من بين دخان أرامكو.. بولتون حين ينظر بسخرية إلى ترامب

أمريكا

من بين دخان أرامكو.. بولتون حين ينظر بسخرية إلى ترامب

مشاهدة

18/09/2019

بعد نحو أسبوع على مغادرته الدراماتيكية للبيت الأبيض مستشاراً للأمن القومي، يبدو الجمهوري المحافظ، جون بولتون، شبحاً ضخماً يطارد الرئيس دونالد ترامب. فها هي إيران تؤكد صدقية خلاصاته بشأن نظام الجمهورية الإسلامية وطابعه العدواني وضرورة مواجهته بحزم، لتبدو صورةُ بولتون من بين دخان أرامكو السعودية وهي تنظر شزراً نحو الرئيس الذي أطاحه من أجل عيون روحاني واللقاء المفترض- الأمنية، كما يلفت تقريرٌ نشرته "واشنطن بوست" أول من أمس الإثنين.

يبدو الجمهوري المحافظ جون بولتون شبحاً ضخماً يطارد الرئيس دونالد ترامب فها هي إيران تؤكد صدقية خلاصاته بشأنها

وفيما كان خروج بولتون من البيت الأبيض توضيحاً لنية ترامب في التحرك نحو الدبلوماسية والابتعاد عن الحرب المحتملة مع إيران، استؤنفت بعد أقل من أسبوع من رحيل بولتون حرب الكلمات. فقد هدد ترامب إيران على تويتر، قائلاً إنّ أسلحة الجيش الأمريكي جاهزة، فيما قال قائد الحرس الثوري الإيراني إنه مستعد للحرب، كما يذهب تقرير نشر في موقع شبكة "ان بي سي نيوز".
لم تنشغل وسائل الإعلام الأمريكية وحسب بهذا المعنى عن رؤية بولتون حول الخطر الإيراني، بل ذهبت صحف بريطانية مثل "الإندبندنت"، إلى ما يعنيه رحيل بولتون كرجل خبير في الشؤون الدولية عن دائرة صنع القرار في البيت الأبيض، والتضحية به من قبل ترامب سعياً من الأخير وراء تحقيق لقاء "مستحيل" ثان بعد الأول المتمثل في اللقاء مع الزعيم الكوري الشمالي.

اقرأ أيضاً: بولتون و"العمل المستحيل" مع ترامب: كوريا وإيران أم شاربه الكث؟
من فهم رسالة ترامب جيداً، ليس ساسة واشنطن ولا جيش المحللين والخبراء فيها، بل طهران التي قرأت خطوة ترامب على أنها ضعف حد الهشاشة في الإدارة الأمريكية، فأرسلت، كما نقلت شبكة "أي بي سي نيوز" عن مسؤول كبير في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تكشف عن اسمه، حوالي عشر صواريخ كروز وأكثر من عشرين طائرة مسيرة من أراضيها في الهجوم على المنشأتين النفطيتين التابعتين لأرامكو السعودية.
هنا قد يبرر بعض المعلقين الأمريكيين الذين هللوا لإقصاء بولتون، موقف الرئيس ترامب بأنه كان ينطلق من مصلحة أمريكية في إبعاد شبح الحرب في الخليج، لكن ها هي الضربات الإيرانية تضرب المصالح الأمريكية بالصميم، فارتفاع أسعار النفط جراء تلك الضربات، أطاح بمشروعات الرئيس لإبقاء أسعار النفط منخفضة نسبياً لضمان تحقيق النمو الاقتصادي وفي وتائر عالية.

كان خروج بولتون من البيت الأبيض توضيحاً لنية ترامب في التحرك نحو الدبلوماسية

ألم أحذرك من عواقب التساهل مع طهران؟
في معنى أن يكون بولتون ساخراً من ترامب بل "متشفياً" يكتب الباحث الإستراتيجي والخبير الاقتصادي في "شبكة دي دبليو" الألمانية ناجح العبيدي في صفحته على "فيسبوك":
"بعد 3 أيام فقط من إقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون تعرضت منشأتان نفطيتان سعوديتان ضخمتان لهجوم لم تعرف ملابساته بعد، ولكن تأثيراته البالغة على صادرات النفط السعودية والإمدادات العالمية واضحة للعيان".

اقرأ أيضاً: مؤتمر صحفي لعرض نتائج التحقيق في هجوم "أرامكو"
وأضاف التعليق "بغض النظر عن صحة تبني الحوثيين للهجوم فإنّ وقوف إيران وراء الحادث لا يحتاج إلى برهان، لا سيما وإنه يأتي ضمن سلسلة من الهجمات التي طالت منشآت النفط السعودية وناقلات نفط في الخليج والتهديدات الإيرانية بغلق مضيق هرمز".
ومن المؤكد أنّ بولتون الذي كان يعتبر من أبرز صقور الإدارة الأمريكية والداعي للتشدد مع النظام الإيراني، يرى في ذلك الهجوم تأكيداً لنهجه، و"قد يقول مستشار الأمن القومي المقال لترامب في قرارة نفسه: ألم أقل لك؟ ألم أحذرك من عواقب التساهل مع طهران"؟
إقالة بولتون جاءت على خلفية إصراره على توجيه ضربة عسكرية ضد إيران عقب إسقاطها طائرةً مسيّرة أمريكية وتراجع ترامب لاحقاً عنها بذريعة جسامة الضحايا البشرية، وهو ما جعل الخلافات الكبيرة بين الاثنين تظهر للعلن.
بعد إقالة بولتون تفاءل البعض بالتوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران وإبعاد شبح الحرب، لكن الهجوم الأخير يشير بوضوح إلى أنّ القيادة الإيرانية تواصل المجازفة باتباع سياسة حافة الهاوية ومحاولة جس نبض الإدراة الأمريكية، لا سيما وأنّ ترامب لا يريد التورط في حرب خارجية غير محسوبة العواقب ويفضل التعويل على العقوبات في خنق إيران اقتصادياً.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة الهجوم على أرامكو السعودية وتداعياته على المنطقة؟
وحيال تلك المؤشرات بشأن الهجوم الأخير وتأثيراته على إمدادات النفط العالمية،  يتساءل العبيدي: "هل يمكن للقيادة الإيرانية أن تسيء تقدير موقف ترامب وتردده في الانجرار إلى مواجهة عسكرية في الخليج"؟
وهنا يبدو حال هي أقرب إلى المفارقة إذ "لا يستبعد أن تؤدي إقالة "صقر الحرب" بولتون إلى تصاعد خطر اندلاع الحرب في الخليج بدلا من خفضه".

 الهجوم على المنشأتين النفطيتين التابعتين لأرامكو السعودية

بعد بولتون.. وجه ترامب في طهران يزداد سواداً!

وعلى الرغم من قوة التراجع أمام إيران من أجل تحسين صورته فيها بطرده بولتون عدو طهران للدود، إلا أنّ وجه ترامب ازداد سواداً، فقد أكّد قائد الثورة الاسلامية آية الله علي الخامنئي، أنّ "لا تفاوض مع أمريكا في أي مستوى كان، لا في نيويورك ولا في غيرها"، معتبراً سياسة الضغوط القصوى ضد الشعب الإيراني بأنها ليس لها أي قيمة.
وقال آية الله الخامنئي، في تصريح له نقلته أمس وكالة أنباء "فارس"، بشأن موضوع التفاوض مع إيران المطروح أمريكياً "على الجميع أن يعلم ويدرك أنّ هذه خدعة".

التضحية ببولتون كان سعياً من ترامب لتحقيق لقاء "مستحيل" ثانٍ بعد الأول المتمثل باللقاء مع الزعيم الكوري الشمالي

وأشار خامنئي إلى "المواقف المتناقضة للمسؤولين الأمريكيين بخصوص التفاوض، ففي بعض الأحيان يقولون التفاوض دون شروط مسبقة، وفي أحيان أخرى يقولون التفاوض بـ 12 شرطاً، هذه التصريحات إما هي ناجمة عن سياساتهم المرتبكة، وإما هي خدعة لارباك الطرف الآخر، وبطبيعة الحال فإنّ الجمهورية الاسلامية ليست مرتبكة؛ لأنّ طريقنا واضح ونعرف ماذا نفعل".
هنا تؤكد طهران أنّ سياستها حيال واشنطن غير قائمة على وجود أشخاص دون غيرهم، وإلا كانت قد بنت تمثالاً ضخماً للرئيس بوش الذي قدم لها ما لم تكن تحلم به: إسقاط أبرز عدوين لها، طالبان في الشرق وصدام حسين في الغرب، وآخر للرئيس أوباما الذي قدم لها اتفاقاً يمنحها مشروعاً نووياً يتطور باضطراد ممهوراً بعشرات المليارات من الدولارات من الأموال الإيرانية المحتجزة بسبب العقوبات.
هنا تبدو طهران وهي تسخر من ترامب، وتقول له "لن نمنحك نظرة مبتسمة مع رئيسنا روحاني كما فعلت مع الرئيس الكوري الشمالي"، كما تعرف جيداً أنّ صورة "رجل السلام" التي يسعى لها ترامب هي في حقيقتها ضمانة انتخابية يبدو رجل البيت الأبيض في أمسّ الحاجة لها، فإيران تدرك جيداً أنّ الرئيس لن يدخل حرباً وهو على أبواب انتخابات جديدة.
قوةُ الحجةِ الإيرانية في ضعف ترامب بل تهافته، تلخّصه تصريحاتُ الرئيس الأمريكي التي نقلتها وكالة "رويترز" أول من أمس؛ فهو بالكاد قال "إنه يبدو أنّ إيران مسؤولة عن الهجوم على منشأتي النفط بالسعودية"، لكنه ليس في عجلة من أمره للرد ولا يزال يحاول معرفة من المسؤول عن الهجوم، على الرغم من أنّ عدة مسؤولين في حكومته بينهم وزير الخارجية، مايك بومبيو، ووزير الطاقة، ريك بيري، قالا بمسؤولية طهران في الهجوم على السعودية والذي قلّص إنتاج النفط الخام العالمي بواقع خمسة في المئة.

الصفحة الرئيسية