مَن سيحتوي مَن: الدولة العراقية الهشّة أم الحشد الشعبيّ؟

العراق

مَن سيحتوي مَن: الدولة العراقية الهشّة أم الحشد الشعبيّ؟

مشاهدة

22/07/2019

لا يعترف رئيسُ الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، بهشاشة الدولة العراقية فحسب؛ بل يقرّ بأنّ "السلمَ الاجتماعي هشٌّ هو الآخر"، كما في رسالته المطوَّلة، الخميس، إلى زعيمه السابق، عمّار الحكيم، الذي انتقل من المعارضةِ النيابية إلى تحريك الشارع ضدّ الحكومة.

لا يعترف رئيسُ الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بهشاشة الدولة فحسب بل يقرّ بأنّ السلمَ  الاجتماعي هشّ هو الآخر

حيال تلك الهشاشة التي لازمت الدولة العراقية "الديمقراطية" منذ تشكيلها، 2005، لا يبدو مرسومُ عبد المهدي، الصادر في الأول من تموز (يوليو) الجاري، والقاضي بدمجِ قوات الحشد الشعبي بالكامل في القوات المسلحة الوطنية، ضمن مهلةٍ لا تتجاوز نهاية الشهر الجاري، واقعياً وقابلاً للتنفيذ؛ فقوى الحشد بلغت من البأس والتنظيم والتسليح والنفوذ "حيث لا يمكن دمجها في مؤسسات الدولة الأخرى، وأنّها ستستمر في الظهور كجهاتٍ فاعلة عسكرية واقتصادية وسياسية مستقلة"، كما يقول الباحث من أصل عراقي، ريناد منصور، في مقالة نشرها موقع مجلة السياسة الخارجية الأمريكية قبل نحو أسبوع.

عبدالمهدي مع وزير الخارجية الأمريكي بومبيو
وتأكيداً لمعنى وجود قوى أكبر من الدولة؛ يسرد كبيرُ الباحثين في "معهد واشنطن" الأمريكي، مايكل نايتس، المتخصص بالملف العراقي، عدداً من الوقائع:
* في 19 حزيران (يونيو) أطلقت ميليشيا مجهولة الهوية صاروخاً نحو قلب قطاع النفط العراقي في محافظة البصرة؛ حيث سقطت الذخيرة على بُعد مئة ياردة (300 قدم) فقط من منشآت الإقامة التي يستخدمها مهندسون أمريكيون ودوليون يعملون في أكبر حقول النفط في البلاد.

اقرأ أيضاً: الحشد الشعبي في العراق.. مأسسة الطائفية وتفتيت الدولة الوطنية
* كان هذا الهجوم الصاروخي الثامن على المنشآت المرتبطة بالولايات المتحدة في العراق هذا العام، وجاء مباشرة بعد الضربات على منشآت تدريب التحالف في التاجي والموصل، في ١٧ و١٨ حزيران (يونيو).
*أثّرت هذه الحوادث في الوجود الدبلوماسي المحلي لواشنطن، فلم تُبقِ السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية الأمريكية في أربيل سوى نصف طاقمهما، بعد أن تمّ سحب جميع الموظفين غير الأساسيين، في أوائل أيار (مايو)؛ بسبب مخاوف أمنية.

اقرأ أيضاً: ثارات وتصفية حسابات داخل الحشد الشعبي
وسابقاً؛ في أيلول (سبتمبر) الماضي، كان قد تمّ إغلاق القنصلية الأمريكية في البصرة بعد أن ضُربت بصواريخ.
*بعد يوم من الضربة، في 17 حزيران (يونيو) على منشأة التاجي، التي تعرضت لهجوم أيضاً، في 1 أيار (مايو)، أصدر رئيس الوزراء مجموعة قيود محددة بشكلٍ غير عادي على القوات المسلحة غير الحكومية في العراق، جاء فيها:
1- تمنع أيّة قوة أجنبية من العمل أو الحركة على الأرض العراقية، دون إذن واتفاق وسيطرة من الحكومة العراقية.
2- تُمنع أيّة دولة، من الإقليم أو خارجه، من التواجد على الأرض العراقية وممارسة نشاطاتها ضدّ أيّ طرف آخر، سواء كان دولة مجاورة أخرى، أو أيّ تواجد أجنبي، داخل العراق أو خارجه، دون اتفاق مع الحكومة العراقية.

عبدالمهدي مع الرئيس الإيراني روحاني

3-  يُمنع عمل أيّة قوة مسلحة، عراقية أو غير عراقية، خارج إطار القوات المسلحة العراقية، أو خارج إمرة وإشراف القائد العام للقوات المسلحة.
4- تُمنع أية قوة مسلحة تعمل في إطار القوات المسلحة العراقية، وتحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، من أن تكون لها حركة أو عمليات، أو مخازن، أو صناعات، خارج معرفة وإدارة وسيطرة القوات المسلحة العراقية، وتحت إشراف القائد العام.

اقرأ أيضاً: ما هي الأهداف الخفية وراء تعبئة "الحشد الشعبي"؟
وبعد أربع وعشرين ساعة من الإدلاء بهذا البيان، سقطت صواريخ جديدة في الموصل والبصرة!
تلك الوقائع أكّدت، بما لا يقبل الشكّ، ضعفَ الدولةِ العراقية حيال المجموعات المسلحة العاملة خارجها، حتى وإن ظلت تلك المجموعات تردّد أنّها "حمت الدولة من السقوط أمام داعش في صيف 2014، وحررت المدن العراقية تباعاً من سيطرة التنظيم الإرهابي".

قوى الحشد الشعبي بلغت من البأس والتنظيم والتسليح والنفوذ حيث لا يمكن دمجها في مؤسسات الدولة الأخرى

هنا يتساءل الباحث في "معهد تشام هاوس" البريطاني، ريناد منصور: "في مرسومه الأخير هل وجدَ عبد المهدي حلّاً لما عُدَّ مشكلة مستحيلة؟ وهل ستتخلى المجموعات المسلحة عن أسمائها والانتماءات والمرجعيات السياسية، وبدلاً من ذلك تتبنى انضباط الألوية والكتائب العسكرية في الجيش؟ وهل سوف تغلق مكاتبها الاقتصادية (معظمها يبتزّ رجالَ الأعمال المحليين والأجانب فضلاً عن كبار موظفي الدولة) وتلتزم قيادةَ رئيس الوزراء بوصفه القائد العام للقوات المسلحة"؟
ويستدرك الباحثُ من أصلٍ عراقي: "رغم أنّ السياسةَ الجديدةَ تنصُّ على أنّ قوات الحشد الشعبي تُدمجُ مع الدولة العراقية، لكنّ الخطرَ قد يكون هو أن تخضع الدولة نفسها للجماعات شبه العسكرية، وليس العكس".
ويشترك منصور هنا في تحليله وخلاصاته مع ملايين العراقيين، ممّن شككوا ليس بقدرة عبد المهدي وحسب، بل بقدرة مؤسسات الدولة العراقية العسكرية على إخضاع الحشد، فيكشفُ: "في اجتماعاتي مع كبار قادة الحشد على مرّ السنين (منذ 2014)، كانوا يصرّون دائماً على أنّ أحدَ أهمّ أهدافهم هو الحصولُ على اعترافٍ رسمي من الدولة العراقية.

اقرأ أيضاً: الآشوريون في العراق: من جحيم "داعش" إلى رمضاء الحكومة والحشد الشعبي
من ناحية أخرى؛ كانت هناك حوافز مالية مرتبطة باكتساب السيطرة الرسمية على الوزارات والهيئات الحكومية؛ لذا رأت الجماعاتُ شبهُ العسكريةِ أنّ الانضمامَ إلى الدولة هو السبيل الواعد نحو كسب الشرعية العامة".
عبدالمهدي مع رجل إيران القوي في العراق وزعيم الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس (يسار)

ردُّ واشنطن على هشاشة عبد المهدي
يوصي الباحثُ مايكل نايتس حيال هشاشة موقفِ رئيس الوزراء عبد المهدي بالقول: "يتعيّن على قادة الولايات المتحدة أن يدركوا أنّ الضربات الصاروخية المعزولة (الموجهة للمصالح الأمريكية في العراق) لا تتطلب سوى عدد قليل من المقاتلين (أقل من عشرين) لتنفيذها، إذاً من الواقعي أن يستمر العراق في السعي بجهدٍ إلى منع ضرباتٍ من هذا النوع، كما قد يفعل أيّ مجتمع في مرحلة ما بعد الصراع، والذي تملؤه الجماعات المسلحة وعشرات آلاف الذخائر التي تعود إلى زمن الحرب.

اقرأ أيضاً: هكذا قلّمت الحكومة العراقية أظافر الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران
يجب على الولايات المتحدة ألا تدع مثل هذه الحوادث تقوّض العلاقة الثنائية، أو تؤدي إلى مزيد من التخفيضات الدبلوماسية، طالما بإمكان الحكومة العراقية أن تثبت أنّها تتخذ خطوات ملموسة لتأكيد سيادتها وتعزيز سيطرتها على الميليشيات".
إلى غير تلك النصيحة المهادنة التي اختارها نايتس، يمضي الكاتب والباحث من أصل عراقي، فهو يرى أنّ قادة الحشد باتوا يدركون أنّ العديد من العراقيين قد سحبوا دعمهم للميليشيات، وهذا يشمل الشيعة العراقيين؛ فأثناء القتال ضدّ "الدولة الإسلامية"، كان العراقيون الشيعة ينظرون إلى قوات الحشد الشعبي كقوةٍ شبه مقدسة، لكن بمجرد انتهاء الحرب، بدؤوا ينتقدون تلك القوات "على سبيل المثال، في البصرة، موطن ما يقدَّر بثلث مقاتلي الحشد، كانت هناك احتجاجات واسعة النطاق ضدّ مجموعات الحشد ذاتها التي بدأت العمل كدولة موازية، وألقى ناشطون محليون اللّوم على الحشد في قتل 20 متظاهراً أو نحو ذلك، في 8 و 9 أيلول (سبتمبر) 2018".

اقرأ أيضاً: هل دقت الحرب الأمريكية الإيرانية طبولها في العراق؟
وانطلاقاً من معاينة واقعية كهذه، يعتقد منصور أنّ "السبب الوحيد الأهم وراء دعم القيادة العليا لقوات الحشد في هذه المرحلة للمرسوم الجديد لرئيس الوزراء هو رئيس الوزراء نفسه؛ فعلى عكس رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، الذي عمل في بعض الأحيان ضدّ الحشد، يدين المهدي بسلطته للجماعات شبه العسكرية التي دعمت ترشيحه، فهو ليس لديه حزب سياسي يدعمه.
ومنذ انتخابه، سعت القيادة السياسية للحشد الممثلة عبر كتلة "الفتح"، إلى كسب النفوذ داخل مكتب رئيس الوزراء، وأعطى تعيين كبير موظفي مكتب رئيس الوزراء، محمد الهاشمي، والمعروف باسم "أبو جهاد"، للمهندس والحشد حليفاً قوياً في مكتب رئيس الوزراء".
لم يعد سرّاً أنّ الهدف الرئيس لقوات الحشد وتشكيلاته؛ هو أن تصبح جزءاً من الدولة كخطوة لتعزيز السلطة والسيطرة على كلّ الدولة، وبدلاً من كبح جماح الجماعات شبه العسكرية، يمكن أن يكون قرار عبد المهدي خطوة أخرى في عملية تمكينها وقضم الدولة العراقية شديدة الهشاشة.

الصفحة الرئيسية