هل تركيا في طريقها لأن تصبح إيران الجديدة؟

هل تركيا في طريقها لأن تصبح إيران الجديدة؟

مشاهدة

22/09/2020

ترجمة: مدني قصري

لنبدأ بهذه الأحجية؛ أنا دولة تتدخل في العديد من المسارح في الشرق الأوسط، باسم سياسة إمبريالية وانتقامية، أنا بلد يضاعف زعيمُه خطابات الصقور، وينجح في خلق تحالف غير مسبوق ضدّه بين قوى ذات مصالح متباينة للغاية، أنا دولة تَحْرِم الزعيمين الشابين لبلدَين نفطيَّين، من النوم؛ من أنا؟ إيران آية الله خامنئي؟ لا: تركيا رجب طيب أردوغان.

أهداف تركيا المتعدّدة

في غضون أعوام قليلة، تمكّنت تركيا من معاداة جزء كبير من دول المنطقة، ناهيك عن العدو الكردي لحزب العمال الكردستاني، من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​إلى خليج عدن، هناك أعداء تاريخيون، مثل اليونان أو قبرص، وهناك خصوم الربيع العربي، مثل مصر أو الإمارات العربية المتحدة، وهناك دول تدهورت علاقاتها معها بشكل مطرد في الأعوام الأخيرة، مثل إسرائيل أو المملكة العربية السعودية.

وأخيراً، هناك دول تنظر بعين الخشية إلى النفوذ التركي، دون أن تعارضه وجهاً لوجه، مثل العراق أو إيران، تتدخل أنقرة الآن في سوريا وليبيا والعراق عسكرياً، بينما يحاول أسطولها البحري، في الوقت نفسه، تحويل شرق البحر المتوسط ​​إلى بحيرة تركية، هناك حديث، دون أن يتأكّد ذلك الآن، عن محاولة تركية للتورّط في اليمن، وتولّي قيادة أهل السنّة في لبنان بعد إقصاء السعودية.

تركيا لديها أسباب واضحة لرغبتها في إعادة تحديد دورها في المنطقة، لكن مع رغبتها في القيام بذلك بشكل منهجي، وبالقوة، وبإزالة أيّة مبادرة دبلوماسية، تصبح تركيا إيران الجديدة

في جميع أنحاء هذه المنطقة الجغرافية، التي تتميز بعدة مسارح للصراع، ليبيا وسوريا، وبصراع من أجل الاستيلاء على موارد الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، ليس لأنقرة سوى حليفَين فقط: حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، التي تسيطر على غرب ليبيا وقطر، التي تخضع لمقاطعة من قبل المحور السعودي الإماراتي، منذ حزيران (يونيو) 2017.

منطق أردوغان العثماني والقومي

يبدو أنّ السياسة التركية مدفوعة بمَنطقَين اثنين، تمكّن الريّس من الجمع بينهما؛ المنطق الأوّل الذي نستشفه قبل كلّ شيء على مستوى السرد، ينبع من الرغبة في إنعاش الإمبراطورية العثمانية، أو بالأحرى الأسطورة التي تلهمها.

اقرأ أيضاً: "فاتورة التهور".. أثمان اقتصادية باهظة لسياسات أردوغان

الرئيس التركي لا يتردّد في استخدام الخطاب العثماني الجديد، وفي استخدام كلّ رمز، كما كان الحال عند تحويل آيا صوفيا السابقة إلى مسجد، إنّه يتصرّف مع قوى الشرق الأدنى والأوسط وكأننا ما نزال في أيام الباب العالي، وينازع المملكة العربية السعودية على مكانتها كزعيم للعالم السنّي، وحامي الأماكن المقدسة، أما المنطق الثاني؛ فهو منطق قومي في جوهره، قبل كلّ شيء، فالمصالح البراغماتية هي التي تدفع تركيا للتدخل في ليبيا وسوريا والعراق.

اقرأ أيضاً: تنحي السراج يربك مشروع أردوغان في ليبيا

تشعر تركيا بالضيق من تقسيم الحدود، الذي تمّ الاتفاق عليه خلال معاهدة لوزان، عام 1923؛ ففي شرق البحر المتوسط؛ حيث تركيا معزولة تماماً، يتبنى رجب طيب أردوغان عقيدة الجنرالات الأتراك للوطن الأزرق، الذي نظّر له الأدميرال جيم جوردينيز، الذي يدفع أنقرة لفرض سيادتها على مساحة قدرها 462000 كم2، في البحر الأسود وبحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط.

قوة مفترسة تتحدى القانون الدولي

أصبحت تركيا قوة مفترسة تسعى في كلّ مكان لتحدي القانون الدولي، لقد أصبحت في نظر كثيرين العدوّ الذي يجب تدميره، وهو العدو الذي يثير أكبر قدر من الخوف، بل إنه يحيل إيران إلى خلفية التهديدات الإقليمية ضدّ الدول العربية السنّية.

اقرأ أيضاً: زعيم المعارضة التركية يُلمح إلى ائتلاف جامع ضد أردوغان

على غرار إيران، تلعب تركيا الورقة الروسية ضدّ العداء الغربي، لكنّ موسكو حليف كاذب لكلا البلدين، سواء في مسائل المصالح المتضاربة أو التنافس التاريخي، فعلى عكس إيران، تركيا عضو في الناتو، والولايات المتحدة، على الرغم من العلاقة المتقلبة بين البلدين، فإنّها لم تنضمّ بعد إلى التحالف المناهض لتركيا.

إذاً: إيران وتركيا، المعركة نفسها؟

ليس كلياً؛ تركيا لا تُعد بعدُ دولة منبوذة في المنطقة فحسب، لكن على الخصوص، لا يعتمد النفوذ التركي على الآليات نفسها، فهو يعتمد على شرعية معينة، تعتمد السياسة الإيرانية بشكل أساسي على الميليشيات الشيعية التي شكلتها طهران في مختلف دول العالم العربي، التي تعارض الدول التي تجد نفسها فيها، وتسعى إلى كسب المزيد والمزيد من النفوذ هناك.

الأتراك، الذين يعتمدون في سوريا وليبيا على الميليشيات السورية، يمارسون سياسة نفوذ الدولة الكامل، حيث يتدخلون بجيوشهم وبضجة عظيمة، وهكذا تصبح إستراتيجية الهيمنة التركية قائمة بالكامل

النفوذ الإيراني ليس قائماً ونافذاً بالكامل، وإن لم ينخدع أحد به في المنطقة، أمّا الأتراك، الذين يعتمدون في سوريا وليبيا على الميليشيات السورية، فهم يمارسون سياسة نفوذ الدولة الكامل، حيث يتدخلون بجيوشهم وبضجة عظيمة، وهكذا إستراتيجية الهيمنة التركية قائمة بالكامل.

كيف تصبح تركيا إيران الجديدة؟

أخيراً، وليس آخراً، تعمل إيران كقوة مضادة للثورة في كل مكان، وتساعد الأنظمة الاستبدادية، أو تسعى على أيّ حال للحفاظ على الوضع الراهن القائم، في المقابل؛ تدخلت أنقرة في ليبيا، دعماً للحكومة المعترف بها من قبل المجتمع الدولي، ضدّ قوات المشير حفتر المسلحة، وهي تشارك في اللعبة السورية إلى جانب الثوار ضدّ بشار الأسد، لكنّها تستخدمهم أيضاً في محاربة أعدائها الأكراد.

تركيا لديها أسباب واضحة لرغبتها في إعادة تحديد دورها في المنطقة، لكن مع رغبتها في القيام بذلك بشكل منهجي، وبالقوة، وبإزالة أيّة مبادرة دبلوماسية، تصبح تركيا إيران الجديدة.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

lorientlejour.com

الصفحة الرئيسية