
الحبيب الأسود
ستبقى ليلة 24-25 أبريل 2026 حدثًا مفصليًا في تاريخ جمهورية مالي الحديث، بما شهدته من هجمات غير مسبوقة على عدد من المناطق والمدن، بما في ذلك العاصمة باماكو، بهدف الإطاحة بالنظام عبر تصفية رموزه والانقضاض على مشروعه السياسي وعقيدته العسكرية وتحالفاته الإقليمية والدولية المستحدثة. جاءت هذه الهجمات في سياق انتفاض ممنهج على عقود من السياسات الفاشلة، نتيجة الخضوع لمنظومة الاستغلال والابتزاز والتسلط والنهب والإرهاب بأوجهه المتعددة، سواء كان أجنبيًا مرتبطًا بالاستعمار المباشر وغير المباشر، أو محليًا خاضعًا لأجندات خارجية لقاء ضمان مصالح فردية وفئوية على حساب المصلحة العليا للدولة والمجتمع.
أطراف عدة اجتمعت في تلك الليلة لدعم الهجوم المسلح. الموضوع لا يتعلق فقط بجماعتي “جبهة تحرير أزواد” و”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، وإنما بالقوى الإقليمية والدولية التي شاركت في عمليات التدريب والتخطيط والتمويل والتسليح والاستخبار، للثأر من المجلس العسكري الحاكم في مالي ومن ورائه اتحاد دول الساحل وحلفاؤه الروس، في محاولة لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية والانقلاب على التوازنات الجديدة بالمنطقة. وزير الأمن والحماية المدنية في الحكومة المالية اللواء داود علي محمدين أوضح أن الهجمات المتزامنة التي استهدفت عدة مواقع في أنحاء البلاد كانت مُخططة بدقة من قبل جماعات إرهابية مسلحة، بأهداف استراتيجية محددة بوضوح. الرجل لم يجانب الصواب، وكل المراقبين يعلمون أن الهجمات أُعد لها جيدًا بمشاركة أطراف عدة ذات أجندات مختلفة، لكنها تتفق على أن الوضع الحالي لا يخدم مصالحها.
كونفدرالية دول الساحل أكدت استمرارها في كفاحها من أجل سيادتها، وأشارت إلى أن تنسيق الهجمات والأهداف المستهدفة والأعداد المشاركة واللوجستيات والأسلحة المستخدمة تُظهر بوضوح أنها أعمال مخطط لها ومنسقة منذ فترة طويلة، تهدف إلى إلحاق خسائر عديدة بين قوات الدفاع والأمن وبث الرعب في صفوف المدنيين الأبرياء، معتبرة أن استمرار هذه الاعتداءات يحمل بصمة “مؤامرة وحشية مدعومة من أعداء كفاح تحرير الساحل”.
لم يكن الهجوم المتزامن الذي قاده الانفصاليون والإرهابيون بعيدًا عن تجاذبات المصالح وصراع النفوذ لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية بالمنطقة. أوكرانيا دخلت بقوة ساحة الصراع منذ أعلنت رسميًا في أغسطس 2024 وقوفها إلى جانب الانفصاليين الطوارق وأعضاء جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في تنفيذ عملية عسكرية في شمال مالي، أدت إلى مقتل عدد من الجنود الحكوميين ومسلحي مجموعة فاغنر الروسية. آنذاك، قال أندريه يوسوف، ممثل الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، إن المتمردين تلقوا المعلومات الاستخباراتية الضرورية التي مكنت من القيام بعملية ناجحة ضد من سماهم “مجرمي الحرب الروس”، ونشرت سفارة أوكرانيا في دكار مقطع فيديو يؤكد أن الطوارق حصلوا على صور وخرائط دقيقة لتحركات القوات الحكومية ومسلحي فاغنر عبر الأقمار الاصطناعية.
إثر تلك التصريحات، أعلنت الحكومة الانتقالية في مالي قطع العلاقات الدبلوماسية فورًا مع أوكرانيا، معتبرة أن الأخيرة اختارت دعم الإرهاب بشكل متعمد، ودعت المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته. ورأت أن هذا العدوان جزء من نمط أوسع لبعض الجهات الفاعلة التي تدعم الجماعات الإرهابية المسلحة والمتحالفة مع المتمردين، لأغراض الهيمنة والاستعمار الجديد وكسر ديناميكية التحرر واستعادة السيادة والتنمية.
الدور الأوكراني لا يمكن أن يكون بهذا التأثير من دون سند أوروبي، وخاصة باريس التي تتقدم على صعيدين: دعم كييف في مواجهة موسكو، ودعم كل طرف يمكن أن يتحدى النظام العسكري في مالي وحلفاءه الذين أطاحوا بالدور الفرنسي في مستعمراتها السابقة. في كانون الثاني/يناير الماضي، أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن الأجهزة الفرنسية تقوم بالتنسيق وتزويد الجيش الأوكراني بالمعلومات اللازمة لتخطيط الضربات والدفاع، مضيفًا أن فرنسا توفر المستوى الثاني من خدمات الاستخبارات بعد الولايات المتحدة.
الفيلق الأفريقي التابع للقوات الروسية قال في بيان إن جماعتي “جبهة تحرير أزواد” و”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، حاولتا بدعم من أجهزة استخبارات غربية وقوة كبيرة (بين 10.000 و12.000 فرد) القيام بانقلاب في مالي، عبر محاولات للاستيلاء على منشآت رئيسية في العاصمة، ولا سيما القصر الرئاسي. كما تعرضت مدن رئيسية مثل غاو وكيدال وكيتا وسيفاري لهجمات للسيطرة على مباني الحكومة المحلية. في محيط كيدال وغاو، شارك مرتزقة أوكرانيون وأوروبيون في الهجمات مستخدمين صواريخ أرض-جو محمولة غربية الصنع من طراز “ستينغر” و”ميسترال”.
حركة بوليساريو الانفصالية متهمة هي الأخرى بالتورط في الهجمات، وهي التي تربطها علاقات وثيقة بالانفصاليين الأزواد منذ سنوات. لكن الدافع الأبرز لمغادرتها منطقة التحفظ ودخول ساحة المواجهة هو إعلان النظام المالي في 10 نيسان/أبريل 2026 سحب اعترافه بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وهو اعتراف يعود إلى 1980. هذا التحول يعكس إعادة تموضع استراتيجي في منطقة الساحل، ويشكل انتصارًا للدبلوماسية المغربية وفشلًا لسردية الانفصال.
ما حدث في مالي ليلة 24-25 أبريل 2026 يثبت أن القرار المستقل والموقف السيادي لا يتحققان من دون قوة حقيقية تحميهما ممن لا يزالون يحلمون بالتوسع وفرض أجنداتهم. كما يثبت أن دولًا وحكومات تندد بالإرهاب وتزعم محاربته لا ترى مانعًا من التحالف معه وتمكينه من المال والسلاح والتقنيات الحديثة طالما أن أهدافها تتقاطع مع أهدافه، وترى فيه أداة لخدمة أجنداتها ضد الشعوب والمجتمعات، وخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

