هل النفس البشرية أمّارة بالسوء؟!

هل النفس البشرية أمّارة بالسوء؟!

مشاهدة

19/01/2021

فرضيتنا في هذه المقاربة أنّ النفس البشرية ليست أمَّارة بالسوء، وليست أمَّارة بنقيضه أو عكسه. النفس البشرية ليست مفطورة على الشر، كما ذهب ويذهب إلى ذلك كثيرون، وليست مفطورة على الخير، بالمقابل. صيغة المبالغة (أمَّارة، على وزن فعًّالة، أي كثيرة الأمر، بل دائمة الأمر) تكفي وحدها لوضع مقولة "النفس الأمارة بالسوء" تحت السؤال؛ لأنها توحي بأنّ النفس البشرية قليلة الأمر بالحَسَن أو قليلة الاتجاه إلى الخير والحق والجمال.

مقولة "النفس أمّارة بالسوء" تحط من شأن الكائن الإنساني، تختزله في صفة ليست من صفات طبيعته، ليست من صفات نفسه، مثلها في ذلك مثل تقديس الإنسان أو تأليهه. الصفتان المتناقضتان، تدنيساً وتقديساً، كلتاهما من أحكام القيمة، التي تصدَّق أو لا تصدَّق، وليست، بالتأكيد، من أحكام الواقع. فالعلم لا يقول لنا شيئاً من هذا أو من ذاك. قد يجادل بعضنا في أمر العلم واعتباره حكماً في مسألة تتعدى قدرته، فنرد على ذلك بأنّ منتجات العلم نفسه، وهي متناقضة من حيث اتجاهها إلى الخير والشر، تؤيد فرضيتنا؛ لأن الناتج يحمل خصائص المُنتِج. فإن أخص خصائص العلم، هنا، وأخص خصائص الطبيعة البشرية، هي الخلق والإبداع، لا خلق الخير أو خلق الشر.

مقولة "النفس أمّارة بالسوء" تحط من شأن الإنسان وتختزله في صفة ليست من صفات طبيعته مثلها بذلك كمثل تأليهه

لذلك نعتقد أنّ مقولة النفس الأمارة بالسوء تقترن بفكرة الإنسان المخلوق، وفكرة "الخطيئة الأولى" الأسطوريتين، ولا سيما الخطيئة، التي يبدو أن لا مغفرة لها، في نظر الديانات الإبراهيمية، ولا توبة عنها، بحكم الطبيعة البشرية، نعني بحكم قابلية المعرفة والقدرة عليها، لدى الكائن البشري. فمن أخطر المفارقات، التي لا نزال نعيشها، كأننا أشخاص الأسطورة إياها، هو اعتبار المعرفة خطيئة، واعتبار الإبداع "بدعة"، (وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار). فلعلّ هذه المقولة هي التبرير الأقوى للعقائد الدينية، فهي تنتزع الإنسان من شروط حياته ومن تاريخه وعالمه لتجعل منه كائناً لا همّ له ولا غاية سوى التكفير عن تلك الخطيئة المفترضة، التي أخرجته من الجنة، فضلاً عن الافتراء على المرأة، باعتبار حواء هي من تسبّبت في ذلك الخروج أو السقوط، ما فتح الباب على مصراعيه لشيطنة المرأة، علاوة على تدنيسها.

اقرأ أيضاً: الرجل الخارق كما رآه نيتشه: عبوة ديناميت ترى في الشر خيراً مبدعاً

إنّ إشكالية الحصر الديني، التي هي إشكالية الدين الوضعي بالتحديد، وديدن حراسه، تكمن في استحالة المغفرة واستحالة التوبة، كاستحالة "دخول الجمل في سم إبرة". اللافت في كل زمان ومكان أنّ حراس الدين والناطقين باسم الله والعالمين وحدهم بمقاصده ومقاصد شريعته، هم وحدهم التائبون والمغفور لهم، والمكلفون، من ثمّ، بإنقاذ الأرواح وخلاصها الأبدي، من عذاب أبدي، ولديهم القدرة على ذلك. آية ذلك أنّ جمهور المؤمنين البسطاء، في أي زمان ومكان، ينظرون إلى "رجال الدين"، ولا سيما المكرسين منهم، ويتعاملون معهم، على أنهم تائبون مقبولة توبتهم ومغفورة لهم جميع ذنوبهم، ولديهم القدرة على المغفرة نيابة عن الله، أو أنهم شفعاء للناس عند الله، فنرى هؤلاء البسطاء يجتهدون في العمل على نيل رضاهم وبركتهم.

اقرأ أيضاً: كشكول الريحاني: إذا شئت أن تعرف عدوك فتش عليه في نفسك

إذا انطلقنا من حقيقة أنّ الإنسان كائن طبيعي في الأساس، يشترك مع الكائنات الحية في جملة من الخصائص الطبيعية، ويختلف عنها جميعاً في كونه كائناً عاقلاً وأخلاقياً في الأساس أيضاً، فيمتاز منها جميعاً بإمكانات أخلاقية متضاربة، هي مجرد ممكنات أو استعدادات أو ملكات، ترجِّح شروطُ حياته بعضَها على بعضها الآخر، فإنّ شروط الحياة الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية هي ما يعيِّن اتجاهاته وفقاً لتلك الممكنات فحسب؛ لأن كل كائن حي يعمل بمقتضى طبيعته فحسب، وليس بوسعه غير ذلك. وإذ نميل إلى اعتبار النفس الإنسانية غير محدودة، نميل إلى أنّ ممكناتها أو إمكاناتها غير محدودة أيضاً. فإنّه من قبيل التعسف تحديد النفس البشرية بأنّها هذا أو ذاك فقط، أمارة بالسوء أو أمارة بالحسن.

تنظر السلطات للأفراد على أنّ نفوسهم أمّارة بالسوء حتى يثبت العكس الذي لا يثبت إلا بالولاء الخالص والطاعة المطلقة

من طبيعة الإنسان أنّه يعمل على تلبية حاجاته وإشباع رغباته والسعي وراء غاياته؛ تلبية الحاجات وإشباع الرغبات والسعي وراء الغايات لا تؤدي بالضروة إلى تنازع الأفراد وتدافعهم، أو إلى ما سماه الفيلسوف الإنكليزي، هوبز، "حرب الجميع على الجميع"، ولا تجعل "الإنسان ذئب الإنسان"، حسب تعبيره، بل النظام الاجتماعي هو الذي يمكن أن يفعل ذلك أو لا يفعله، وهذا أي النظام الاجتماعي، ليس مجرد منظومة من الأوامر والنواهي، بل هو نسيج تاريخي معقد ومركب، مؤسس على مبادئ اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وقيم أخلاقية، صارت الدولة تجسيدها العياني، وشكلها الأعلى، منذ بزوغ الأزمنة الحديثة.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!

تقدم لنا النظم السياسية في العالم العربي، ولا سيما النظم التسلطية، كالنظام السوري، صورة نموذجية عن حرب الجميع على الجميع، وعن جعل الإنسان ذئب الإنسان؛ إذ تنظر السلطات كافة إلى الأفراد على أنّ نفوسهم أمّارة بالسوء، حتى يثبت العكس، وهذا العكس لا يثبت إلا بالولاء الخالص والعبودية المطلقة والطاعة المطلقة لـ "أولي الأمر". في هذه الأنظمة يغدو أهل السلطة، كرجال الدين، ليس على من يوالونهم سوى طلب المغفرة عن ذنوب لم يرتكبوها، ذنوب هي من نوع الخطيئة الأولى، التي صارت النفس، بموجبها" أمّارة بالسوء.

اقرأ أيضاً: محمد إقبال: تجديد الفكر الديني وتأويل الكون روحياً

الصفحة الرئيسية