
في ظل ما تقع تحت وطأته إيران منذ نهاية كانون الأول /ديسمبر العام الماضي من حالة غليان شعبي غير مسبوقة على مدار أربعة عقود من حكم المرشد الإيراني، واستمرار الحراك ضد الملالي، فإنّه لم تعد المشاهد الاحتجاجية مجرد ردود فعل عفوية على أزمات معيشية عابرة، بل تحولت إلى حراك استراتيجي منظم يستهدف تقويض الأسس الإيديولوجية والسياسية التي يقوم عليها نظام "ولاية الفقيه". ويقف النظام الإيراني اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، وهو يواجه انسداداً سياسياً واقتصادياً، ممّا دفع بجميع الشرائح الاجتماعية إلى الاصطفاف لجهة التغيير. هذا الانسداد ليس أمراً طارئاً أو عرضياً، بل هو نتاج أربعة عقود من تغليب منطق "تصدير الأزمات" على منطق "بناء الدولة"، فقد فضّل النظام تمويل الميليشيات والإنفاق على الحروب الخارجية بدلاً من أن يكون دولة طبيعية.
الملف الاقتصادي لغم منفجر
يُعتبر الملف الاقتصادي أحد الألغام التي انفجرت في وجه النظام متجاوزة كافة محاولات التعتيم الإعلامي. فبينما يعيش أكثر من 80% من الشعب الإيراني تحت خط الفقر، بحسب البيانات الرسمية، يواصل النظام تبديد ثروات البلاد الهائلة في مشاريع التوسع الإقليمي العبثي وتمويل الأذرع الإقليمية والميليشيات العابرة للحدود. فالإخفاق الاقتصادي ليس نتاج العقوبات الدولية فحسب، كما يروّج النظام لجهة ترويج سياسة "الصبر الاستراتيجي" و"المقاومة"، بل هو نتاج هيكلية مافيوية يقودها "الحرس الثوري" الذي وضع يده على أكثر من 60% من الاقتصاد الإيراني. ومن ثمّ تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات للنهب المنظم، وهو ما جعل الشارع الإيراني في حالة تعبئة مستمرة ينتظر لحظة الصدام النهائي.
لهذا، كان التطور النوعي في الحراك الأخير الذي أربك الموازين السياسية يتمثل في حضور "البازار" الإيراني على خط المواجهة المباشرة مع السلطة. تاريخياً كان البازار التقليدي أحد الركائز الأساسية التي اعتمد عليها النظام لتثبيت شرعيته في ثمانينيات القرن الماضي، لكن اليوم انكسر هذا التحالف التاريخي بشكل نهائي. فإضرابات البازار الأخيرة في طهران والمدن الكبرى ليست مجرد احتجاجات نقابية، بل هي "عصيان مدني" استراتيجي يهدف إلى شل قدرة النظام المالية وتجفيف منابع تمويل آلة القمع. والرسالة التي انطلقت من أزقة البازار القديم كانت واضحة: "لقد انتهت صلاحية الوعود"، بحسب معارض سياسي إيراني (فضّل عدم ذكر اسمه) موضحاً أنّه "لو كان هناك أدنى أمل في الإصلاح، لما خاطر كبار التجار بمصالحهم للانضمام إلى صفوف الانتفاضة، في خطوة تاريخية تعكس عمق الرفض الشعبي للنظام بكل مكوناته."
ومن المتوقع أن يعقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اجتماعاً طارئاً، نهاية الأسبوع، لمناقشة "تدهور" الأوضاع الحقوقية في إيران، وذلك على خلفية الحملة الأمنية التي قامت بها السلطات مؤخراً. وقال الناطق بلسان مجلس حقوق الإنسان، باسكال سيم، أثناء مؤتمر صحافي في جنيف: إنّ "هذه الجلسة الخاصة طُلب عقدها مساء الإثنين من قبل آيسلندا، بالاشتراك مع ألمانيا، ومقدونيا الشمالية، وجمهورية مولدوفا، والمملكة المتحدة". وأوضح أنّ أكثر من عشرين دولة أخرى من أعضاء المجلس أكدت دعمها للطلب، وقال: إنّ "قائمة الدول الموقّعة ستظل مفتوحة حتى بدء الجلسة."
واقع حرج
شددت الدول الخمس التي تقدّمت بالطلب في رسالة بعثت بها إلى رئيس مجلس حقوق الإنسان، على أنّ "عقد جلسة خاصة ضروري نظراً لأهمية الوضع ودرجة إلحاحه". وتحمل الرسالة جملة "تقارير موثوقة تفيد بوقوع أعمال عنف مقلقة، وقمع المتظاهرين، وانتهاكات للقانون الدولي وحقوق الإنسان في مختلف أنحاء البلاد"، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.
وفي حديثه لـ (حفريات) أكّد موسى أفشار عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية: "أنّ الحقيقة الساطعة التي كشفتها الانتفاضة في أكثر من (200) مدينة إيرانية، هي أننا لا نواجه مجرد انفجار عابر أو موجة احتجاجية مؤقتة، بل نحن أمام سلسلة انتفاضات متلاحقة ومتواصلة منذ عام 2017، تمثّل بمجموعها مراحل الثورة الديمقراطية الكبرى التي لا تكتمل فصولها إلا بإسقاط كامل وشامل لنظام ولاية الفقيه بكل أجنحته. إنّ هذه الحالة الانفجارية التي نراها اليوم سببها الجذري هو طبيعة النظام نفسه، لا مجرد عجز إداري أو سوء تدبير مؤقت؛ فهو نظام بني على الجريمة والنهب، ومن رحم هاتين الركيزتين تنبع كل الأزمات الراهنة."
ويقول أفشار: إنّه في الانتفاضة الأخيرة سقط خط "الاحتواء الناعم" والمناورات السياسية سريعاً، لأنّ الشرارة انطلقت من قلب "البازار" حيث انضم التجّار إلى الطلاب والعمال في خندق واحد، رافعين شعارات سياسية صريحة وجريئة تجاوزت كل الخطوط الحمراء: "الموت لخامنئي"، و"الموت للظالم، شاهاً كان أم مرشداً". ويردف: "يقف النظام اليوم في أضعف نقطة استراتيجية له منذ وصوله إلى السلطة عام 1979، خاصة بعد المقاطعة الشعبية المدوية للانتخابات الأخيرة، لدرجة اضطرار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للاعتراف بهبوط المشاركة إلى مستويات كارثية ناهزت 8% في بعض الدوائر بالإضافة إلى تآكل عمقه الاستراتيجي الإقليمي".
في المقابل، نرى تطوراً مذهلاً في كفاءة الحراك الشعبي بفضل الشبكة المنظَّمة لـ "وحدات المقاومة" التي نقلت المواجهة إلى داخل حصون النظام، وبفضل الاعتراف الدولي المتزايد بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كبديل ديمقراطي جاهز لقيادة المرحلة الانتقالية. هذا الزخم يسير في خط بياني صاعد، ولهذا ستستمر هذه الوضعية الثورية حتى اقتلاع جذور الاستبداد الديني، وفق موسى أفشار لـ (حفريات).
وأمام هذا المد الجماهيري لم يجد النظام بدّاً من اللجوء إلى خياره الوحيد؛ التصعيد الوحشي في عمليات الإعدام والقمع الميداني لبث الرعب في النفوس، بحسب المصدر ذاته، إلا أنّ القراءة الاستراتيجية للميدان تؤكد أنّ "جدار الخوف" الذي بناه النظام عبر عقود قد تحطم إلى غير رجعة. والمفارقة هنا هي أنّ القمع لم يعد يؤدي إلى التراجع، بل إلى زيادة منسوب الراديكالية في الشارع. ويقول أفشار: "لقد أدرك الشعب الإيراني، بجميع مكوناته من كرد وعرب وبلوش وفرس، أنّ كلفة الصمت والبقاء تحت حكم الدكتاتورية باتت تفوق بكثير كلفة التضحية من أجل انتزاع الحرية. إنّ انضمام فئات جديدة مثل المتقاعدين والمعلمين والممرضين إلى الحراك اليومي يعكس شمولية الثورة واستحالة احتوائها أمنياً."ً
ويختتم عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية حديثه قائلاً: إنّ الرهان على استقرار النظام الإيراني بات رهاناً خاسراً في الحسابات السياسية الدولية، موضحاً أنّ النظام الإيراني الذي يقوده الملالي قد فقد شرعيته في الداخل كما فقد القدرة على المناورة في الخارج، بينما يواجه الآن حالة من "التآكل الذاتي"، خصوصاً مع "هروب الرساميل، وهجرة العقول، والانقسامات داخل بنية السلطة نفسها، وهي كلها مؤشرات على قرب ساعة الحسم. الانتفاضة ليست مجرد احتجاجات، بل بداية نهاية نظام ظنّ أنّ القمع أبدي، فباغته الطوفان الشعبي والمجتمعي."

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_1.png.webp?itok=GdF3CrIh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_25_1_1_0_0.jpg.webp?itok=WVl1JxX7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD_1.png.webp?itok=JBSeA7zX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_23_4_0_0.jpg.webp?itok=bPBOwBzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_4_3_0.jpg.webp?itok=Bj4HTJv3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_4_0.jpg.webp?itok=6HVSoHNj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_1_0.jpg.webp?itok=dHKWt2qF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%B1_0.jpg.webp?itok=0jG2IJns)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_32_0_2_1.jpg.webp?itok=HaSySVg9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_25_1_2_13.jpg.webp?itok=fnJS8BI3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GettyImages-1069812660.jpg.webp?itok=NgC245pF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_0_1.jpg.webp?itok=Ch9rKTwg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_128_0_0_1_1_0.jpg.webp?itok=7ZsQVkjn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_10.jpg.webp?itok=2kE147__)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Why-does-Iran-continue-targeting-Gulf-states.jpg.webp?itok=89J-PyZD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_18_0_0_1_1_0_0_0_0.jpg.webp?itok=I7n-nGbk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)