
أجرى الحوار: رامي شفيق
تمثل حركة النهضة سؤالًا مُركّبًا في المشهد السياسي التونسي خلال السنوات الأخيرة، لا سيّما بعد إيقاف عدد من قياداتها على خلفية اتهامات تتعلق بقضايا التسفير إلى بؤر التوتر والأمن الوطني. وهو ما يطرح جملة من الأسئلة حول واقع الحركة ومستقبلها، ومدى قدرتها على التعامل بمرونة مع هذا الواقع المعقد والتكيّف مع الظروف المحيطة.
في هذا الإطار التقت "حفريات" الكاتب التونسي ناصر التليلي لطرح جملة من الأسئلة المتعلقة بموقع الحركة في المجال العام في تونس، وبطبيعة تحالفاتها، وحدود تأثيرها في المرحلة الراهنة.
يقدّم التليلي قراءة نقدية للحركة، معتبرًا أنّها تمثل امتدادًا فكريًا وتنظيميًا لمرجعية جماعة الإخوان المسلمين، أكثر من كونها تعبيرًا طبيعيًا عن تطور المجتمع التونسي. ويرى أنّ انحسار نفوذها يعكس حالة رفض شعبي لمشاريع الإسلام السياسي بصيغتها الحزبية، وأنّ حضورها الراهن بات أقرب إلى محاولة الحفاظ على رمزية الوجود منه إلى ممارسة فعل سياسي مؤثر. ويقدّر أنّ خطابها المعلن حول الديمقراطية والدولة المدنية يخفي ازدواجية بين القول والممارسة، وأنّ تجربتها في الحكم لم تُفضِ إلى بناء مؤسسات مستقرة بقدر ما عمّقت حالة الاستقطاب.
كيف نقرأ آثار وتداعيات جملة التحولات التي شهدتها حركة النهضة خلال السنوات الأخيرة على نشاطها وانخراطها في الحراك المحلي؟
ـ حركة النهضة تمثل جزءًا من الامتداد الفكري والتنظيمي لما يُعرف بجماعة جماعة الإخوان المسلمين. وانحسار نفوذها في تونس والمنطقة العربية يعكس ـ في تقديري ـ حالة رفض شعبي واسعة لمشاريع الإسلام السياسي بصيغتها الحزبية. ما نشهده اليوم هو تراجع واضح في قدرتها على التأثير المباشر، وتحوّل في حضورها من الفاعلية السياسية إلى محاولات الحفاظ على الحد الأدنى من الوجود.
إلى ذلك، تبدو كافة تحركات حركة النهضة وجبهة الخلاص الوطني رمزية إلى حدّ كبير، وتتجه نحو هدف يبدو منحصِرًا في تأكيد رمزية الوجود والحضور. وهو ما يظهر بوضوح في الرسائل المنسوبة إلى راشد الغنوشي من محبسه، أو في أنشطة بعض الأعضاء عبر (فيسبوك) من الخارج، خاصة رفيق عبد السلام، وكذلك عبر المنصات التابعة للحركة.
هل ترى أنّ الحركة ما تزال تملك قدرة على الفعل السياسي الميداني في ظل الأحكام القضائية؟
ـ في تقديري، قدرتها على الفعل أصبحت محدودة، وقد لا تتجاوز مستوى الإزعاج السياسي أو التشويش الإعلامي، خاصة في ظل الضغوط القضائية والتنظيمية التي تواجهها.
حيث إنّ القراءة النقدية لفكرة حركة النهضة تفضي إلى اعتبارها نموذجًا للتحايل السياسي المقنّع. فمن حيث الشكل ترفع الحركة شعارات الديمقراطية والمشاركة السياسية والحرص على الدولة ومؤسساتها، غير أنّ جوهر خطابها يقوم على ازدواجية واضحة بين القول والممارسة. هذا الخطاب ليس سوى توظيف للغة السياسة الحديثة لإضفاء مشروعية على مشروع فكري مغاير.
ولا يمكن فهم مسار حركة النهضة بمعزل عن سياقها التاريخي والفكري؛ فهي امتداد للمرجعية التي أرستها جماعة الإخوان المسلمين، أكثر من كونها تعبيرًا طبيعيًا عن تطور المجتمع التونسي أو العربي. ومن هذا المنطلق، يعتبر أنّ مشروعها لا يندرج ضمن مسار نهضوي وطني بقدر ما يرتبط بإطار تنظيمي عابر للحدود.
كما أنّ مفهوم "النهضة" كما تطرحه الحركة لا يقوم على تعزيز الهوية العربية الجامعة، بل يسهم في إعادة إنتاج الانقسامات الهوياتية والسياسية، بما يعمّق حالة الاستقطاب داخل المجتمع بدل أن يرسخ وحدة ثقافية وحضارية جامعة.
وانطلاقًا من ذلك تبدو الحركة في تقديري تمثل قطيعة مع الإرث الحضاري العربي الذي تأسس على العقل والعلم والتعدد والانفتاح. فالحضارة العربية ازدهرت تاريخيًا حين انتصرت لقيم المعرفة والاجتهاد، بينما يرتكز فكر الحركات الإيديولوجية المغلقة على مركزية التنظيم والانضباط العقائدي.
كما أنّ التجربة العملية للحركة، سواء في تونس أو في سياقاتها الإقليمية، لم تُفضِ إلى بناء دولة قوية أو مؤسسات مستقرة، بل ارتبطت بفترات توتر سياسي واستقطاب حاد، وهو ما كشف صعوبة تحولها إلى حزب مدني تقليدي يفصل بوضوح بين الدعوي والسياسي.
وبالتالي فإنّ ما يُسمّى بـ (حركة النهضة) لا يمثل، في نظري، نهضة فعلية على مستوى الفكر أو الممارسة، بل يندرج ضمن مرحلة سياسية عابرة في تاريخ المنطقة، بدأت ملامح تراجعها تتضح مع تصاعد خطاب الدولة الوطنية الساعي إلى استعادة مفهوم النهضة بوصفه مشروعًا للعقل والإنسان والمؤسسات.
هل يعني ذلك أنّها تعتمد أدوات جديدة مقارنة بمرحلة ما قبل 2021؟
ـ ربما من المرجح أنّ الحركة ستسعى إلى إعادة تشكيل أدواتها وأساليب عملها، سواء عبر تحالفات غير مباشرة أو عبر إعادة توزيع أدوار داخل المشهد السياسي. هذا أمر معتاد في تجارب الحركات العقائدية التي تمر بمراحل ضغط أو تضييق.
بيد أنّ الأمر لن يكون بهذه السهولة؛ إذ سيحتاج إلى تهيئة الأرضية لهذا النشاط، خاصة أنّ الشارع غير مهيّأ للتفاعل معهم والانخراط في صفوفهم.
لذا، لن يكون الأمر يسيرًا أو سهلًا، وينبغي أن نحذر من أنّه لن يكون مستحيلًا.
كيف نرصد علاقة الحركة ببقية مكونات المعارضة؟
ـ العلاقة بين حركة النهضة وبقية المكونات السياسية في البلاد تبدو في جانب منها ظرفية ومرتبطة بتقاطعات مرحلية أكثر من كونها شراكة استراتيجية عميقة. في المقابل يرى أنصار رئيس الجمهورية قيس سعيّد أنّ المرحلة تقتضي الحزم في التعامل مع ما يعتبرونه اختراقات سابقة لمؤسسات الدولة، وخاصة داخل الإدارة التنفيذية.
إلى ذلك، قد يكون من الصعب الحكم على تلك التحالفات التكتيكية بين حركة النهضة والآخرين دون اعتبار مسألة أساسية ومهمة، تتمثل في ضرورة استيعاب النظام السياسي لأهمية التحرك بإيجابية نحو تعزيز المجال العام بقيم المشاركة الفاعلة، وتقديم الخدمات للمواطنين، وتحسين مقومات الحياة، بعيدًا عن الادعاءات الوظيفية للحركة وهامش المناورة الذي تعتمد عليه.
إلى أيّ حد تمثل جبهة الخلاص الوطني رديفًا واقعيًا للحركة في ظل الخلافات مع تيار راشد الغنوشي؟
ـ لا أرى أنّ هناك قطيعة جوهرية بين الطرفين، فالتقاطعات السياسية والفكرية ما تزال قائمة. كما أنّ ما يُوصف أحيانًا بالخلافات قد يكون مرتبطًا بإدارة توازنات داخلية أكثر منه انقسامًا حقيقيًا في المشروع.
الجميع يتحرك بأجندة واضحة وأهداف متعددة، حتى لو بدا للجميع، في لحظة ما، أنّ المسارات غير متطابقة، وأنّ الصراع حاضر بين القيادات.
هل يمكن أن تفضي التناقضات بين مكونات الجبهة إلى خلافات بنيوية داخلها؟
ـ من الوارد ذلك، لكنّ التجربة أثبتت أنّ هذه المكونات قادرة على تجاوز خلافاتها حين تفرض الضرورة السياسية ذلك، وبالتالي قد تبقى التباينات في إطار التكتيك لا الاستراتيجية.
لا ينبغي التعامل باطمئنان مع هذه الحركات؛ فهي تعتمد دومًا على المناورة لتحقيق أهدافها، دون اكتراث يُذكر بالقيم أو الاعتبارات الأخلاقية.
ما حجم التأثير الحقيقي لقيادات الخارج على القرار داخل حركة النهضة؟
ـ أعتقد أنّ تأثير قيادات الخارج معتبر ودالّ ولافت، خاصة على مستوى الخطاب السياسي والتوجيه الإعلامي. غير أنّ القرار النهائي غالبًا ما يكون نتاج توازن بين الداخل والخارج وفق ما تفرضه الظروف.
غير أنّه من المهم الإشارة إلى أنّ الوضع الحالي قد يدفع بخيار تعزيز رأي قيادات الخارج، نظرًا لتوقيف عدد كبير من قيادات الصف الأول في قضايا التسفير والارهاب وأمن الدولة
كيف تقرأ دور شخصيات مثل رفيق عبد السلام في صياغة خطاب المواجهة من الخارج؟
ـ هذه الشخصيات تلعب دورًا في الحفاظ على حضور إعلامي للحركة خارج البلاد، وتسعى إلى التأثير في الرأي العام الدولي، لكنّ مدى انعكاس هذا الخطاب على الداخل التونسي يبقى محل نقاش.
ويمكن تدقيق ذلك من خلال قراءة دور شخصيات مثل رفيق عبد السلام في سياق أوسع يتجاوز مجرد التصريحات الإعلامية الظرفية. فقيادات الخارج، عمومًا، تضطلع بعدة أدوار متشابكة لا سيّما في المرحلة الحالية، أوّلها الحفاظ على استمرارية الصوت السياسي للحركة ومنع انقطاعه.
من جهة أولى، يسهم هذا الدور في إعادة صياغة خطاب المواجهة بلغة موجهة إلى الرأي العام الدولي، مرتكزة إلى مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة، بهدف كسب التعاطف الخارجي والضغط الدبلوماسي.
ومن جهة أخرى، يعمل هذا الحضور من الخارج على بلورة دور وظيفي أكثر براغماتية بهدف استمرارية الحضور والظهور بدور الفاعل دومًا.
إذاً، يمكن القول إنّ دور شخصيات الخارج مؤثر في مستوى الصورة والسردية، لكنّه لا يبدو مؤثرًا أو حاسمّا في صياغة أيّ قوة دالة أو فاعلة.
كيف أثرت الأحكام القضائية والسجن بحق عدد من القيادات على البنية التنظيمية للحركة؟ هل أدت إلى فراغ قيادي أم إلى بروز جيل جديد؟
ـ يقينًا، التنظيمات ذات الطابع العقائدي تعتمد عادةً على هيكلة مرنة تسمح لها بإعادة إنتاج القيادات. ومن المحتمل أن تكون حركة النهضة بصدد الدفع بجيل جديد أكثر قدرة على التكيّف مع السياق الراهن، مع احتفاظ القيادات التاريخية بتأثير معنوي أو توجيهي من الخلف.
بيد أنّه من المهم لفت النظر إلى أنّ خروج الجيل التاريخي من دائرة الحراك والتأثير، سواء بفعل الأحكام القضائية أو بحكم التقدم في السن، قد يكون كفيلًا بتغيير معادلات التأثير والفعل في المجال العام خلال المرحلة المقبلة. كما أنّ هذا التحول سيكون مؤثرًا بالقدر الذي تنوي فيه السلطة السياسية في تونس مجاراة استحقاقات المرحلة القادمة والتعامل مع تحولات الزمن السياسي الجديد.
برأيك، هل نحن أمام بداية تفكك بنيوي لحركة النهضة؟
ـ لا يحتمل أننا أمام تفكك كامل بقدر ما نحن أمام مرحلة تحول وإعادة تشكل. مثل هذه الحركات تميل إلى إعادة التموضع وفق التحولات الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل مستقبلها مرتبطًا بسياقات أوسع من الإطار المحلي وحده.










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9_2_0_1_4_0_0_2_1_0.jpg.webp?itok=JUavmW24)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_7_0_0.jpg.webp?itok=Dz8R7P8M)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/88888_1_0.jpg.webp?itok=z8gvC3RS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)