من ينقذ الطفولة من انتهاكات الحروب وسماسرة الموت؟

من ينقذ الطفولة من انتهاكات الحروب وسماسرة الموت؟

مشاهدة

15/08/2021

الأطفال، إناثاً وذكوراً، لا يعنون للمجتمع التقليدي ما يعنونه لآبائهم وأمهاتهم وذويهم، وهذه فجوة أخلاقية فارغة وعميقة بين الأسرة النووية و"الدولة"، أو ما يشبه الدولة في الشكل في عالمنا الأغبر. وهم، أي الأطفال، لا يعنون شيئاً لسلطات الأمر الواقع، في البلدان التي مزقتها الحروب الأهلية وتشظت سلطتها المركزية إلى سلطات ميليشياوية هي سلطات أمر واقع، بقوة السلاح وقوة الرعاة الإقليميين والدوليين.

اقرأ أيضاً: هل نحن بخير حقاً؟

أجل الأطفال لا يعنون لهؤلاء شيئاً ولا يساوون شيئاً، سوى قوة استهلاك للمخدرات وأدوات للقتل، وسلعاً للاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، وتجارة الجنس، التي برعت بها الجماعات الإرهابية، كحزب الله في لبنان والعراق والميليشيات الولائية، التي تشكل أذرع "الثورة الإسلامية" في العراق وسوريا واليمن وفلسطين المحتلة وغيرها. الفجوة التي كانت تفصل بين الأسرة النووية والدولة صارت فجوات تفصل بين الأسر النووية وسلطات الأمر الواقع: الأسر تولِّد وتربِّي والسلطات تقتل وتخرب وتهدم، هذا ما سيقرر مستقبل هذه البلدان.

اقرأ أيضاً: أطفال لبنان يتهددهم الجوع.. هل تضيع المسؤولية كالعادة؟

والطفولة لم تكن بخير، قبل الحروب الأهلية في البلدان المنكوبة بحكامها وجيوشها ومخابراتها ونقاباتها وأحزابها ومثقفيها ومثقفاتها، بدليل الشح المخجل في ثياب الأطفال غير المستوردة، وفي أغذية الأطفال غير المستوردة، وفي ألعاب الأطفال غير المستوردة، ناهيكم عن أدب الأطفال ومدارسهم ومختبراتهم ومسارحهم... إلخ.

لم تعد الطفولة تعني شيئاً مهماً في المجتمعات التي تتلظى بنيران الحروب والنزاعات، فقد صار الأطفال جزءاً من بنية النزاع

أجل، الأسر توِّلد وتربي وسلطات الأمر الواقع كافة تقتل وتهدم وتخرب. التقارير الدولية التي تتحدث عن تجنيد الأطفال في سوريا والعراق واليمن، وغيرها صادمة إلى أبعد حد، وأكثر منها التقارير التي تتحدث عن شيوع المخدرات بين الأطفال، ولا سيما المراهقين والمراهقات منهم/ـن. لا نتحدث عن الفقر والجوع والتشرد والاستغلال والتسرب المدرسي والحرمان، التي يعاني منها الأطفال، فقد تحدثنا في شيء من هذا، وفي كل يوم يجد جديد، بل نتحدث عن تحويل أطفال في الخامسة عشرة وما دون إلى قتلة مأجورين، مثلهم مثل المجاهدين على جميع الجبهات، وتحويلهم إلى لصوص على شاكلة هؤلاء المجاهدين، وإلى مدمني مخدرات ومروجي مخدرات. هذا ما سيقرر مستقبل هذه البلدان.

اقرأ أيضاً: كيف اكتسب الاستبداد خبرة تصنيع غريزة الخوف

أكثر من ذي قبل، لم تعد الطفولة تعني شيئاً مهماً في المجتمعات التي تتلظى بنيران الحروب والنزاعات، فقد صار الأطفال جزءاً من بنية النزاع؛ إذ تمارس ضدهم أبشع أنواع الاضطهاد، النفسي والجسدي، وعلى وجه الخصوص الأطفال في مخيمات اللجوء؛ إذ ضاقت بهم سبل الحياة وتردت أوضاعهم المعيشية، أمام ذويهم، ما جعل من هؤلاء أفراداً خاضعين للابتزاز من قِبل عصابات السلاح وتجّار المخدرات، وصولاً للاتجار بالبشر، كزواج الفتيات القاصرات، وعمالة الأطفال وزجهم في التجنيد أو الجهاد، وتجارة الأعضاء البشرية وغيرها من الأعمال الإجرامية الممارسة ضد الطفولة، والأهل بدورهم جعلوا من أطفالهم أدوات لكسب الرزق للحصول على أدنى مستوى الحياة الإنسانية.

اقرأ أيضاً: التطرف والرؤية الإقصائية..تشويه للذات أم للآخر؟

التأثير الأكبر في النزاع؛ يقع على الأطفال دون سن الثامنة عشرة، وذلك لتأثرهم المباشر وغير المباشر بالأحداث الواقعة على الأرض. والخسارة الكبرى تقع على المجتمع باعتبار الأطفال هم الجيل القادم من الشباب والشابات، أي العصب المحرك لعجلة البناء في المجتمع والدولة.

يقول التقرير الصادر عن منظمة العمل الدولية واليونسيف وذلك بتاريخ 10 حزيران (يونيو) لعام 2021، وهو اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال: "يصل عدد الأطفال العاملين في العالم إلى مئة وستين مليون طفل، معظمهم من الدول التي تشهد نزاعاً مسلحاً، وجزء كبير في الدول التي تشهد ازدياداً متسارعاً في عدد السكان، أما الجزء الأقل من الأطفال العاملين فهو موزع على باقي دول العالم". ويوضح التقرير أنّ الأطفال العاملين خارج دول النزاع يعملون إما بالزراعة أو يقومون بالخدمة داخل المنازل، وهذا بسبب الإقفال العام الناتج عن جائحة كورونا.

إذن نحن أمام كارثة إنسانية في العالم كله، وفي العالم الثالث على وجه الخصوص، وبشكل أخص وأكبر في الدول التي لا تزال تحت وطأة النزاع المسلح، ففي اليمن تجري عمالة الأطفال بشكل علني وصريح، بما فيها التجنيد والتدريب على القتال، وفي منطقة الشمال السوري يعمل تنظيم داعش على تهريب الأطفال من المخيمات القريبة من المنطقة، ويقوم بتدريبهم على الجهاد ونشر الفكر الداعشي بينهم، أما الأطفال السوريون في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة، فهم إما متسولون أو يعملون في تجارة المخدرات ويجري استغلالهم من قبل عصابات التهريب، بالإضافة إلى تزويج الفتيات القاصرات من رجال كبار في السن أو تكون الفتاة زوجة ثانية، يسعى هذا الزواج غير الراشد وغير المتكافئ إلى تشيئ الفتاة، فهي شيء متمم لأشيائه المادية، فتحل نزوة الفراق والعدوان محل نزوة الارتباط والحب حسب تعبير مصطفى حجازي.

 

  يصل عدد الأطفال العاملين في العالم إلى مئة وستين مليوناً معظمهم من الدول التي تشهد نزاعاً مسلحاً

 الكارثة الإنسانية القادمة، هي تحطيم جيل الشباب؛ أي أطفال اليوم من الإناث والذكور، وتفكيك عصب المجتمع الديناميكي من الطاقات الحيوية؛ فالمجتمعات التي تهدر حق أطفالها؛ هي مجتمعات مضطهدة وتمارس الاضطهاد على ذاتها، فالأطفال جزء من الكل، وهذه الحالة هي من مفرزات الاستبداد والظلم والقهر الممارس على الشعوب التي أغرقت نفسها في مستنقع الاستبداد، وأطاعته طاعة عمياء. السكوت عن حق الأطفال في الصحة والتعليم واللعب، وزجهم في النزاع، ليس اضطهاداً للأطفال فحسب، إنما هو هدر مبكر لأجيال قادمة، سواء بوعي من المجتمع أو بغير وعيه، والمسألة الخطيرة أن القوى التي تعتبر نفسها ثورية ومسؤولة عن التغيير، هي من سرقت من الأطفال البراءة، وحملتهم عبئاً لم يحمله أطفال العالم من قبل. فلنتصور المجتمعات التي تربت أطفالها في مخيمات القتال والعنف، وعلى الشعارات الرومانسية، والعقائد الدينية المتشددة، والأيديولوجية السياسية، كيف سيكون مستقبلها؟

ليس هنالك من بوسعه أن يحمي الأطفال؛ لا المجتمعات المحلية المنكوبة والممزقة قادرة على ذلك ولا المجتمع الدولي مهتم سوى بالمساعدات الإنسانية، التي لا تسمن ولا تغني من فقر أو عوز، ولم تُفلح لا في ردع الأطفال عن التسول والعمل، ولا في منع عصابات القتل والتهريب من استغلال حاجة الأطفال وذويهم وزجهم في النزاع. أما الحكومات فليست هنا.

الصفحة الرئيسية