من الدعوة إلى النفوذ... لماذا تخشى أوروبا الإسلام السياسي؟

من الدعوة إلى النفوذ... لماذا تخشى أوروبا الإسلام السياسي؟

من الدعوة إلى النفوذ... لماذا تخشى أوروبا الإسلام السياسي؟


23/10/2025

 

رغم مرور قرابة قرن على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، ما تزال أوروبا تنظر إليها باعتبارها أحد أكثر التنظيمات الإسلامية تعقيداً وإثارة للجدل. فبينما تقدّم الجماعة نفسها في القارة العجوز كتيار دعوي معتدل يدافع عن "الهوية الإسلامية" في مواجهة اليمين المتطرف، تكشف الوقائع الأمنية والاستخباراتية عن واقع مغاير، يتجاوز المظاهر الدعوية إلى بناء شبكات نفوذ مالي وسياسي واجتماعي تمتد في قلب المؤسسات الأوروبية نفسها، وتثير مخاوف متصاعدة بشأن تغلغل الفكر الإخواني في نسيج المجتمعات الغربية.

إرث التنظيم... من القاهرة إلى العواصم الأوروبية

بدأ التمدد الإخواني إلى أوروبا منذ خمسينيات القرن الماضي، حين فرّ عدد من قيادات الجماعة من مصر بعد الصدام مع نظام جمال عبد الناصر. كانت ألمانيا الغربية أول محطة رئيسية، حيث احتضنت عدداً من رموز التنظيم مثل سعيد رمضان، صهر مؤسس الجماعة حسن البنا، الذي أسّس "المركز الإسلامي في ميونخ" ليكون بمثابة النواة الأولى للوجود الإخواني في القارة.

وخلال العقود التالية توسعت الجماعة عبر إنشاء اتحادات ومساجد ومراكز ثقافية، حملت جميعها خطاباً مزدوجاً: علنياً يدعو إلى "الاندماج" و"الحوار بين الأديان"، وسرّياً يتحدث عن "التمكين" و"إحياء الأمة الإسلامية".

وفق تقارير الاستخبارات الألمانية، تحوّل هذا النشاط إلى شبكة متشابكة تُعرف اليوم بـ "الإخوان الأوروبيين"، تضم منظمات واجهة مثل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" و"المجلس الأوروبي للأئمة"، فضلاً عن ذراع مالية قوية تديرها جمعيات خيرية ومؤسسات تمويلية تنتشر في أكثر من عشر دول.

وتؤكد تقارير الأجهزة الأمنية في فرنسا وألمانيا والنمسا أنّ الإخوان استطاعوا بناء منظومة تمويل ذاتية تعتمد على التبرعات وجمع الأموال عبر المساجد والمراكز الإسلامية، إلى جانب الدعم القادم من دول وجهات خارجية تتقاطع مصالحها مع أجندة الجماعة.

ففي فرنسا مثلاً، تشير تقديرات البرلمان الفرنسي إلى أنّ عدداً من الجمعيات التابعة للإخوان حصلت خلال السنوات الأخيرة على ملايين اليوروات تحت غطاء العمل الخيري، بينما تُستخدم هذه الأموال لتمويل حملات ضغط سياسي، أو دعم شخصيات محسوبة على الجماعة في الانتخابات المحلية.

وفي النمسا، كشف "تقرير الإسلام السياسي" الصادر عام 2021 عن وجود ما وصفه بـ "شبكة نفوذ إخوانية" تعمل على إعادة تشكيل المشهد الإسلامي في البلاد، وتستخدم المؤسسات التعليمية والدينية في نشر خطاب الانعزال ورفض قيم الدولة المدنية.

هذا النمط من التمويل الشبكي يثير قلق الحكومات الأوروبية التي ترى فيه محاولة لبناء "دولة موازية" داخل الدولة، قادرة على تحريك الجاليات المسلمة وفق أجندات خارجية تتعارض مع مبادئ المواطنة.

وتدرك أوروبا أنّ خطر الإخوان لا يتوقف عند حدود التمويل أو النشاط التنظيمي، بل يمتد إلى المجال الإيديولوجي. فخطاب الجماعة يقوم على ثنائية دائمة بين "نحن" و"هم"، ممّا يعمّق الانقسام داخل المجتمعات الغربية ويؤسس لثقافة العزلة والانفصال.

ويشير الباحث الفرنسي جيل كيبل إلى أنّ الإخوان يمثلون "النسخة الناعمة من الإسلام السياسي"، إذ لا يرفعون السلاح، لكنّهم يسعون إلى السيطرة على الوعي الديني والسياسي للمسلمين في أوروبا، تمهيداً لبناء مجتمع بديل يخضع لمرجعيات الجماعة لا لقوانين الدولة.

ولهذا السبب، ترى الحكومات الأوروبية أنّ مواجهة الإخوان ليست مجرد قضية أمنية، بل معركة فكرية تتعلق بقدرة الدولة على حماية نموذجها القيمي من التآكل التدريجي أمام خطاب يروّج لهيمنة دينية مغلّفة بلغة الحقوق والحريات.

فرنسا في المواجهة... من المراقبة إلى الحظر

منذ هجمات 2015 الإرهابية اتخذت فرنسا موقفاً أكثر صرامة تجاه الإسلام السياسي، وخصوصاً جماعة الإخوان. فقد أطلق الرئيس إيمانويل ماكرون خطة شاملة لمكافحة "الانعزالية الإسلامية"، تضمنت مراقبة التمويل الأجنبي للمساجد، وإغلاق الجمعيات التي تروّج لخطاب الكراهية أو تتلقى تمويلاً مشبوهاً.

ومن أبرز هذه الجمعيات التي خضعت للحظر أو المراقبة: "بركة سيتي" و"جمعية مكافحة الإسلاموفوبيا في فرنسا"، وكلتاهما ارتبطتا بشبكات إخوانية.

ووضعت باريس قيوداً على نشاط "الاتحاد الإسلامي الفرنسي"، الذي يُعدّ أحد أبرز أذرع التنظيم في أوروبا، بعد تقارير أكدت علاقته المباشرة باتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، الذراع القارية للجماعة.

ويقول الباحث المصري أحمد سلطان، المتخصص في شؤون الإسلام السياسي: إنّ باريس أدركت مبكراً أنّ الإخوان لا يسعون إلى العنف المسلح داخل فرنسا، بل إلى "اختراق المؤسسات من الداخل"، مستغلين شعارات الحرية الدينية وحقوق الأقليات لتوسيع نفوذهم السياسي.

ألمانيا والنمسا... يقظة متأخرة

في ألمانيا، حيث يتمتع الإخوان بحضور تاريخي، بدأت السلطات الفيدرالية في السنوات الأخيرة تتعامل بجدية مع التهديد الإيديولوجي للتنظيم.

تقرير هيئة حماية الدستور لعام 2023 أشار إلى أنّ الجماعة تمتلك نحو (1500) عنصر نشط في ألمانيا، وتسيطر على عدد كبير من المراكز الإسلامية التي تمارس تأثيراً واسعاً على الجاليات المسلمة، خصوصاً الشباب.

وفي النمسا، جاء "مشروع خريطة الإسلام" الذي أطلقته الحكومة في 2021 كخطوة رمزية لمواجهة النفوذ الإخواني، إذ كشف عن مواقع عشرات الجمعيات والمؤسسات المرتبطة بالتنظيم، ممّا أثار جدلاً واسعاً بين مؤيدي حرية المعتقد ومعارضي التطرف الديني.

ويرى الباحث النمساوي لورينزو فيدينو، مدير برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن، أنّ الإخوان في أوروبا يعتمدون على "الاستراتيجية الطويلة" القائمة على التغلغل البطيء داخل المجتمع، وليس المواجهة المباشرة، وهو ما يجعل رصدهم ومحاسبتهم أكثر تعقيداً.

بريطانيا... ملاذ آمن أم ورقة ضغط؟

لطالما وُصفت بريطانيا بأنّها "الملاذ الآمن" لجماعة الإخوان، بعد أن سمحت لندن لعشرات القيادات بالإقامة وممارسة النشاط السياسي والإعلامي بحرية منذ سبعينيات القرن الماضي. لكنّ مراجعة أجراها اللورد جون جينكنز بطلب من الحكومة البريطانية عام 2015 خلصت إلى أنّ عضوية الإخوان "مؤشر على التطرف"، وأنّ الجماعة تستخدم واجهات ديمقراطية لتحقيق أهداف غير ديمقراطية.

ورغم أنّ بريطانيا لم تحظر الجماعة رسمياً، إلا أنّها شددت القيود على مؤسساتها المالية والإعلامية، وأدرجت عدداً من الشخصيات المرتبطة بها في قوائم المراقبة.

هذا التردد البريطاني، وفق محللين، يعكس توازنات سياسية معقدة، إذ تستخدم لندن ملف الإخوان كورقة ضغط في علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، في الوقت الذي تحاول فيه تفادي اتهامات انتهاك الحريات الدينية.

في المحصلة، لا تتعلق مخاوف أوروبا من الإخوان فقط بالتنظيم ككيان، بل بما يمثله من منظومة فكرية عابرة للحدود تتغذى على أزمات الهوية والتهميش الاجتماعي داخل القارة.

فكلما ازداد الإحباط بين الشباب المسلم بسبب سياسات الإقصاء أو التمييز، تجد الجماعة فرصة لتجنيد عقول جديدة بخطاب المظلومية والتمكين.

ولذلك تتجه أوروبا اليوم إلى تبنّي مقاربة مزدوجة: أمنية عبر المراقبة والتجريم، وثقافية عبر دعم الاندماج وإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة، في محاولة لقطع الطريق أمام الإسلام السياسي بمختلف أشكاله.

لكنّ هذه المعركة، كما يرى الباحث الفرنسي برنار روجيه، "لن تُحسم بالقوانين وحدها، بل بإعادة بناء الثقة بين المسلمين والدولة، وكسر احتكار الإخوان لتمثيل الإسلام في الغرب."



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية