
في إحدى مدارس الإيواء بحي النصر غرب مدينة غزة، يجلس الشاب أحمد الباشا (22 عاماً) على كرسي معدني قرب خيمته المؤقتة، بعد أن كان يحلم بليلة زفاف تقام في قاعة أفراح مكتظة بالأقارب والأصدقاء، لكنّ الحرب غيرت كل شيء.
يقول الباشا وهو ينظر إلى هاتفه الذي احتفظ فيه بقائمة ضيوفه وفقرات الفرح: "حجزت قاعة الفرح قبل اندلاع الحرب بشهرين، واخترت بدلة الفرح، وحتى الأغاني التي سنرقص عليها، وكل شيء كان جاهزاً تقريباً".
لم يعد صوت الزغاريد يعلو في القاعات المضيئة كما كان في السابق، ولم تعد مواكب السيارات المزينة تجوب الشوارع الضيقة في المساء في غزة اليوم، وتغيرت طقوس الزواج كما تغيرت ملامح الحياة كلها، فالحرب التي فرضت واقع النزوح والدمار دفعت كثيراً من الشباب إلى إعادة تعريف معنى الفرح نفسه.
ومنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تشن إسرائيل حرباً مدمرة على غزة خلفت عشرات آلاف الضحايا المدنيين، معظمهم أطفال ونساء، ودماراً هائلاً ومجاعةً أودت بحياة أطفال ومسنين، وفق بيانات فلسطينية وأممية.
وتواصل إسرائيل الحرب رغم صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يطالب بوقف فوري لإطلاق النار، وكذلك رغم مثولها للمرة الأولى أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية.
الفرح المؤجل
الباشا وخطيبته مريم كانا يخططان لزفاف تقليدي، مثل معظم الأعراس في غزة، قاعة مزينة، وليمة كبيرة، وفرقة دبكة شعبية، إلا أنّ اندلاع الحرب أدى إلى إلغاء الفرح، وإغلاق وتدمير معظم صالات الأفراح، وتحول ما بقي منها إلى مراكز إيواء للنازحين.
يقول الباشا: "بعد اشتداد الحرب والنزوح نحو وسط قطاع غزة بات الكلام عن الفرح والقاعة كأنّه من زمن آخر. في البداية اتفقنا على تأجيل الفرح شهرين أو ثلاثة حتى تهدأ الأمور، لكن مع استمرار الحرب بدأتُ وخطيبتي نفكر بطريقة مختلفة، وصار السؤال: هل ننتظر سنوات؟ أم نبدأ حياتنا رغم كل شيء؟".
ويتابع الباشا بابتسامة خفيفة: "خطيبتي قالت لي شيئاً لن أنساه، قالت إنّ أهم شيء في الفرح هو أن يبدأ بيتنا، حتى لو كان خيمة، حتى بدأنا نشعر أنّ الزواج في هذه الظروف هو نوع من التحدي للحرب".
ويصف كيف سيكون زفافه: "سنضع بعض الكراسي البلاستيكية في خيمة داخل ساحة المدرسة، وندعو عشرين أو ثلاثين شخصاً فقط لحضور حفل الزفاف، دون إقامة طعام، ولا موسيقى، لكن المهم أن نكون معاً".
طقوس جديدة للفرح
ويضيف الباشا: "رأيت فرحاً هنا قبل أسابيع، لم يكن هناك موسيقى ولا زينة كبيرة، والناس صفقوا وزغردوا، فشعرت وقتها أنّ الفرح يمكن أن يولد حتى في أصعب الظروف".
ويتابع: "قرار الزواج في ظل الحرب ليس سهلاً، فالشباب يواجهون أسئلة صعبة، أين سيعيشون؟ كيف سيؤمنون الدخل؟ وهل من الحكمة بدء حياة جديدة وسط هذا الغموض؟".
ويوضح الباشا: "أحياناً أشعر بالخوف، ليس من الزواج نفسه، بل من المستقبل، أين سنعيش؟ وهل سأجد عملاً؟ في المقابل، الحياة لا تتوقف، إذا انتظرنا حتى تصبح الظروف مثالية ربما لن نتزوج أبداً".
ويكمل: "الحرب أخذت منا بيوتاُ وأصدقاء وأماكن كثيرة نحبها، لكن يجب ألّا تأخذ قدرتنا على الفرح أيضاً".
ويختم حديثه قائلاً: "ربما لن يكون فرحنا كما حلمنا، لكن يكفي أن يكون بداية لحياة جديدة، حتى في أصعب الظروف، الناس هنا تحاول أن تعيش".
ليلة كان ينتظرها منذ سنوات
قبل الحرب كان الشاب محمد سالم من مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة يقضي أمسياته وهو يتنقل بين قاعات الأفراح ومحال الملابس، يختار أدق التفاصيل ليوم كان ينتظره منذ سنوات ليوم زفافه، أمّا اليوم، فهو يجلس على قطعة إسفنج أمام خيمة نزوح أقامها مقابل منزله المدمر، ويحاول أن يتخيل كيف يمكن أن يبدأ حياته الزوجية وسط هذا الواقع الذي لم يكن في الحسبان.
يقول محمد سالم (25 عاماً): "قبل الحرب بشهر تقريباً أنهيت وخطيبتي معظم الترتيبات، حجزنا القاعة، وحددنا موعد الزفاف، وحتى قائمة الضيوف كانت جاهزة تقريباً، وكنا نتحدث يومياً عن تفاصيل صغيرة، لون الزينة، والأغاني، والطعام الذي سيقدّم للضيوف".
ويصمت عدّة ثوانٍ ثم يضيف: "لم يخطر ببالنا أبداً أن تتحول كل هذه الخطط فجأة إلى مجرد ذكريات".
ويعمل سالم فنياً في صيانة الهواتف المحمولة، وكان قد ادخر جزءاً كبيراً من دخله خلال العامين الماضيين لتغطية تكاليف الزواج، وفي غزة، حيث تمثل حفلات الزفاف حدثاً اجتماعياً كبيراً، ينفق الشبان غالباً مبالغ كبيرة على القاعات والولائم.
ويتذكر تلك الأيام قائلاً: "كنت أحلم بفرح كبير مثل كل الشباب، قاعة مليئة بالأصدقاء، وموسيقى، ودبكة، وضحكات، أردت أن تكون ليلة مختلفة، لأنّ الزواج بالنسبة إليّ كان بداية مرحلة جديدة في الحياة".
ويتابع سالم مبتسماً بخجل: "حتى أنني كنت أتدرب مع أصدقائي على رقصة الدبكة التي سنؤديها في الحفل، لكن بعد أسابيع قليلة فقط من تحديد الموعد اندلعت الحرب، لتتبدل الأولويات بالكامل".
خطط زواج في الخيمة
ويضيف: "اتصل صاحب القاعة بعد أيام من بدء الحرب وقال لي كل الحجوزات ألغيت، لم يكن الأمر صادماً بقدر ما كان محزناً، وشعرت كأنّ صفحة كاملة من حياتي أغلقت فجأة".
ولم تكن القاعة وحدها ما تغير، فقد نزح سالم مع عائلته من منزله بعد تعرّض الحي الذي يسكن فيه للقصف، وانتقل إلى مركز إيواء مكتظ بالنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة.
ويصف تلك اللحظة قائلاً: "في الليلة الأولى من النزوح كنت أجلس وأفكر، كيف يمكن أن أتزوج الآن؟ أين سيكون بيتنا؟ حتى الأشياء التي كنا نجهزها للبيت لم نعد نعرف أين أصبحت".
رغم كل شيء، لم يتخلَّ سالم وخطيبته (آية) عن فكرة الزواج، بل باتا يفكران في شكل مختلف تماماً للاحتفال، إلى أن قررا إقامته في خيمة تعليمية تُستخدم صباحاً لتدريس أطفال الحي، بحضور عدد قليل من الأقارب والأصدقاء".
مع ذلك، يعترف سالم بأنّ القرار ليس سهلاً، ويكمل: "أحياناً أشعر أنّ الوقت غير مناسب تماماً، فلا يوجد عمل ثابت الآن، وليس هناك بيت واضح يمكن أن نعيش فيه، فالزواج مسؤولية كبيرة، وليس مجرد احتفال".
لكنّه يستدرك قائلاً: "في الوقت نفسه أشعر أنّ تأجيل الحياة إلى أجل غير معلوم أمر أصعب، فالحرب قد تطول، ونحن لا نستطيع أن نوقف أعمارنا".
ويؤكد سالم: "ربما لو تزوجت هنا لن يكون حفل الزفاف كما حلمنا، لكن سيكون رسالة أننا ما زلنا قادرين على الحياة، فالحرب قد تؤجل الفرح، لكنّها لا تستطيع أن تلغيه".
تحولات الزواج في غزة
يرى أستاذ علم الاجتماع بكليّة "فلسطين" تيسير الأقرع أنّ "الحرب الإسرائيلية على غزة أحدثت تحولاً كبيراً في طقوس الزواج في غزة، فقبل الحرب كانت الأفراح تقام في قاعات كبيرة ويشارك فيها عدد كبير من الأقارب والأصدقاء، وكانت ترتبط بطقوس اجتماعية عديدة مثل السهرات والولائم الكبيرة".
يقول الأقرع: "لقد فرض النزوح والظروف الاقتصادية الصعبة نمطاً مختلفاً للأفراح ومناسبات الزواج، حيث أصبحت أكثر بساطة وأحياناً تقتصر على عقد القران بحضور عدد محدود من الأقارب، وفي بعض الحالات تتم داخل مراكز الإيواء أو في داخل الخيام".
ويضيف: "رغم الظروف الصعبة يرى كثير من الشباب أنّ الزواج يمثل خطوة نحو الاستقرار النفسي والاجتماعي، وفي أوقات الأزمات يميل الناس إلى البحث عن مصادر للأمل والاستقرار، والزواج بالنسبة إلى البعض يشكل بداية جديدة وفرصة لبناء حياة مشتركة رغم التحديات، كما أنّ بعض الشباب يشعرون بأنّ تأجيل الزواج إلى أجل غير معلوم قد يعرقل مسار حياتهم".
ويوضح: "هناك شباب قرروا تأجيل الزواج بسبب الظروف الاقتصادية وفقدان المساكن ومصادر الدخل، في حين اختار آخرون تبسيط مراسم الزواج إلى الحد الأدنى وإقامته بشكل متواضع، وهذا التوجه يعكس قدرة المجتمع على التكيف مع الظروف الاستثنائية".
ويتابع: "الحرب تخلق حالة من القلق وعدم اليقين، وهذا ينعكس بشكل مباشر على الشباب الذين يستعدون لبدء حياة جديدة، فهم يواجهون تساؤلات كثيرة حول المستقبل، مثل الاستقرار المادي والسكن والعمل، ومع ذلك فإنّ الدعم العائلي والاجتماعي يمكن أن يساعد في تخفيف هذه الضغوط".
ويكمل: "قد تعود بعض عادات الزواج السابقة مع تحسن الظروف، لكنّ التجربة الحالية قد تترك أثراً طويل المدى، فالكثير من العائلات قد تعيد التفكير في تكاليف الزواج المرتفعة، وربما يتجه المجتمع مستقبلاً إلى مزيد من التبسيط في مراسم الزواج".
ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني أنّ "الأهم في الزواج حالياً هو التركيز على جوهر الزواج، من خلال بناء علاقة قائمة على التفاهم والدعم المتبادل، وليس على المظاهر والاحتفالات الكبيرة، وينبغي للشباب أن يكونوا واقعيين في التخطيط لحياتهم، وأن يتعاونوا مع عائلاتهم لتجاوز التحديات التي فرضتها الظروف الحالية".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)