نحو مقاربة أمريكية شبكية لفهم الظاهرة الإخوانية ومواجهة خطرها

نحو مقاربة أمريكية شبكية لفهم الظاهرة الإخوانية ومواجهة خطرها

نحو مقاربة أمريكية شبكية لفهم الظاهرة الإخوانية ومواجهة خطرها


04/05/2026

تعكس قرارات التصنيف الأمريكية لفروع من جماعة الإخوان في دول مثل: مصر والأردن والسودان ولبنان محاولة للانتقال من مقاربة مجزأة إلى مقاربة شبكية، تنظر إلى التنظيم بوصفه بنية مترابطة لا كيانات منفصلة. وتستند هذه القرارات إلى اتهامات تتعلق بعلاقات مع حركة حماس أو ارتباطات غير مباشرة بشبكات إيرانية، خصوصاً في بيئات مثل لبنان والسودان، حيث تتداخل الأطر السياسية والأمنية مع حضور فاعلين مسلحين أو شبه مسلحين.

هذه المقاربة بحسب الباحثة الأمريكية إيرينا تسوكرمان تواجه حدوداً بنيوية واضحة ترتبط بطبيعة التنظيم غير المركزي. فالإخوان لا يعملون عبر قيادة موحدة يمكن تفكيكها من خلال استهداف فردي، بل عبر شبكات من الفروع والواجهات والمؤسسات المتوازية. وهذا ما يجعل من الصعب إدراجهم ككيان واحد ضمن الأطر القانونية الخاصة بالإرهاب، ويجعل التصنيفات الجزئية أكثر قابلية للتطبيق قانونياً لكنّها أقلّ فاعلية على المستوى الاستراتيجي. 

استراتيجيات إعادة التموضع

التصنيفات المحدودة تسمح بإجراءات مثل تجميد الأصول، وتقييد الحركة المالية، ومنع التعامل مع كيانات محددة، لكنّها تترك المجال مفتوحاً أمام إعادة التموضع عبر فروع غير مصنفة أو مؤسسات وسيطة أو شبكات غير رسمية. وتمنح هذه المقاربة التنظيم قدرة على إعادة إنتاج نفسه في بيئات أخرى، مستفيداً من الفجوات القانونية بين الدول.

وتستفيد الجماعة من هذا التفاوت عبر إعادة توجيه نشاطها إلى قنوات بديلة، سواء في المجال الإعلامي أو الخيري أو التعليمي أو المجتمعي، وهو ما يؤدي إلى استمرار التأثير رغم القيود المفروضة على بعض المكونات. ويتيح هذا الوضع هامشاً من الإنكار السياسي والقانوني، حيث يمكن للفروع غير المصنفة تقديم نفسها ككيانات مستقلة لا ترتبط بالتنظيم المركزي، رغم اشتراكها في الإطار الفكري العام. 

في المقابل، يُعدّ الربط مع حركة حماس نقطة الارتكاز القانونية الأقوى في السياسات الأمريكية، نظراً لأنّ حماس مصنفة منظمة إرهابية. إلا أنّ هذا الارتباط لا يكون دائماً مباشراً أو مؤسسياً، بل يتخذ غالبا أشكالاً غير رسمية تشمل الدعم الخطابي أو التمويل غير المباشر أو التداخل في الشبكات الاجتماعية والدعوية، وهو ما يصعّب إثباته قانونياً بشكل قاطع في جميع الحالات.

ويضيف البُعد الإيراني مزيداً من التعقيد، إذ لا يقوم على علاقة تبعية مباشرة بين طهران والإخوان، بل على تقاطعات مصلحية في بعض الساحات، خصوصاً حيث تلتقي أهداف "محور المقاومة" مع بيئات الإسلام السياسي السنّي. وتتيح هذه التقاطعات لإيران توسيع نفوذها الرمزي والسياسي خارج الإطار الشيعي عبر قضايا جامعة مثل فلسطين، في حين تستفيد بعض بيئات الإخوان من الدعم الإيراني غير المباشر لحركات مثل حماس، حسبما تؤكد تسوكرمان في تصريحاتها التي خصّت بها (حفريات). وتضيف: "أمّا على المستوى الأوروبي، وخاصة في فرنسا، فقد تطور الموقف نحو مقاربة أكثر تشدداً تنظر إلى الإخوان ليس فقط كخطر أمني، بل كمشروع اجتماعي إيديولوجي طويل الأمد". 

التركيز على البنى الموازية لمواجهة الشبكات الإخوانية

يركز هذا التصور على ما يُعرف بـ "البنى الموازية" داخل المجتمع، أي الشبكات التعليمية والدينية والاجتماعية التي تعمل داخل الدولة ولكن خارج إطارها المؤسسي والقيمي. ومن هنا لا يقتصر القلق الفرنسي على العنف المباشر، بل يمتد إلى قضايا الاندماج والهوية وتشكل مجتمعات موازية داخل الدولة الوطنية.

ويعكس هذا التحول توجهاً أوسع داخل أوروبا نحو إعادة تقييم العلاقة مع الإسلام السياسي، بعد سنوات من اعتباره شريكاً اجتماعياً أو ممثلاً للمجتمعات المسلمة. ويتزايد إدراك أنّ بعض هذه الشبكات لا تكتفي بالمشاركة المدنية، بل تسعى إلى إنتاج فضاء اجتماعي موازٍ قد يضعف تماسك الدولة على المدى البعيد. من ثم تعكس المقاربة الأمريكية والأوروبية اتجاهاً متزايداً نحو التعامل مع الإسلام السياسي بوصفه تحدياً مُركّباً يتجاوز البُعد الديني أو الحزبي ليشمل البنية الإيديولوجية والشبكية العابرة للحدود. غير أنّ هذه المقاربة تظل مقيدة بتعقيدات قانونية وسياسية، وبالتداخل بين الدول الحليفة والفاعلين الإقليميين، وهو ما يجعل مواجهة هذه المنظومة عملية تدريجية أكثر منها حاسمة. وعليه، فإنّ السياسة الأمريكية تجاه الإخوان تتحرك ضمن معادلة معقدة تقوم على استهداف جزئي لشبكات محددة مرتبطة بحماس أو ببيئات إيرانية، مقابل بقاء البنية الأوسع قادرة على التكيف وإعادة التموضع. وهو ما يعني أنّ الصراع مع هذا النوع من التنظيمات لا يُحسم عبر قرارات تصنيف فقط، بل عبر معالجة البيئة الإقليمية والشبكية التي تسمح باستمراره وإعادة إنتاج نفسه.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية