجلس تشريعي مدني

واتفق الطرفان، بموجب الاتفاق السياسي، على تشكيل مجلس سيادة من 11 عضواً؛ 5 عسكريين يختارهم المجلس العسكري، ومثلهم مدنيون، تختارهم قوى الحرية والتغيير، وعضو مدني آخر يتم اختياره بالتوافق بين الطرفين، على أن يترأّس العسكريون المجلس لـ ٢١ شهراً، ابتداء، فيما تؤول رئاسته للمدنيين لــ ١٨ شهراً، الفترة المتبقية من الفترة الانتقالية.
وتواطأ الطرفان على تشكيل حكومة انتقالية مدنية ترشّحها قوى الحرية والتغيير، عدا وزيرَي الدفاع والداخلية، وفق المواصفات التي سترد في الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، كما اتفقا على إعادة هيكلة الدولة السودانية ومحاسبة رموز النظام السابق، وتفكيك دولة الحزب الواحد لصالح دولة الديمقراطية والحرية والعدالة.

اقرأ أيضاً: انقلاب فاشل جديد في السودان.. هؤلاء هم المتورطون

 رئيسا حركتي تحرير السودان والعدل والمساواة المسلحتين
والتأمت، فضلاً عن ذلك، مفاوضات أخرى موازية بين أطراف من قوى إعلان الحرية والتغيير في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا؛ حيثُ تطالب الحركات المسلحة التي تمردت على نظام البشير، رغم توقيعها على إعلان الحرية والتغيير مع كافة القوى السياسية المدنية، في كانون الثاني (يناير) 2019، بتمييز خاص لها ضمن الحكومة الانتقالية القادمة، الأمر الذي استدعى الجلوس إليها حول طاولة تفاوض جديدة في أديس أبابا، ما عقّد المشهد السياسي السوداني وجعله أكثر هشاشة.
ترتيب داخلي
يقول الباحث السياسي، الأمين موسى، لـ "حفريات": إنّ جميع المراقبين للتطورات السياسية في السودان كانوا يتوقعون، عقب التوقيع على الاتفاق السياسي، الأربعاء 17 تموز (يوليو)، إبرام اتفاق آخر حول الوثيقة الدستورية التي تدار بها الفترة الانتقالية، وتُحدد بموجبها صلاحيات ووظائف الهياكل التي تم الاتفاق عليها، على أن يكون ذلك يوم الجمعة 19 تموز (يوليو)، لكن قوى الحرية والتغيير عادت لتطلب تأجيل الموعد المضروب، ريثما ترتب (بيتها الداخلي)، فقد رفضت حركة العدل والمساواة المسلحة، المنضوية تحت لوائها، الاتفاق، وأعلنت أنّه لا يمثلها، فاضطرت القوى المدنية إلى الجلوس معها في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا.

اقرأ أيضاً: توقيع الاتفاق السياسي في السودان.. إليكم أبرز بنوده
مفاوضات أديس أبابا بين الحرية والتغيير والجبهة الثورية

ماذا جرى مع السفير؟
ويضيف موسى: في أديس أبابا، وبينما كان طرفا قوى الحرية والتغيير، الجبهة الثورية التي تضمّ الحركات المسلحة من جهة، وبقية مكونات الحرية والتغيير التي تضم "تجمّع المهنيين السودانيين"، و"التجمّع الاتحادي المعارض"، و"قوى الإجماع الوطني"، و"تجمّع منظمات المجتمع المدني"، وهي مزيج من الأحزاب اليسارية والليبرالية والوسطية، قاب قوسين أو أدنى  من توقيع اتفاق على وثيقة للسلام، استدعت السلطات الإثيوبية، الأحد 21 تموز (يوليو)، جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة الإسلامية المسلحة، وحقّقت معه على خلفية لقاء جمعه بالسفير القطري في أديس أبابا، بغية إفشال ونسف جهود السلام بالسودان، وبعد توسط رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، موسى فكي، والوسيط محمد حسن ولد لبات، لدى السلطات الأمنية الإثيوبية، سُمح لخليل إبراهيم بالعود إلى طاولة المفاوضات بعد إلغاء أمر كان صدر بترحليه خارج إثيوبيا.

اقرأ أيضاً: هذا ما وصلت إليه مفاوضات السودان..
واستطرد موسى قائلاً: بعد عودة خليل إبراهيم إلى الطاولة، تم التوصل إلى مسودة مذكرة تفاهم حول قضايا السلام الشامل، تتكون من 3 أبواب و12 مادة، ويتوقع أن يتم التوقيع عليها خلال أيام. 
مفاوضات المجلس العسكري وقوة الحرية والتغيير بالخرطوم

تفاؤل حذِر
من جهتها، رأت المحللة السياسية، سامية الجاك، في  حديثها مع "حفريات"؛ أنّ المفاوضات الشاقة والمطولة والعقبات والانتكاسات التي تواجهها "أمر عاديّ، بالنظر إلى إرث 30 عاماً من الخراب الممنهج الذي حاق بالسودان، في ظلّ حكم الإخوان المسلمين"، علاوة على التناقضات الكبيرة داخل القوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير، والتي تضمّ 171 حزباً سياسياً وحركة مسلحة ومنظمات مجتمع مدني، وبالتالي؛ فإنّ التوصل إلى اتفاقيات بين جميع هذه الأطراف من جهة، وبينها وبين المجلس العسكري الانتقالي "ليس بالأمر السهل، كما يعتقد البعض؛ لذلك فإنّ ما تحقق من تفاهمات حتى الآن يعدّ جيداً بالنسبة إليّ".

مصادر: لا الشعب السوداني ولا الدول الداعمة للمجلس العسكري الانتقالي يرغبون في رؤية رموز الإخوان المسلمين في المشهد

ولفتت الجاك إلى أنّ العقبة الكأداء التي تقف أمام قوى إعلان الحرية والتغيير؛ هي "تعنّت الحركات المسلحة التي تفضل التفاوض مع العسكريين منفردة للحصول على مناصب سياسية في المرحلة الانتقالية، وفق مبدأ (تقاسم السلطة والثروة) الذي كانت تتفاوض عليه لأعوام طويلة مع حكومة البشير المخلوعة"، لكن يبدو أنّه ثمّة إرادة داخلية وإفريقية ودولية قوية لوضع السودان في المسار الديمقراطي المدني، فها هو الاتحاد الإفريقي يرعى التفاوض بدعم من دول الترويكا والاتحاد الأوروبي؛ حيث أصدرت المفوضية الأوروبية بياناً قالت فيه: "من المهمّ أن يتوصّل الطرفان إلى اتفاق دستوري"، وإنّها "على استعداد لمساعدة السودان بمجرد إنشاء حكومة انتقالية بقيادة مدنية".
لا خيار
وأقرّت سامية الجاك بصعوبة المفاوضات، لكنّها أبدت تفاؤلاً بنتائجها المحتملة، حيثُ قالت: "لا شكّ في أنّ المفاوضات بين الأطراف كافة ستكلّل، عاجلاً أم آجلاً، بالنجاح؛ لأنّه لا خيار أمام الجميع سوى الاستجابة لإرادة الشعب السوداني وتحقيق طموحاته في حفظ الأمن وتحقيق الاستقرار وإطلاق عجلة التنمية، فلا سبيل للجميع سوى المضي قدماً في الشراكة". وأضافت: "حتى الدول التي تدعم المجلس العسكري الانتقالي، لا ترغب في رؤية رموز الإخوان المسلمين في المشهد السياسي الجديد، وكذلك الشعب السوداني كره هذه التوجهات، بل وكفر فيها، ومستعد للتضحية من أجل التخلص منها، لذلك كلّ العوامل الوطنية والإقليمية والدولية تدفع في اتجاه إكمال ما تبقى من خطوات، وفتح صفحة جديدة خالية من سياسات وتوجهات وممارسات النظام البائد".


الصفحة الرئيسية