هل تجاوز الإسلاميون تنظيرات حسن البنا المعادية لقيم الديمقراطية؟

هل تجاوز الإسلاميون تنظيرات حسن البنا المعادية لقيم الديمقراطية؟

مشاهدة

22/06/2021

تواجه الحركات الإسلامية والفكر السياسي الإسلامي عموماً معضلة "تَبْيِئة" الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية، حتى بعد اختزالها إلى آليات ووسائل إجرائية تقتصر على قبول المشاركة السياسية وصناديق الاقتراع؛ لأنّ الديمقراطية لها متطلبات قد تتصادم مع بعض عناصر العقيدة الإسلامية، ولها شروط وأطر وآليات مايزال الإسلاميون يختصمون حولها حتى اليوم؛ حيث تشكل في بعدها الفلسفي المؤسس على قيم الحرية والتسامح وقبول الاختلاف والتعددية السياسية والحزبية ما يعتبرونه خطراً على دين يقوم على التوحيد الشامل، وحفظ وحدة الأمة وحماية المسلمين من الفساد والانحلال وفق التنظير الذي أسسه حسن البنا وما يزال مستمراً حتى اليوم.

تواجه الحركات الإسلامية والفكر السياسي الإسلامي عموماً معضلة "تَبْيِئة" الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية

كما باتت الشرعية الديمقراطية السائدة اليوم على المستوى العالمي تعيد طرح أسئلة لم يوجد أي إجماع حولها نظرياً أو فقهياً في الفكر السياسي الإسلامي، وتحمل في طياتها مؤشرات تدل على أنّ الحركات الإسلامية السياسية لم تحسم موقفها من الديمقراطية، حتى رغم قبولها بقواعد اللعبة السياسية في بعض البلدان العربية والإسلامية والديمقراطية ليست من أولوياتها وهمومها إلا حينما تكون مهدَّدة بالقمع أو واقعة تحت الاضطهاد.
وإذا كان من العسير الحكم على فكر وسلوك هذه الحركات وموقفها من الديمقراطية في ظل الحكومات الاستبدادية والديكتاتوريات العسكرية السائدة في هذه البلدان من قبل، إلا أنّ انهيار النظم الشمولية في دول المعسكر الشرقي وتفجر ثورات الربيع العربي التي أتاحت لتلك الحركات الدخول في اللعبة السياسية قد أعاد الجدال من جديد حول الشرعية السياسية في خطاب هذه الحركات وآلية استجابتها  لتلك المستجدات.

اقرأ أيضاً: أين اختفى مجاهدو حسن البنا الـ10 آلاف فداء لفلسطين؟
في كتابها "الشرعية السياسية في الخطاب السياسي السنّي بين الثبات والتغيير"، الصادر عن المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية في برلين 2019، تتعرض الباحثة الجزائرية، حبيبة الرحايبي، إلى أثر تلك المستجدات على خطاب الشرعية السياسية في الفكر الإسلامي "الذي ظل يراوح مكانه منذ عهد الخلافة الراشدة وانتقال شكل الحكم إلى مُلك عَضوض يتوارثه الأبناء عن الآباء، معطلين بذلك أولى دعائم نظام الخلافة في الفكر السياسي السني أي"الشورى"".

غلاف الكتاب
تحاول الباحثة الرحايبي من خلال بحثها الإجابة عن أسئلة: هل يدخل خطاب الشرعية ضمن دائرة الثابت، حسب مفهوم الثابت في الفكر الإسلامي، أم أنّ ظروف ومتغيرات الزمان قد دفعت بالحركات والجماعات والأحزاب التي تتبنّى خطاباً سياسياً إسلامياً إلى تكييف مفهوم الشرعية بما يتلاءم والمرحلة الراهنة ليكتسي بذلك طابع التغيّر فيتحول نحو الشرعية الديمقراطية؟ وما الأثر الذي أحدثته الثورات العربية على مستوى الخطاب السياسي للتيارات الإسلامية السنّية في تفعيل عملية تبيئة الديمقراطية في المناخ العربي الإسلامي؟

الحركات والجماعات الإسلامية وعلى مدار تبلورها وبروزها كقوى سياسية في مواجهة أنظمتها السياسية كانت محصلة الصراع بينهما صفرية

في محاولة إيجاد إجابة عن السؤال المحوري السابق تعتمد حبيبة الرحايبي في دراستها أسلوب البحث الأكاديمي الكلاسيكي، فتنطلق من تحديد نطاقه، الزماني والمكاني، ضرورته وأهدافه وغاياته وصعوباته، ومن ثم التعريف بالمفاهيم المستخدمة فيه: كالشرعية السياسية  وتبيئة الديمقراطية... وغيرها، والمناهج البحثية المتبعة، وإطاره النظري الذي اعتمد على "نظرية الألعاب" أو " الطاولة السياسية" التي طوّرها كل من مارتن شوبيك وفون نيومان والتي تحكم الصراع بين الأطراف السياسية المختلفة بقواعد اللعبة السياسية، حيث يسعى كل طرف من الأطراف المشاركين فيها إلى اتخاذ المواقف السياسية والخيارات الأقرب لتحليله وفرض قواعده على اللاعبين الآخرين. 
إذ تشير إلى أنّ الحركات والجماعات الإسلامية وعلى مدار تبلورها وبروزها كقوى سياسية في مواجهة أنظمتها السياسية كانت محصلة الصراع بينهما صفرية، "إذ لم تسمح هذه الأنظمة لأغلبية الحركات الإسلامية  وخاصة حركة الإخوان المسلمين باعتبارها الحركة الأم التي بلورت صياغة فكرية نموذجية لبقية الحركات الإسلامية ذات التوجه السنّي بدخول اللعبة السياسية" إلا بشكل غير مباشر.

اقرأ أيضاً: من هو حسن البنا "الساعاتي" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؟
فيما اقتصرت المشاركة السياسية على الاتجاهات السلفية التقليدية التي انضوت تحت مظلة الأنظمة العربية لقيام فكرها أصلاً على" تحريم الخروج على الحاكم"، حتى قيام الثورات العربية التي استطاعت أن تعدل قواعد اللعبة السياسية لصالح الحركات والجماعات والأحزاب السياسية الإسلامية بوجه عام، خاصة بعد قبول هذه الحركات الدخول في الحراك الديمقراطي وتشكيل أحزاب سياسية ودخول الانتخابات كما في الحالة المصرية.

 

مكونات الخطاب الإسلامي
بعد عرض مسهب لعدد من آراء وتعريفات الشرعية السياسية، كما تناولها الكثير من المفكرين الغربيين والإسلاميين وحول تقسيمات الخطاب الإسلامي، وتعدد أشكاله الذي تقدمه الباحثة بطريقة حيادية لم تلزم نفسها بتبنّي أي منها، تخلص الرحايبي إلى أنّ الخطاب الإسلامي يتكون من مكونين متمايزين هما: "العنصر أو المكون الشرعي؛ أي البيان الشرعي الذي جاء به الوحي الإلهي قرآناً وسنة ثابتة، والمكون البشري الذي يتعلق بما فهمه أو استنبطه البشر من البيان الشرعي فقهاً كان أو أدباً أو علماً"، وأنّ أصل الخطاب الإسلامي هو المكون الشرعي؛ لأنّه منشأ هذا الخطاب ومبدؤه وجذره، وهو سابق زمنياً على وجوده كونه صادراً عن الأصل الإلهي الذي هو أصل الوجود كله؛ ولأنّه شرعاً هو المرجع الذي يتعين أن يُرَدّ إليه ما سواه ويحتكم إليه فيه.

الكتاب يعالج أثر المستجدات  الجديدة على خطاب الشرعية السياسية في الفكر الإسلامي

لذلك تكون الشرعية  من الثوابت المطلوبة لأي فعل من الأفعال مهما كان سياسياً أم اجتماعياً أم اقتصادياً، ولما كانت الشرعية الديمقراطية التي تقوم بجملة مبادئها على القانون الوضعي ومبادئه الفلسفية ذات المنشأ البشري لا تعبر عن النمط الإسلامي في الحكم، رغم محاولة بعض المفكرين الإسلاميين مقاربتها مع نمط الشورى الإسلامي، يقف الخطاب الإسلامي بأشكاله المتعددة بين القبول بتلك الصيغة التوفيقية بين الديمقراطية والشورى، وبين الفصل والبتر بين المفهومين نهائياً، فيستند من يقبل الصيغة التوفيقية  إلى أنّ ذلك من مستجدات الفعل الإنساني التي لم يرد بشأنه نص شرعي أو تدخل في دائرة المسكوت عنه أو ما يعرف بمنطقة الفراغ التشريعي فيخرج بالتالي من دائرة "الثابت" إلى دائرة الاجتهاد المحكومة بضوابط الشريعة، ويستند من يفصل بين المفهومين إلى وجود دليل في المسألة لا يسَوّغ الاجتهاد معه فيكون واقعاً في دائرة الثابت بالنص، والقاعدة تقول "لا اجتهاد مع النص".

اقرأ أيضاً: حسن البنا والأدلجة السياسية للإسلام في القرن العشرين
وما زال هذان الخطابان يتعايشان ويقتسمان ساحة الفعل السياسي في معظم الدول العربية والإسلامية حتى اليوم، والسؤال الذي يبقى معلقاً وتحدد الإجابة عليه مستقبل الإسلام السياسي هو: هل يمكن التقاء نوعين من الشرعية يستند كل منهما إلى نظام فكري قائم بذاته لاسيما فيما يتعلق بمفهوم "الشرعية السياسية" القائمة في أبسط تعريفاتها على رضا وقبول المحكومين بنظام الحكم القائم؟ أم أنّ خصوصية كل نظام ستدفع نحو الانعزال والانغلاق على الذات وإعادة إحياء نفسه بعيداً عن النموذج المقابل، ما يجعل أحزاب الإسلام السياسي تتولى إعادة تحديث الاستبداد وإحياء الرصيد الديكتاتوري وزيادته نكوصاً من خلال رفض المشاركة السياسية والتعددية والتخفيض من قيمة الشرعية الديمقراطية والحط من شأنها بمنطق ديني له جاذبية قوية في أوساط الجمهور والنخبة.

 

الثورات العربية وتفعيل تبيئة الديمقراطية
أثارت ثورات الشباب العربي المفاجئة التي ابتدعت أساليب كفاحية غير مألوفة في التفكير السياسي النمطي الكثير من الحيرة والذهول والتردد لدى النخب الفكرية والسياسية القائمة في السلطة والمعارضة على السواء، كما أثارت التساؤل حول موقف التنظيمات الإسلامية من تلك الثورات التي ظلت مساهمتها فيها محدودة ومترددة مقارنة بالوضع التنظيمي والحركي لها، وفتحت السؤال الذي سيظل عصياً على الإجابة وفق هذا التفكير حول من أشعل فتيل الثورات العربية وما هي هوية الطرف القابع خلف ديناميات الثورة ومحركها؟ وهل ستُحدث هذه الثورات تغيراً جذرياً على مستوى الحكم يؤسس لشرعية ثورية جديدة تقوم على أسس ديمقراطية سليمة؟ فقد جاءت الثورات العربية نتيجة لفعل جماعي يتجاوز الأطر التنظيمية والأيديولوجية والسياسية الكلاسيكية، ومعبرة عن قوى وتيارات جديدة لم تعرف العمل الحزبي بشكله التقليدي، ولم يخرج من عباءة الأحزاب القائمة، وإنّما من حركات اجتماعية وثقافية تتسم بالمرونة الشديدة في حركيتها وأفكارها وعضويتها.

الحركات الإسلامية المشرقية ماتزال أسيرة الصراع بين النزعتين البراغماتية والمحافظة

وهو ما يختلف جذرياً عن طبيعة وبنية الخطاب الإسلامي الحركي التي تتسم بالمركزية الشديدة والالتزام الأيديولوجي والتنظيمي. ما جعل الحركات الإسلامية أمام أحد خيارين: إما المشاركة في الثورات، وفي ذاكرتها الكثير من التجارب المريرة السابقة، لكن وفق قواعد اللعبة التي يحددها محركوها والداعون إليها، وإما الإحجام عن المشاركة وتحمل تبعاتها من خسارة سياسية ومجتمعية بين قواعدها وبين جموع الشعب. ويتساءل أي مواطن داخل المجتمعات العربية (مسلم أو غير مسلم) عن مدى الاطمئنان إلى دعوى الحركات الإسلامية بقبول اللعبة الديمقراطية وتحولها عن الخطاب  الإخواني القطبي أو السلفي الجهادي نحو خطاب دعوي غير عنفي يؤمن بالعمل السياسي فكراً وممارسة.
تسجل الباحثة الرحايبي في محاولة الإجابة على تلك الأسئلة جملة من الملاحظات المهمة التي تعتبر خلاصة بحثها أيضاً؛ فترى أنّ السؤال نفسه يبقى مضطرباً ولا يمكن الوصول إلى إجابة مثبتة في ظل غياب المعايير الأساسية للديمقراطية عن الحياة السياسية العربية وغياب الحالة الديمقراطية عن البيئة السياسية العربية، وأنّ قبول الإسلاميين بالديمقراطية لا يقف عند ما تقدمه هذه الحركات من خطاب ودعاوى أو ربما ممارسات؛ بل تمتد إلى الاشتباك والفصل بين الحقلين؛ الديني والسياسي، وإنّ تلك الإشكالية ما تزال محل جدال سياسي وفكري عام لم يُحسم باتجاه توضيح المربعات الخاصة بكل منهما.

باتت الشرعية الديمقراطية السائدة تعيد طرح أسئلة لم يوجد أي إجماع حولها نظرياً أو فقهياً

إنّ عملية "إدماج الدين بالديمقراطية" مسألة مركبة وأكثر تعقيداً من مجرد إعلان حركة إسلامية قبولها بالديمقراطية؛ فالحركات الإسلامية تتمسك بأنّ الإسلام "دين ودولة" وتشريع يحكم مسارات الحياة الاجتماعية والثقافية العامة، وهذه المرجعية تتناقض مع قيم ومفاهيم الديمقراطية الليبرالية الفردية الحديثة على صعيد المرجعية الشرعية وحقوق الإنسان والحريات...، ما يعني ضرورة إعادة إنتاج منظومة المفاهيم والقيم الدينية بحيث تتكيف مع النَّسق الديمقراطي الليبرالي، أو القبول "بالخصوصية الحضارية" الإسلامية على غرار "ديمقراطية ولاية الفقيه" الإيرانية.
وإذا كنا نشهد توجه بعض الحركات الإسلامية نحو تقبل الخيار الديمقراطي بنسب مختلفة كحزب العدالة والتنمية التركي أو المغربي، فإنّ الحركات الإسلامية المشرقية (الإخوان المسلمين وحماس...) لا تزال أسيرة الصراع بين النزعة البراغماتية والنزعة المحافظة المتمسكة بالأطروحات الفطرية المؤسسة لتك الحركات. وإذا كانت بعض الحركات الإسلامية قد حسمت موقفها تجاه قبول المشاركة السياسية والتعددية التي فرضتها التغيرات الأخيرة على الساحة العربية لكن هذا لا يعني أنّها قد طوّرت مواقفها من الديمقراطية كتعددية ثقافية وفكرية بقدر ما يعني أنّها عملت على إيجاد صيغة توفيقية وقد تكون مؤقتة بين أفكارها وبين الديمقراطية باعتباره الطريق الوحيد أمامها في الوقت الحالي نحو الشرعية السياسية واكتساب رضا المحكومين وبالتالي الحفاظ على الوجود في ظل الصراع القائم بين أطراف متعددة سواء على الساحة المحلية أو الدولية المؤثرة.

الصفحة الرئيسية