
في ظل النزاعات التي تمرّ بها المنطقة وما تعانيه من تأزم سياسي وواقع ميداني على الحافة بصفة مستمرة، فإنّ المواجهات العنيفة والصراعات المحتدمة تكشف عن مخاطر التطرف في إدارة الحروب مرة في غزة ومرة أخرى في إيران. فمنذ اندلاع ما عُرف بـ "الربيع العربي" دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة تحولات عميقة أعادت تشكيل موازين القوى، وضمن هذه التحولات برز الإسلام السياسي بمختلف تياراته كفاعل رئيسي، تتباين أدواره الوظيفية؛ من ثم فمسألة الاستقرار الإقليمي ارتهنت بهذا الوضع وتعقيداته.
وتشير تحولات متسارعة في الشرق الأوسط إلى تراجع ملحوظ في جاذبية الحركات الجهادية، مقابل صعود نهج أكثر براغماتية داخل تيارات الإسلام السياسي، في تطور يعكس إعادة تعريف العلاقة بين الإيديولوجيا والسلطة بعد عقود من الصراع. ففي الوقت الذي ما تزال فيه هجمات متفرقة تنفذها حواضن التنظيمات الجهادية، ومنها ما يُعرف بـ "الذئاب المنفردة" تنكشف المؤشرات الأوسع عن مسار مختلف، يتجه نحو تقليص الطموحات الخارجية والأممية لصالح التركيز على الدولة الوطنية ومقتضيات الحكم وفلسفة التمكين.
تآكل فكرة الجهاد العالمي
بحسب تقرير لـ (وول ستريت جورنال) شكلت فكرة "الجهاد العالمي" ركيزة أساسية في خطاب الحركات الراديكالية، ساعية إلى تقويض النظام الدولي وإعادة تشكيله عبر مشروع "الخلافة" المزعوم. غير أنّ هذا المسار بدأ يتآكل تدريجياً، مدفوعاً بكلفة الصراعات الممتدة، وفشل التجارب في السنوات الأخيرة، خصوصاً تلك التي ارتبطت بتنظيم داعش في العراق وسوريا، التي أفضت إلى نموذج حكم اتسم بالعنف والانهيار. وعليه، تعكس التجارب الأحدث تحولاً لافتاً في سلوك بعض الحركات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة أو اقتربت منها، حيث باتت تميل إلى التركيز على إدارة الشأن الداخلي، وبناء علاقات براغماتية، وتجنب الصدامات المباشرة والعنيفة والتخفي وراء قوى أخرى. ثم يبرز هذا التحول في سعي هذه الحركات إلى تقديم نفسها كفاعلين سياسيين "طبيعيين"، يعملون ضمن إطار الدولة، لا خارجها.
لم يقتصر التراجع على الحركات الجهادية، بل امتد إلى الإسلام السياسي بمفهومه الأوسع. فالشعار الذي رُوّج له طويلاً "الإسلام هو الحل" فقد زخمه في ضوء إخفاقات عملية في الحكم، سواء من حيث الأداء الاقتصادي أو إدارة التعددية السياسية، وقد أسهمت تجارب ما بعد "الربيع العربي" بداية من مصر مروراً بتونس حتى المغرب في كشف محدودية هذه الحركات، حيث أدت الصراعات الداخلية وضعف الخبرة السياسية إلى تآكل شعبيتها، وإقصائها في بعض الحالات. والأمر ذاته بالنسبة إلى تجربة تنظيم داعش التي مثّلت نقطة تحول مفصلية، إذ أسهمت ممارساته العنيفة في تقويض جاذبية المشروع الجهادي.
إعادة التموضع إقليميّاً
تزامن هذا المسار مع تغيرات أوسع في المنطقة، شملت إعادة تموضع دول إقليمية تجاه الإسلام السياسي، وتراجع الدعم الخارجي لبعض الحركات مع انعطافة دول أوروبية ضد الإسلاموية، وتبنّي مقاربات أكثر تشدداً كما هو الحال في فرنسا والنمسا وبلجيكا، فضلاً عن تصنيف الولايات المتحدة عدة فروع إقليمية للإخوان منظمة إرهابية. ويضاف إلى ذلك صعود نماذج حكم تركز على الاستقرار والتنمية بدل الإيديولوجيا. وأسهمت إصلاحات داخل دول محورية في تقليص انتشار الخطابات المتشددة خارج حدودها، بحسب ما تشير الصحيفة الأمريكية. ورغم هذا الانحسار إلا أنّ الظاهرة لم تختفِ، بل أعادت تشكيل نفسها. إذ إنّ التنظيمات الجهادية رغم فقدانها السيطرة الإقليمية، ما تزال قادرة على تنفيذ هجمات محدودة، وهو ما يبقيها ضمن معادلة التهديد الأمني. وبالمحصلة تكشف المؤشرات الراهنة عن تحول بنيوي في مسار الإسلام السياسي، من مشروع أممي إلى فاعل أكثر براغماتية يسعى للتكيف مع واقع الدولة والنظام الدولي.
وفي ظل ما تكبده التنظيم الإرهابي من هزيمة في العراق وسوريا والتطور الأمني الذي شهدته الساحة في ملاحقته وتصفية قادته، إلا أنّ إرث الإيديولوجيا للتنظيم لم يتبدد إلى هذه اللحظة، وما تزال خلاياه تعمل بشكل لا مركزي لا سيّما في مناطق (صلاح الدين، الأنبار، ديالى، حزام بغداد) ومنطقة الجزيرة، وما زال مقاتلوه في السجون يدينون له بالولاء المطلق، وما زالت عملياته مستمرة بوتيرة متباينة في مناطق عدة. وبهذا الصدد يشير الجنرال ماثيو ماكفارلين قائد عملية "العزم الصلب" في آب/أغسطس 2023 إلى ذلك بقوله: إنّ التهديد ما يزال قائماً وإيديولوجية تنظيم داعش ما تزال قائمة وتبقى إعادة الظهور احتمالاً، وفق ما يوضح معهد واشنطن، ويعتقد مسؤولون في الحكومة العراقية أنّ التنظيم لم يعد يشكل التهديد الذي شكله منذ عقد مضى، وأنّ احتمالية عودته مستبعدة.
إذاً، يمثل التطرف في الشرق الأوسط أحد أخطر التحديات وأكثرها تعقيداً، لما يخلّفه من آثار مباشرة على الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني. وخلال العقدين الأخيرين شهدت المنطقة موجات متعاقبة من التطرف، تعكس تداخل أبعاد دينية وسياسية واجتماعية، أسهمت في تأجيج صراعات داخلية وأزمات مُركّبة على مستوى الدولة والمجتمع. ويتخذ التطرف أشكالاً متعددة، إذ لا يقتصر على الجماعات غير الحكومية أو التيارات الفكرية المتشددة، بل يمتد أحياناً ليشمل سياسات وممارسات مؤسساتية تُسهم في تكريس الإقصاء أو العنف المنهجي ضد فئات معينة. وقد أظهرت الدراسات أنّ بعض أنماط التطرف المؤسسي تُعمّق حالة عدم الاستقرار في المنطقة، مؤثرة على العلاقات بين المجتمعات ومستويات الثقة بالدولة، ومحدّدة لفرص التسوية السلمية للنزاعات، بحسب ما تشير دراسة لمركز (تريندز).
ويسهم التطرف بأبعاده الفكرية والدينية والسياسية في تقويض الاستقرار الإقليمي، مع التركيز على التطرف المؤسسي كعامل يضاعف النزاعات ويُحدّ من فرص السلام والتنمية المستدامة. وتشير الدراسة إلى أنّ آثار التطرف لا تقتصر على حدود الدولة التي ينشأ فيها، بل تمتد إلى محيطها الإقليمي والدولي، إذ قد يُسهم في انتشار الإرهاب العابر للحدود، وتهريب الأسلحة، وتزايد موجات النزوح والهجرة القسرية. وتؤدي هذه الظواهر إلى خلق تحديات إضافية أمام الدول المجاورة والمجتمع الدولي في إدارة الأزمات الإنسانية والأمنية. كما أنّ استمرار بعض النزاعات الإقليمية والسياسات المرتبطة بها يمكن أن يُسهم في تغذية دوامات العنف وإطالة أمد الصراعات، بما ينعكس سلباً على الاستقرار الإقليمي ويزيد من تعقيد جهود التسوية السياسية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_1.png.webp?itok=GdF3CrIh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_25_1_1_0_0.jpg.webp?itok=WVl1JxX7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD_1.png.webp?itok=JBSeA7zX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_23_4_0_0.jpg.webp?itok=bPBOwBzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_4_3_0.jpg.webp?itok=Bj4HTJv3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_4_0.jpg.webp?itok=6HVSoHNj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_1_0.jpg.webp?itok=dHKWt2qF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%B1_0.jpg.webp?itok=0jG2IJns)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_32_0_2_1.jpg.webp?itok=HaSySVg9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_25_1_2_13.jpg.webp?itok=fnJS8BI3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GettyImages-1069812660.jpg.webp?itok=NgC245pF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_0_1.jpg.webp?itok=Ch9rKTwg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_128_0_0_1_1_0.jpg.webp?itok=7ZsQVkjn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_10.jpg.webp?itok=2kE147__)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Why-does-Iran-continue-targeting-Gulf-states.jpg.webp?itok=89J-PyZD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_18_0_0_1_1_0_0_0_0.jpg.webp?itok=I7n-nGbk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)