من أدبيات التكفير: رسالة صالح سرية

من أدبيات التكفير: رسالة صالح سرية

مشاهدة

27/05/2021

تعتبر رسالة الإيمان من التنظيرات الفكرية القليلة، التي أثرت كثيراً في مسيرة التنظيمات الإسلاموية، وهي كانت سابقة بسنوات لكتاب محمد عبدالسلام فرج "الفريضة الغائبة" (1981)، وغيرها من الكتابات المشابهة، وهي نادرة الوجود وغير منشورة تقريباً، إلا أنّ تأثيرها ما يزال باقياً؛ إذ إنّ مؤلفها هو صالح سرية، الذي كان عضواً في حزب التحرير، والإخوان المسلمين فيما بعد، وجاء إلى مصر العام 1971، وبعد ذلك بسنوات قليلة شكّل تنظيم الفنية العسكرية لقلب نظام الحكم، وأُلقي القبض عليه، العام 1974، ونفّذ فيه حكم الإعدام قضائياً بعد إدانته، وهنا نعرض أبرز معالم هذه الرسالة.

 صالح سرية

الرسالة مقسمة إلى عدة فصول هي: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل والأنبياء، والإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان باليوم الآخر، وقسّم الناس قبل فتح مكة إلى مسلمين وكافرين، وعقب الفتح إلى 3 أقسام، حيث أضاف المنافقين؛ إذ اعتبر أنّ الإيمان له ظاهر وباطن، وأنّ المنافقين من يطبقون ظاهر الإسلام ويبطنون الكفر.

اقرأ أيضاً: مذكرات منشق داعشي.. ماذا جاء فيها؟

هنا لم يختلف سرية عن كثير من علماء الإسلام قديماً وحديثاً، لكنه اختلف فيما كتبه فيما بعد، إذ اعتبر أنّ المعاصرة تقتضي إضافة تعريف جديد للنفاق، وإضافة فئات معاصرة لفئة المنافقين، وهم من يحيطون بأي سلطة سياسية، واعتبر أنه "بعد وفاة الرسول قل اهتمام المسلمين أو انعدم بدراسة أحكام المنافقين في الإسلام، ذلك أنّ الأحكام إنما تدور على ظاهر الإنسان ولا تفتش من باطنه، ولذلك أجروا على المنافقين حكم الإسلام لأننا لا نعرف الباطن، وكانت العقيدة الإسلامية في عهد رسول الله والخلفاء الراشدين وفي الدولة الإسلامية بصفة عامة بسيطة جداً لا تتعدى الإيمان بالشهادتين، وينبثق عنها الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله دون تعقيد ولا فلسفة ولا تعمق، والآن الأمور أعمق من الماضي".

اتهم صالح سرية السابقين له أنّهم كتبوا في مسائل العقيدة متغاضين عن الكثير من القضايا، وأنّ هناك عوامل قد استجدت غيرت ما كان يجري هي: الترف العقلي، الذي بدأ يتوسع ويتعمق في فهم الكتاب والسنة مع دخول الفلسفات المختلفة من يونانية وهندية وفارسية إلى اللغة العربية، والتوسع في دراسة الأديان المقارنة مما فتح كثيراً من القضايا التي كان يمـر عليها الـصحابة مرور الإيمان والتسليم دون تعمق ولا تقطع، ودخول الزنادقة في المعركة، وهم من المجـوس وغيرهم ممن لم يستطيعوا محاربة الإسلام علنا، فأظهروه وأرادوا هدمـه من الداخل عن طريق تشكيك المسلمـين بدينهـم، وأخيراً تبلور المذاهب السياسية التي نشأت في نهاية الخلافة.

اقرأ أيضاً: حركية الإخوان الجديدة.. هل تعني إلغاء منهج حسن البنا؟

اعتقد سرية أنّ هناك قضايا إيمانية عقدية جديدة قد نشأت، والأجيال توارثتها من علماء كابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن عبدالوهاب، وإنّ رسالته هي أول رسالة من نوعها في تشخيص الكفر الذي وقـع فيـه المسلمون عن علم أو عن جـهـالة بسبب الظروف الجديدة التي وقعوا فيها، ودراستها أهم ألف مرة عن دراسة قضايا العقيدة التي كتبت في الماضي لأن تك القـضـايا لا وجـود لها اليوم، قائلاً: تميزت المذاهب وأصـبح لكل منها قـواعده الخاصة ورجاله وطرق نقله، مما أوجد بالضرورة خلافات في مسـألة العقيدة على أنّ هذه الخلافات كـانت خلافات نظرية لا صفات الله وتأويلها أو عدم، ولقد كـان الخلاف على أشـده في العصور العباسية الأولى بسبب انتشار الثقافة يوم ذاك.

أكد سرية أنّ المعاصرة تقضي إضافة تعريف جديد للنفاق وفئات معاصرة لفئة المنافقين

ويتابع: فلما سادت عصور الجهل تقلصت الخلافات، لكن نشـأت قضايا جديدة في العقيدة تتناسب مع هذه الفتـرة إذ عمت الطرق الصوفية العـالم الإسلامي من شـرقه إلى غربه، وانتشـر التـوسل بالأولياء والصـالحـين وما شـابه ذلك. فنشأت طائفة من العلماء والسلفيين تصف هذه الأعمال بالشرك، وزادت الأبحاث في هذه المـوضوعات بين من يدافع ومـن يهاجم. وكان من أبرز المهاجمين "ابن تيمية" وتلميذه ابن قيم الجوزية من السابقين ومحـمد بن عبـد الوهاب من المتأخـرين، وبقيت كل كتب العقيدة إذن محصورة إما بما استقر عليه الأمر من محاولات في زمن الدولة العباسية، أو مـا استقـر عليه الأمـر من كتب ابن تيمية وأتباعه إلى نهاية الدولة العثمانية.

اقرأ أيضاً: عبدالغني هندي: التجديد الديني إشكالية لا تتعلق بالأزهر وحده

على نهج سيد قطب حكم صالح سرية بالردة على المجتمعات الحالية، وقال إنّ لذلك مقومات، "أهمها أنّ الناس لم ينقادوا لحكم الله، لذا فإنهم يشبهون اليهود الذين يعرفون صدق الرسول لكنهم لم يؤمنوا به، وعليه فإنّ كل الأنظمة وكذلك كل البلاد الإسلامية التي اتخذت لها مناهج ونظماً وتشريعات غيـر الكتاب والسنة، قد كفرت بالله واتخذت من نفسهـا آلهة وأرباباً، وكل من أطاعها مقتنعاً بها فهو كافر؛ لأنه اتخذ له رباً سوى الله، وهذا الكفـر الجديد أشد كفراً من مشركي الجاهلية".

يضرب سرية مثلاً برجل يمسك مسدساً وبطفل يمسك قشة، ويقول هنا لا بد ألّا ألتفت للطفل، وأنتبه إلى من يحمل السلاح، أي إنّه لن يحسب حساباً للبشر وسيواجه العالم بحقيقة مخالفتهم لله، وأنّهم لم يستأنفوا الحيـاة الإسلامية، وأنّ من واجبه إزالة الكفـر الموجود في الأفـراد والمجتمع والدولة.

اقرأ أيضاً: هل يظهر تنظيم داعش في تايلاند؟

الغريب أن صالح سرية طلب في رسالته تدقيق ما ورد في التراث الديني والتاريخي، ومنها مراجع كبيرة ترجع إليها كل التنظيمات الإسلاموية تقريباً خاصة في تفسير القرآن الكريم، مرجحاً الاعتماد فقط على ابن كثير وظلال القرآن لسيد قطب، قائلاً: "أنا لا أقصد إلغاء كل التراث الإسلامي في التفسير وعلوم القرآن، لكن علينا أن نتجنب في ذلك ما يلي، تفسير أهل الأهواء بالنسبة لآيات العقائد مـثـل كتـاب الكشاف الزمخشري، تفسيرات الفقهاء لآيات الأحكام لأن كل فقيه يطوع الآية، ولعل خير التفاسير التي يمكن الرجوع إليها كتاب، ابن كثير أو كتاب الظلال".

على نهج سيد قطب حكم بالردة على المجتمعات الحالية لعدة أسباب أهمها عدم الانقياد لحكم الله

لم يرجح سرية في رسالته كلمة العقيدة، وفضل عليها كلمة الإيمان، معتبراً أنّ كثيراً من المسلمين في هذا القرن "وقعوا في الكفر بسبب عـقـيـدتهم ومن هؤلاء المسلمين قـوم متدينون"، والسبب في ذلك، وفقَه، أنّهم نظروا إلى التاريخ نظرة وطنية أو نظرة قومية، وليس نظرة إسلامية فضلّوا أو أضلوا، حيث إنه لا إيمان بغير معرفة الحديث النبوي الشريف.

اقرأ أيضاً: نماذج قادها التحريض الإخواني إلى الهلاك.. تعرف إليها

إنّ صالح سرية في رسالته يدور في فلك واحد وهو أنّ المؤمن الحق عليه أن يستشهد في سبيل الله، وهذا من الغرابة، قائلاً: الذي يهـرب من الشـهادة لا يمكـن بحال من الأحـوال أن يكون مؤمناً بالمعنى الذي أشـرت إليه حين ضـربت المثل بالسجن والتعذيب فيه، والفرق بين جيل الصحابة والأجيال المتدينة الحالية يظهـر واضحـاً في هذه القضـيـة ولا يحتـاج لضرب الأمثلة من حـرص الصحــابة على الشهادة (ركضاً إلى الله بغير زاد)، وتوضيح هذه النقطة من الإيمان باليوم الآخر هي التي يجب أن تتركز عليـها التربية الإسلامية.

تعد رسالة الإيمان لصالح سرية من التنظيرات الفكرية القليلة التي أثرت كثيراً في مسيرة التنظيمات الإسلاموية

ليس غريباً بكل تأكيد أن يحكم سرية على السلطات في جميع بلاد الإسلام بالكفر، لكننا ننقل قوله هنا لنؤكد ما ذهب إليه: "إنّ الحكم القائـم اليوم في جميع بلاد الإسلام هو حكم كـافر فلا شك في ذلك، والمجتمعات في هذه البلاد كلهـا مجـتمـعات جـاهلية"، مضيفاً: "من رضي وتابع (أي الحكم) فهو كافر ومن كره وعمل على التغيير فهو المؤمن، يستوي في ذلك أكبر رأس مع أقل فرد".

وحكم سرية على الأحزاب العقائدية كالبعث والشيوعية والاتحاد الاشتراكي والقومية، وجمعيات الليونز والروتاري والماسونية، ومعتقدي الفلسفة الوجودية والمادية والبراجماتية ومبادئ الديمقراطية والرأسمالية والاشتراكية والوطنية والقومية، والقضاة والضباط والمحققين والصحفيين والمخبرين أنّهم كفار.

اقرأ أيضاً: طارق أبو هشيمة: الفتوى أخطر أسلحة التنظيمات الإرهابية

كما وضع الأحزاب الإسلامية التي تعمل من خلال الديمقراطية في زمرة المؤمنين، وكذا المسلمين الذين يدخلون سرياً في زمرة السلطات من أجل التغيير ومساعدة الفئة المؤمنة من طائفة المؤمنين، قائلاً: إذا كـان العلن غيـر ممكن يجـوز للشـخص أن يدخل في مختلف اختصاصات الدولة بأمر من الجماعة الإسلامية، ويستغل منصبه لمساعـدة هذه الجماعة للحصول على السلطة أو للتخفيف عنها في حـالة المحنة، أو لقيادتها بأي طریق، ولا مـانع أن يصبح إذا لم يكن في أي جماعـة إسـلامية لعـدم اقتناعه بأي جماعة من الجماعات التي اتصلت به لكنه مؤمن بكل المبادئ، لكنه عاد وحكم بالكفر على من والى الحكومـات الكافـرة والأحزاب والجماعات الكافرة ضد الجماعات الإسلامية، وفق قوله.

اقرأ أيضاً: إبراهيم ربيع: الإخوان المسلمون كيان وظيفي يعمل بالوكالة

ختم سرية رسالته بحديثه عن الطقوس المخالفة للإيمان، وعدد منها: ( أ ) تحية العلم (ب) السلام الجمهـوري، أو الملكي أو الأميري (جـ) تحيـة قبـر الجندي (د) المذاهب مثل الرأسمالية والاشتراكية، وفي نهايتها وضع 3 قواعد للتكفير، الأولى ترتكز على أنّ الإيمان بالله يقتضي بأنه وحده الذي يرسم منهاج الناس وشرائعه، وعلى البشر أن يسيروا وفق ما شرع الله، وإلا فإنّهم كفار، فمن رفض هذه القواعد فهو كافر، والثانية أن من قصر الإسلام على العبادة، وأعطى الحرية لنفسه في أن يختار النظام الذي يريده أو حارب تدخل الإسلام في السياسة فقد كفر، والثالثة أن أركان الإيمان هو "الإقرار بالجنان، والتكلم باللسان، والعمل بالأركان" فمن يختل ركن واحد لديه يُحكم عليه بالكفر

الصفحة الرئيسية