من هو "شادي السليمان" زعيم الإخوان في أستراليا؟

من هو "شادي السليمان" زعيم الإخوان في أستراليا؟

من هو "شادي السليمان" زعيم الإخوان في أستراليا؟


07/07/2026

في المشهد الإسلامي الأسترالي يبرز شادي السليمان بوصفه أكثر من إمام وداعية؛ فقد استطاع تقديم نفسه على أنّه إحدى الشخصيات الإسلامية الأكثر تأثيرًا، وذلك من خلال حضوره الإعلامي ونشاطه الدعوي ومشاركته في الشأن العام. لكن، مع هذا التأثير الكبير، يظهر أيضًا كشخصية مثيرة للجدل من خلال ارتباطاته بتنظيم الإخوان المسلمين، وإطلاقه تصريحات أثارت الكثير من الجدل، وصولًا إلى قيام الدنمارك بمنعه من دخول أراضيها. فمن يكون شادي السليمان؟ وما حقيقة انتمائه إلى تنظيم الإخوان؟

النشأة والتكوين الفكري

في سيدني، وُلد شادي السليمان عام 1978 لعائلة فلسطينية هاجرت إلى أستراليا أواخر ستينيات القرن الماضي. وتتكون عائلته من خمسة أشقاء، وكان ترتيب شادي الثاني بينهم. وفي أستراليا تلقى تعليمه الأساسي.

في عام 1994 غادر السليمان إلى باكستان، وهو في السادسة عشرة من عمره، بهدف دراسة العلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم، وذلك رغم معارضة والديه لهذه الخطوة؛ إذ كان ما يزال في سن صغيرة، ولم يكن قد أنهى دراسته الثانوية بعد. ومع ذلك، وافقت الأسرة في نهاية المطاف، وتكفلت بتوفير ثمن تذاكر السفر. وأمضى في باكستان عامين، حصل خلالهما على إجازة في حفظ القرآن الكريم بسند متصل.

ثم عاد إلى أستراليا لمدة شهرين فقط، وقرر بعد ذلك الانتقال إلى سوريا، حيث أمضى نحو 6 سنوات في دراسة العلوم الإسلامية، واللغة العربية، والفقه المقارن، وأصول الفقه، وعلوم الحديث، على أيدي عدد من العلماء في المعاهد الشرعية السورية. ويبدو أنّ سنوات التكوين العلمي التي قضاها في باكستان ثم سوريا كان لها أثر في تشكيل شخصيته وفكره لاحقًا، لا سيّما في ظل الحضور الواسع لأفكار جماعة الإخوان المسلمين في البيئتين اللتين تلقى فيهما تعليمه خلال تلك المرحلة.

منظمة اتحاد مسلمي أستراليا (أمة)

مع عودته إلى أستراليا برز السليمان كأحد الوجوه الدعوية المؤثرة بين الشباب المسلمين، وكان نشاطه الأساسي هو العمل المجتمعي، والتعليم الديني، وبرامج تأهيل الشباب، حيث اختار تقديم نفسه في صورة إمام وداعية إسلامي وناشط مجتمعي.

كان هدف السليمان تأسيس جامعة إسلامية في أستراليا تُعنى بإعداد دعاة قادرين على مخاطبة أبناء الجيل الثاني من الجالية المسلمة بلغتهم الثقافية والفكرية. فالسليمان يرى أنّ هذا الجيل تكوَّنت معارفه وهويته داخل المجتمع الأسترالي، ممّا يجعل الاعتماد على دعاة قادمين من خارج أستراليا أقلّ فاعلية؛ لافتقارهم إلى فهم البيئة الثقافية والاجتماعية التي تشكّل وعي هذا الجيل والأجيال اللاحقة، وإلى امتلاك أدوات التواصل المناسبة معهم.

لذلك، في عام 2002 قام السليمان بتأسيس منظمة اتحاد مسلمي أستراليا (أمة)، التي تطورت إلى واحدة من أكبر المؤسسات الإسلامية الشبابية في البلاد. وتدير المنظمة مركزًا ضخمًا في ضاحية بادستو بمدينة سيدني، يضم مسجدًا، وقاعات رياضية، ومرافق تعليمية، وبرامج شبابية وثقافية. ويستقطب المركز أعدادًا كبيرة من الشباب المسلمين بشكل يومي.

وغاية السليمان من هذه المنظمة، كما صرّح بنفسه، هي إيجاد كيان بديل يحتضن الشباب المسلم في أستراليا، بحيث يوفّر لهم مختلف احتياجاتهم، ولا يقتصر دوره على كونه مكانًا للعبادة فحسب. ومن ثم يسهم في تأسيس أجيال جديدة يمثل الدين حجرًا أساسيًا في حياتهم. هذا الخطاب يشبه خطاب حسن البنا في تكوين الجماعة المسلمة وإعداد الفرد المسلم، الذي يكون ولاؤه للتنظيم. كذلك مفهوم شمولية التربية، الذي ذكره حسن البنا، في أن تتم تربية الفرد من جميع الجوانب العقدية، والعبادية، والأخلاقية، والفكرية، والاجتماعية، وليس فقط في الجانب التعبدي وحده.

والسليمان يصنع هذه الرؤية، ليس فقط لعام أو عامين، بل لـ 100 عام قادمة، على حدّ قوله، خاصة مع ازدياد أعداد الجالية المسلمة في أستراليا، بحيث يكون هناك مئات من المراكز الإسلامية التي تعمل بهذا النمط، لا كمجرد دور عبادة، بل ككيانات تنتج أفرادًا يكون ولاؤهم وانتماؤهم لعقيدتهم.

ونتيجة لهذا التواجد والتأثير، أصبح السليمان من أكثر الدعاة الإخوان حضورًا في أستراليا، حيث أصبح يشارك بصورة منتظمة في المؤتمرات الإسلامية المحلية والدولية، وبرامج الحوار بين الأديان، والمبادرات المجتمعية. كذلك أُدرج اسمه ضمن قوائم الشخصيات الإسلامية المؤثرة عالميًا في بعض التصنيفات الإسلامية الدولية.

لكنّ المثير للتأمل في مسيرة السليمان هو قدرته، خلال فترة قصيرة، على أن يصبح من أكثر الشخصيات الإسلامية تأثيرًا داخل المجتمع الأسترالي، وأن يؤسس عددًا من المنظمات التي ستصبح لاحقًا ذات تأثير كبير.

الداعية المثير للجدل ارتبط اسمه بالإخوان المسلمين، رغم نفيه ذلك، وتقديم نفسه باعتباره داعية إسلاميًا ضمن السياق الوطني الأسترالي المعتدل. لكنّ الوقائع أثبتت أنّه من أبرز الشخصيات الإخوانية في أستراليا، من خلال مشاركته في تأسيس مجلس الأئمة الأسترالي، الذي يُعدّ امتدادًا لتنظيم الإخوان في البلاد.

فخلال الفترة بين عامي 2006 و2015 شغل منصب الأمين العام للمجلس، ثم انتُخب رئيسًا له، وأعيد انتخابه لاحقًا. ويُعدّ المجلس أكبر هيئة جامعة للأئمة المسلمين في أستراليا، ويضم أكثر من 200 إمام وممثل ديني من مختلف الولايات الأسترالية.

كذلك، فإنّ ارتباطه بالإخوان لم يقف عند ذلك، فالسليمان له مواقف وتصريحات في الدفاع عن حركة حماس، وتبرير عملية طوفان الأقصى في سياق المقاومة، بالإضافة إلى تصريحاته بأنّ الإخوان المسلمين لهم حق المشاركة في حكم الدول العربية.

أثار السليمان جدلًا واسعًا داخل أستراليا، ففي عام 2014 أثار الكثير من الجدل عندما ألقى محاضرة في أكاديمية بارك فيو بالمملكة المتحدة، قال فيها: "يجب دعم المجاهدين في أفغانستان وفي كل مكان"، وهو ما تسبب في موجة هجوم كبيرة عليه.

وفي حزيران/يونيو 2016 شارك السليمان في مأدبة إفطار رسمية استضافها رئيس الوزراء الأسترالي آنذاك، مالكوم تيرنبول. وبعد نشر تقارير إعلامية حول تصريحاته السابقة بشأن الحريات الاجتماعية، أعلن تيرنبول أنّه لم يكن على علم بتلك التصريحات، وأنّه ما كان ليدعوه لو عرفها مسبقًا.

وفي نيسان/أبريل 2018 أدرجت السلطات الدنماركية اسم شادي السليمان ضمن قائمة دعاة أجانب مُنعوا من دخول البلاد، بموجب تشريعات تستهدف شخصيات ترى الحكومة الدنماركية أنّ خطابها قد يهدد النظام العام أو يعزز الانقسام المجتمعي. وكان السليمان الشخص الرابع عشر الذي يُضاف إلى هذه القائمة.

في خطاباته ومواقفه الدعوية يحاول شادي السليمان تقديم نفسه بمزيج من الطابع المحافظ والتأكيد على الولاء لأستراليا. فهو يتحدث عن قيم شرعية تقليدية، مثل ربط الزنى بعقوبات إلهية متمثلة في الأمراض، لكنّه يُرافق ذلك دائمًا بدعوات إلى التسامح واحترام الآخر. والسليمان يقدم خطابًا متناقضًا في الظاهر؛ يقول هذا تجنبًا لغضب الحكومة والرأي العام الأسترالي، لكنّه، في الوقت نفسه، يقدّم خطابًا مغايرًا داخل أوساط الجالية الإسلامية.

ونتيجة لذلك، رفع السليمان دعاوى قضائية ضد مؤسسات إعلامية أسترالية، معتبرًا أنّها وصفته بصورة غير دقيقة بأنّه داعية كراهية. وانتهت إحدى القضايا بتسوية أُزيلت بموجبها بعض المواد المنشورة على الإنترنت.

السليمان يؤكد، في العديد من خطاباته، على اندماج المسلمين في المجتمع الأسترالي، والالتزام بالقوانين الأسترالية، ومكافحة التطرف والعنف، وتعزيز التعايش بين مكونات المجتمع. لكنّ الأزمة الحقيقية تكمن، مع السليمان وغيره ممّن يحملون هذا الفكر ويعيشون في الغرب، في أنّهم لا يحملون عرفانًا حقيقيًا للبلاد التي استضافتهم ووفرت لهم سبل الأمن والرفاهية، بل يركزون جهودهم على إنشاء كيانات موازية داخل تلك المجتمعات، بما يمكّنهم مستقبلًا من بسط نفوذهم عليها خدمةً لمشروعهم المتخيَّل المتمثل في أستاذية العالم.

مشروع السليمان، الذي يعتمد على إنشاء مراكز إسلامية إخوانية تُعنى بفصل المواطن المسلم عن البلد الذي يعيش فيه، وأن يكون كل انتمائه لهذه الكيانات، ينتج عنه لاحقًا أشخاص ناقمون على هذه البلاد، وقد يحولهم ذلك إلى إرهابيين. وحادثة هجوم شاطئ بوندي، التي وقعت في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، ليست ببعيدة؛ إذ قام شخص أسترالي من أصول باكستانية، وابنه، وهو مواطن أسترالي مولود في أستراليا، بإطلاق النار بشكل عشوائي، وأسفر الهجوم عن مقتل 15 شخصًا، ووصفت السلطات الأسترالية الحادث بأنّه عمل إرهابي بدافع إيديولوجي.

ورغم محاولات السليمان تقديم نفسه في صورة الداعية المعتدل، الذي يحمل قيم الرحمة والتسامح واحترام الآخر، فإنّ تطبيق ذلك على أرض الواقع لم يحدث. فمبادرات السليمان في التقريب بين المجتمع الأسترالي والجالية الإسلامية مجرد إجراءات شكلية، تتضمن الدعوة إلى زيارة مسجد، أو حضور حدث ما، أو إطلاق تصريحات عن التعايش المشترك، دون أن يكون هناك حوار حقيقي يقرّب وجهات النظر، خاصة مع استمرار الحوادث الإرهابية في أستراليا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية