من التجارة إلى الإقطاع... كيف حصلت الانعطافة الكبرى في التاريخ الاقتصادي للمشرق؟

الاقتصاد

من التجارة إلى الإقطاع... كيف حصلت الانعطافة الكبرى في التاريخ الاقتصادي للمشرق؟

مشاهدة

27/06/2019

رغم ما تبدو عليه ظواهر الاجتماع البشري من تعقيد وتركيب، إلا أنّه عند البحث في سلسلة العلل المؤديّة لها، فإننا عادةً ما ننتهي إلى أسباب أكثر بساطة، تتعلق بالوضع والحالة المادية التي يعيش ضمنها الإنسان والمجتمع، وعندما نتحدث عن تراجع وتدهور في الثقافة والحضارة على مستوى كتلة بشريّة كبرى، بمستوى "أمّة"، فلا بدّ إذاً من الحديث عن تحوّلات ومنعطفات كبرى أصابت البُنى الأساسيّة لها، والاقتصاديّة تحديداً.
الخراج.. مصدر قوة للدولة
مع توسّع الدولة الإسلاميّة الأولى، اجتهد الخليفة عمر بن الخطاب، مع جمع من مستشاريه، وابتدع نظام "الخراج"، فتقرّر عدم توزيع الأراضي المغتنمة في العراق بين الجند؛ حرصاً على عدم تعرّضها للإهمال، وإنما تركت لأصحابها من الفلاحين المقيمين فيها، يواصلون عملهم بها، مع الإيجاب عليهم بالمقابل أداء ضريبة باسم "الخراج"، تؤدَّى إلى خزينة الدولة، وبذلك؛ فإنّ النمط السائد مع بداية العصر الإسلامي حافظ على المُلكيّات الصغيرة، وأبقاها في يد الفلاحين، مقابل أداء ضريبة مباشرة للدولة، ما حافظ على ازدهار الأراضي وأسهم في تعزيز إيرادات الدولة، وبالتالي عزز من مصادر قوة وسلطة الحكم المركزيّ فيها.
حقبة الشهبندر والسندباد
وبالتزامن مع سيادة النمط الخراجي، شهدت العصور الإسلامية الأولى تصاعداً ورواجاً في النشاط التجاريّ وحركة التُّجّار، وذلك مع بسط الدولة الإسلامية، في عهد الخلفاء الراشدين ثم الدولة الأمويّة والعباسيّة، سيطرتها على مساحات شاسعة، وفرضها الأمن في المسالك والطرقات، ما سمح بانطلاق قوافل التُّجار بسلام وأمان، وكانت من أهم عوامل الازدهار كذلك؛ سيطرة الأساطيل الإسلامية منذ القرن الميلادي السابع وحتى القرن العاشر، على البحار، وبالخصوص في البحر المتوسط وبحر العرب والمحيط الهندي، ما مكّن التّجار المسلمين من لعب دور الوسيط بين قارات العالم القديم الثلاث؛ فازدهرت موانئ المشرق والمدن الداخلية، ونشطت الأسواق فيها، فكانت تلك بحقّ حقبة الشهبندر، و"السندباد"، التاجر العربي جوّاب البحار والآفاق، وأدّى ازدهار النشاط التجاري إلى توفير فوائض من الإيرادات الضريبيّة للدول ومراكز الحكم.

العالم الإسلامي ووقوعه في قلب شبكة خطوط التجارة

لحظة التحوّل
ولكن، منذ القرن العاشر الميلادي، ومع التحوّل نحو التفوّق البيزنطي في البحر المتوسط خلال العصر الفاطمي، ومن ثم تتالي حملات الغزو الصليبي وتأسيس الإمارات الصليبيّة ببلاد الشام، والسيطرة على الموانئ هناك، مع تهديد الموانئ المصريّة، وتزامن ذلك مع تراجع قبضة الأغالبة، ومن بعدهم الفاطميون في المنطقة الوسطى من البحر المتوسط، لحساب صعود مملكة النورمان، ومن بعدها مملكة صقلية، كُلّ ذلك أدى إلى تراجع السيطرة الإسلامية على البحار، وتراجع معه دور العالم الإسلامي في التجارة  العالميّة، ما أدّى إلى إضعاف طبقة التّجار، ومن هنا بدأ مسار صعود طبقات بديلة جديدة، وبالتحديد الطبقة الإقطاعيّة.

أدّى تراجع السيطرة الإسلامية على البحار إلى تراجع دور العالم الإسلامي في التجارة العالميّة

ترافق الانحسار والتراجع من الخارج مع سلسلة من الغزوات الداخلية من قبل الأعراب والأتراك، ونشأت إمارات بدويّة في العراق والجزيرة وبلاد الشام، مع انحلال الدولتين؛ البويهية والحمدانية؛ كإمارة بني عقيل في الموصل والجزيرة، وإمارة بني خفاجة في الكوفة وجنوب العراق، في حين بدأت الدول التركيّة بالصعود مع قيام وتوسّع الدولتين؛ الغزنويّة والسلجوقيّة، اللتين غلب عليهما الطابع العسكريّ بالدرجة الأولى، كُلّ ذلك ساهم في تعزيز انتكاسة طبقة التجار سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وسرّع من التحوّل نحو عصر الإقطاع.
ويشير المؤرخ والجغرافي الفرنسي، إيف لاكوست، في كتابه عن "تاريخ الشعوب والحضارة في المغرب الإسلاميّ"، إلى أنّ "البرجوازيّة التجاريّة" في ظلّ هذه التحوّلات أعادت استثمار أموالها في حيازة الأرض بالشراء أو الاستصلاح بعد أن تهددت طرق التجارة بالأخطار".

تصوير لسفن الحملات الصليبية وهي تعبر المتوسط باتجاه الشرق

استحداث النظام الجديد
وساهم سياق الحروب الصليبية والمواجهة مع الدولة البيزنطية في تعزيز طابع دولة المواجهة العسكرية، منذ عهد السلاجقة، ثم مع الزنكيين والأيوبيين، وصولاً حتى المماليك، وجاء التحوّل الأهم مع السلاجقة الذين كانوا أوّل من رسّخ حالة انحدار البرجوازيّة التجاريّة، وأنجزوا التحوّل نحو النظام الاقتصادي الجديد، وذلك عبر استحداث نظام الإقطاع العسكري وترسيخه، وكان ذلك مع توزيع الأراضي على القادة وإقطاعها لهم، في سبيل مكافأتهم وكسب ولائهم، ولتحقيق غايات عسكريّة تتمثّل في مبادرتهم للدفاع عن الدولة وحدودها باعتبارها أملاكاً لهم.

اقرأ أيضاً: كيف تشكل تجارة القات الخريطة الاقتصادية في القرن الإفريقي؟
أدّى هذا النظام إلى حالة من التدهور في سلطة الحكم المركزي للدولة، خاصّة مع رفض أصحاب الإقطاعات في كثير من الأحيان سداد ما عليهم من ضرائب، والاتجاه تدريجياً للاستقلال بإقطاعياتهم، وكان ذلك من أسباب إضعاف الدولة السلجوقيّة وانحلالها، فظهرت كيانات إقطاعيّة، تركيّة وكرديّة، عرفت بـ "الأتابكيّات"، على امتداد المناطق من كرمان وفارس، مروراً بأذربيجان، وحتى الجزيرة والأناضول، ورغم ذلك؛ أصبح نموذج الإقطاع العسكري متَّبعاً وسائداً في الدول والكيانات السياسة اللاحقة في المشرق الإسلامي.

أدّى نظام الإقطاع العسكري إلى حالة من التدهور في سلطة الحكم المركزي للدولة

وهكذا، ترسخّت الإقطاعيّة بالتزامن مع مرحلة تدهور البرجوازيّة التجاريّة، والتحوّل إلى الاقتصاد الزراعي والرعوي، وقد نجمت عن سيادة النمط الإقطاعي آثار سياسية، وذلك مع نقص موارد السلاطين مقابل زيادة ثراء الإقطاعيين، ما جعلهم يتطلعّون إلى الصدارة السياسية، وهو ما ظهر مع الأتابكيّات، التي كانت بالأصل عبارة عن إقطاعيّات صنعها سلاطين السلاجقة لإدارة أطراف إمبراطوريتهم، حتى أقدم الأتابكة على الدخول في صراع مع السلاطين، ونشأ عن ذلك ظهور أُسَر حاكمة محليّة تركيّة وكرديّة وتركمانيّة، على أنقاض إمبراطوريتهم المتداعية.
وكانت من تلك الأتابكيّات؛ أتابكيّة الموصل، التي برز فيها القائد نور الدين زنكي، ومع صعود نور الدين زنكي وتشكّل الدولة الزنكيّة، استمرّ نور الدين في اتّباع سياسة الإقطاع، وتواصل ذلك في عهد صلاح الدين الأيوبي من بعده؛ حيث قام صلاح الدين قبل وفاته بتقسيم الدولة الأيوبيّة إلى إقطاعيّات كبرى بين أفراد أسرته.

تصوير لفرسان مقاتلين من السلاجقة

النظام يترسخّ ويعبر العصور
وبلغ النظام الإقطاعي ذروته في عصر المماليك، وعدّ السلاطين المماليك أراضي البلدان ملكاً خاصاً بهم، وزعوه على الأمراء والجند، مع إيقاف القليل منها للإنفاق على المدارس والمساجد والتكايا، ويشير المؤرخ المصري، إبراهيم علي طرخان، في كتابه "النظم الإقطاعيّة في الشرق الأوسط في العصور الوسطى"؛ إلى أنّ "المماليك، إلى جانب الإقطاع العسكريّ، قد توسعّوا في الإقطاع المدنيّ، فكانوا يمنحون رجال الدولة والوجهاء الإقطاعيّات، بل وفي الأحيان المغنين والجواري!".

ترسخّت الإقطاعيّة بالتزامن مع مرحلة تدهور البرجوازيّة التجاريّة والتحوّل إلى الاقتصاد الزراعي والرعوي

مع نهاية العصر المملوكي، كانت حركة الكشوفات الجغرافيّة الأوروبيّة قد انطلقت وأسفرت عن اكتشافات مسارات بحريّة جديدة، وتتوجّت باكتشاف رأس الرجاء الصالح، والالتفاف حوله، عام 1499، مبتعدة عن مناطق العالم الإسلامي، وهو ما عنى المزيد من التراجع لأهميّة موقع العالم الإسلامي في خريطة التجارة الدوليّة، وترافق ذلك مع صعود قوة البحريّة البرتغالية وإحكامها السيطرة على المحيط الهندي، كُلّ ذلك أسفر عن المزيد من التدهور في النشاط التجاري الإسلامي، وتراجع مدخولات خزائن الدولة من الجمارك، ليشكّل ذلك دافعاً جديداً لتعزيز النظام الإقطاعي.

اقرأ أيضاً: الخط الفاصل بين التجارة مع الله والتجارة باسمه
ومع دخول مناطق واسعة من المشرق تحت الحكم العثماني، استمرت سيادة الإقطاع، وكانت الدولة العثمانية هي ذاتها عبارة عن إقطاعيّة عسكريّة في نشأتها الأولى، عندما أقطع سلاجقة الروم، عثمان بن أرطغرل، أرضاً على خطّ المواجهة مع البيزنطيين غرب الأناضول، وعرف نظام الإقطاع العثماني باسم "التيمار"؛ وهي الأراضي التي تُمنح لشخص أو لجماعة مقابل التعهّد بسداد الضرائب، وكانت تُمنح في الأساس مقابل أداء الوظائف والخدمات العسكريّة، وبقي هذا النظام سائداً حتى جاءت الإصلاحات العثمانيّة لاحقاً في القرن التاسع عشر لتحاول الحدّ منه.

الإمارات الإقطاعيّة في الأناضول بحدود منتصف القرن الـ14 وتظهر من بينها العثمانيّة

بالعموم؛ أدى التحوّل نحو الإقطاع إلى تدهور الأحوال الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وحتى الاقتصاد الزراعي تعرّض للتخريب، بسبب سيادة نمط السُخرة والاستغلال وضعف الحافز لدى الفلاح، ورغم محاولات الإصلاح استمرت آثار الإقطاع وامتداداته حتى الحقبة المعاصرة، وكانت سبباً أساسياً في التمهيد والتهيئة لاستقبال المنطقة الاستعمار وخضوعها له.


الصفحة الرئيسية