"نيكولا تسلا": ساحر العلم الذي انطلق من الخيال ليتجاوز حدود الممكن

"نيكولا تسلا": ساحر العلم الذي انطلق من الخيال ليتجاوز حدود الممكن

"نيكولا تسلا": ساحر العلم الذي انطلق من الخيال ليتجاوز حدود الممكن


18/03/2026

 

يمكن القول إنّ "نيكولا تسلا" (1856ـ1943 ) الرجل الذي أضاء العالم حرفياً، هو معجزة عصره وهوس من يهتمون بالعلوم الباطنية، مهندس الكهرباء الفذ الذي استطاع أن يبارز كبار علماء عصره ويثبت وجهة نظره حول أفضلية التيار المتردد عن التيار المستمر الذي تبنّاه توماس إديسون. 

ربما ليست هذه بداية جيدة في محاولة الدخول إلى عوالم هذه الشخصية المُركّبة، لنبدأ إذاً من الطفولة. طفولة العباقرة لا تكون عادية فهي مرحلة تراكم المعرفة واستعداد القدرات ومواقف تُفصحُ عن مواهب غير عادية، وسنستعين بمذكرات تسلا نفسه حتى لا نقع في فخ التهويل عنه الذي يصيب المهووسين به؛ يصف تسلا والده بأنّه كهنوتيّ واسع الاطلاع، وفيلسوف وكاتب وشاعر له خُطب بليغة. تمتع بذاكرة هائلة إضافة إلى معرفته بعدة لغات، أمّا والدته التي كان لها أبلغ الأثر في حياته، فتنحدر من سلالة من المخترعين، اخترع جدّاها ووالداها الكثير من الأدوات المنزلية والزراعية، وصفها في مذكراته بأنّها امرأة نادرة وشجاعة، كانت في بيتها تخترع كل الأدوات والأجهزة، تعمل طوال النهار حتى وقت متأخر من الليل، حيث كان أغلب أثاث البيت وأدواته من صنع يديها. 

أمّا عن اهتمام والديه به، فقد ذكر أنّهما كانا يدربانه على تخمين أفكار بعضهما لبعض، وعلى اكتشاف بعض أخطاء الأشكال والتعبيرات، وتدريبه على حل مسائل ذهنية بغرض تقوية الذاكرة والمنطق والحس النقدي. انكبّ تسلا منذ نعومة أظفاره على القراءة بنهم في كل فروع العلم، ومارس الصيد، وأهدى قريته اختراعات صغيرة.

الخيال يرسم معجزة الواقع

يصف في مذكراته أحد أحواله العقلية الغريبة، فيقول: إنّه كان يعاني من عدم قدرته على التفرقة بين الأحداث التي تقع في خياله وتلك التي تقع في الواقع، ويظل يستعيد أحداثاً وصوراً حدثت له أثناء نهاره مصحوبة بصورة عقلية متتابعة كانت تتداخل مع واقعه وتفسده، قبل أن يستطيع فيما بعد أن يوظف هذه الأعراض ذاتها في صناعة معمله داخل عقله، وهذا أغرب ما كان من عجائب في حياة تسلا على كثرتها، فنتيجة هذه القدرة على التخيل كان يجمع أدوات المحركات داخل عقله، ويقوم بتحريكها وتشغيلها بالطريقة نفسها على الواقع ويعالج عيوبها كذلك، ويعيد تشغيلها مرة واثنتين ضابطاً الحركة والحرارة، وفي المرحلة الأخيرة يطبق الصور الخيالية على الواقع دون أدنى أخطاء، ويقول إنّ هذا الأمر لم يفشل معه مرة واحدة. يذكر في مذكراته أنّه أحياناً كان يترك المحرك يعمل داخل عقله أسابيع ليرى إن كان سيظهر عيباً أم لا. ويفسّر لنا علم النفس هذه الظاهرة التي عاشها تسلا بأنّها "فرط الخيال التصويري" الذي يتميز به الأطفال المصابون بالتوحد. كما أنّه تمتع "بفرط حسي" كبير إذ كانت عيناه وأذناه أكبر من المدى العادي. يقول في مذكراته إنّه كثيراً ما أنقذ أهالي قريته من حريق أثناء نومهم بسبب قدرته على سماع طقطقة الأثاث، وقد ظل يتمتع بهذه القدرات حتى شيخوخته، وممّا يدعم تفسيرات بعض الباحثين حول كونه يعاني من طيف توحدي ما، قوله في مذكراته عن تحسسه من أقراط النساء ومن الخوخ وحساب عدد الخطوات في سيره وعدد مكعبات أطباق الحساء وأكواب القهوة وأطباق الطعام، التي يجب أن تكون جميعها قابلة للقسمة على ثلاثة. إنّ هذه القدرات والغرائب التي أصبحت مفسرة من ناحية العلم فتحت مجالاً خصباً لتأويلات تجار التنمية البشرية والمؤمنين بالخرافات. فتسلا من أكثر الشخصيات التي استند عليها تجار العلوم الزائفة والمتحدثون عن العلوم الباطنية والمعارف السرّية، وقد صنعت منه وحوله عوالم الإنترنت غير الموثوقة الكثير من المبالغات.

أمّا عن حياته الشخصية والعاطفية، فقد آثر تسلا الوحدة وعزف عن الزواج، ورأى أنّ حياة عائلية ستشغله عن طموحاته العلمية، وفرض بذلك على نفسه حياة شديدة الانضباط يضع فيها كل وقته لخدمة أبحاثه، غير أنّه في سنواته الأخيرة ظهرت في حياته علاقة روحية شديدة بالحمام، الذي كان يطعم الآلاف منها، ويتبعه بعضها، وارتبط بواحدة منها جداً، وقال في إحدى المقابلات الصحفية إنّه ارتبط بها كما يرتبط رجل بامرأة، وعندما ماتت عبّر عن ألم فقدٍ عميق قائلاً إنّ لحظة موتها كانت من "أشدّ لحظات حياته بؤساً". وهذه القصة تكشف عن جانب كبير من الوحدة التي أحسها العالم الكبير، خاصة في سنواته الأخيرة بعد أن فشلت مشاريعه التجارية واستثماراته، وتكشف عن حساسية ورقة مختلفة عن الشخصية العلمية التي عرفه  بها العالم دائماً.

سحر العلم

العجيب أنّ ما قدّمه تسلا للبشرية يفوق أفعال السحر، ويرقى على واقعيته إلى غرابة العلوم الباطنية، فقد قال مهندس الكهرباء B.A. Behrend عنه: "لو قمنا بمحو أو إزالة أعمال نيكولا تسلا من عالم المعرفة لتعطلت عجلات الصناعة، وتوقفت سياراتنا وقطاراتنا الكهربائية، ولكانت المدن والبلدان النائية مظلمة تماماً، وأصبحت طواحيننا جامدة دون حراك. إنّ المبادئ التي وضعها تسلا كانت أساساً لمصابيح الفلورسنت والنيون وعدادات السرعة في السيارات، ونظام تشغيل المحركات، وأنظمة التحكم عن بُعد، والرادارات والميكرسكوب الإلكتروني والراديو والميكروييف وغيرها. 

لقد أدى تيسلا للبشرية خدمات جليلة، بداية من طفولته في إحدى قرى كرواتيا، حيث قام في يفاعته بتقديم اختراعات صغيرة لأهالي قريته. وعندما شَبَّ سافر للعمل في إحدى فروع "شركة إديسون القارية"Continental Edison Company في أوربا، ومنها إلى أمريكا عام 1884. وهناك بدأ العمل مع توماس إديسون الذي كانت تواجه محركات إحدى شركاته صعوبة تقنية كبيرة بسبب التيار المستمر الذي يتبنّى طريقة العمل به، فعرض مبلغاً مالياً ضخماً على من يصلح هذه الأعطال، فكان من حظ ذلك الشاب أن يكتشف العطل ويحلّ المشكلة، ويوفر على الشركة خسائر ضخمة، غير أنّ توماس إديسون لم يفِ بوعده بشأن الجائزة، فما كان منه إلّا أن ترك العمل معه، والتحق بإحدى شركات "جورج وستنغهاوس"، ومعه ابتكر نظاماً كهربائياً جديداً، وهو التيار المتردد الذي كان أفضل بكثير من كل النواحي من التيار المستمر، فاشترى منه السيد جورج حقوق ملكيته.

وبذلك يكون تسلا قد دخل صراعاً مباشراً مع توماس إديسون الذي تتبنّى شركاته بيع التيار المستمر للناس. ويقال إنّ توماس إديسون عذّب الحيوانات وقتلها باستخدام أسلاك تعمل بالتيار المتردد كي يخيف الناس من استخدامه، وكأنّ التيار المتردد هو من يقتل وليست الكهرباء.

غير أنّ حرب التيارات هذه انتهت لصالح تسلا، فقد أثبت التيار المتردد كفاءة أعلى، وقدرة على الانتقال لمسافات بعيدة بالقوة نفسها، على عكس التيار المستمر. وبذلك يكون تسلا قد أثبت نفسه في الأرض الأمريكية.

وتشير بعض الدراسات إلى أنّ تسلا اكتشف أشعة "إكس" قبل أن يكتشفها رونتجتن، واكتشف موجات الراديو قبل أن يكتشفها ماركوني الذي حصل بسبب اكتشافه لها على جائزة نوبل. لقد استطاع ذلك الشاب الكرواتي النحيل أن يلتقط موجات غامضة قادمة من الفضاء من خلال إحدى الرادارات التي بناها في كولورادو  ويتحدث عن فضائيين قبل أن يتحدث بذلك العالم كثيراً فيما بعد.

لقد حلُمَ تسلا أن نحصل على الكهرباء من الهواء حولنا، وأن يحصل عليها الناس من دون أسلاك، ومن أجْل هذا الغرض قام أوّلاً باختراع برق صناعي رآه الناس يضرب السماء على ارتفاع (150) قدماً (45) متراً، وقوته ملايين الفولتات، وهو المشروع الذي لم يكتمل، وما زال البرج موجوداً حتى اليوم.

مات تسلا في نيويورك أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث قضى أيامه الأخيرة مُتنقلاً بين عدة فنادق متواضعة، وبعد وفاته استولى مكتب الاستخبارات الفيدرالي FBI على كل أوراقه و تصميماته وهو ما أذكى نظرية المؤامرة، لكنّ الحقيقة هي أنّ هذه الأوراق فُحصت لأسباب تتعلق بالحرب العالمية الثانية ثم أفرج عن معظمها لاحقاً، ووضعت في متحف يحمل اسمه.

لم يكن تسلا مجرد مهندس عبقري، بل كان رجلاً أضاء المسافة بين الواقع والخيال، ووهب العالم نوراً يتجاوز حضوره الزمني ليظل اسمه خالداً أبداً. وسيبقى تسلا مثالاً نادراً لعبقرية دفعت ثمن تفردها وحدةً قاسيةً في نهاية العمر، لكنّها تركت خلفها عالماً أكثر ضوءاً ممّا وجدته.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية