مذبحة سومغايت المنسيّة.. عندما تعمّد الأرمن بالدم في أذربيجان

مذبحة سومغايت المنسيّة.. عندما تعمّد الأرمن بالدم في أذربيجان

مشاهدة

12/11/2020

قبيل سنوات من اندلاع الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، حول إقليم ناغورنو كاراباخ، دارت وقائع مذبحة دموية، ربما مهدت الطريق لتجدد الصراع حول الإقليم المتنازع عليه، ففي 20 شباط (فبراير) من العام 1988، طلب نواب مجلس الحكم الذاتي في إقليم ناغورنو كاراباخ، ذي الأغلبية الأرمينية، من مجلس السوفيات الأعلى باتحاد الجمهوريات الإشتراكية، بالانفصال الإداري من التبعية السياسية لأذربيجان السوفياتية آنذاك، والانضمام إلى أرمينيا السوفياتية أيضاً، باعتبار الإقليم من الناحيتين؛ التاريخية والديموغرافية، أقرب ما يكون إلى أرمينيا، حيث إنّ التركيبة السكانية يغلب عليه عرقية الأرتساخ الأرمن، والذين جرى فصلهم بشكل تعسفي عن أرمينيا، في عهد ستالين، الذي اتبع سياسة التفتيت الإثني، ومن ثم وضع الأرتساخ تحت الهيمنة الأذريّة.

كانت سياسات الرئيس السابع والأخير، ميخائيل غورباتشوف، بمثابة رصاصة الرحمة لكيان ميت من الناحية الإكلينيكية

 كان الاتحاد السوفياتي، ككيان سياسي، في طريقه نحو التحلل الذاتي ومن ثم التفكك، وقد بدت عليه عوامل الانهيار الحاد، مع تفكك قبضة الحكومة المركزية، وتراجع قوة الحزب الشيوعي، حيث كانت سياسات الرئيس السابع والأخير، ميخائيل غورباتشوف، بمثابة رصاصة الرحمة لكيان ميت من الناحية الإكلينيكية، وهو ما أدركته السلطات الأذريّة، والتي عمدت إلى التنكيل بالأرمن، وعقابهم على طلب الانفصال عن أذربيجان.

مذبحة سومغايت تستدعي آلام الأرمن من جديد

أطلقت السلطات المحلية في باكو، عاصمة أذربيجان، عدة مظاهرات مناهضة للأرمن، شهدت أعمال عنف مروعة، بلغت ذروتها في بلدة سومغايت الساحلية، في 27 شباط (فبراير)؛ أي بعد أسبوع من مطالبة نواب ناغورنو كاراباخ بالانفصال، وتسارعت وتيرة أعمال النهب واقتحام منازل الأرمن، في ظل تواطؤ الشرطة المحلية، التي تجاهلت حماية المواطنين، وعند المساء، كانت جثث عشرات الأرمن ملقاة في طرقات مدينة سومغايت، حيث أطلقت عصابات أذريّة مسلحة كان يقودها شخص يدعى، أحمد أحمدوف، النار على المواطنين العُزّل، عقب إغلاق الطرق الرئيسية، وتدمير محال تابعة للأرمن، وشهدت المدينة أحداثاً مؤسفة، تضمنت أعمال قتل وسحل في الطرقات، باستخدام العصي والقضبان الحديدية، بالإضافة إلى أعمال الاعتداء الجنسي بصورة مؤسفة، بلغت حد الاغتصاب الجماعي، وقدّرت مصادر غربية عدد القتلى بنحو مئتي قتيل، قضوا في يوم واحد، بالإضافة إلى اعتداءات أخرى شهدتها مناطق باكو وكيروفاباط وغيرها من المدن التي يقطنها الأرمن.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة توجه شباب من أرمن لبنان إلى أرمينيا للانضمام للجيش؟

تواصلت أعمال الشغب إلى اليوم التالي، ما دفع الحكومة السوفياتية إلى إرسال وحدة عسكرية، فشلت في إحتواء الموقف، ما اضطرها يوم 29 شباط (فبراير)، مع تصاعد عمليات الإبادة، إلى الدفع بتعزيزات عسكرية ضخمة، شملت آليات مدرعة، وفرقة من مشاة البحرية السوفياتية، التابعة لأسطول بحر قزوين، وقوات مظلّية محمولة جواً، بالإضافة إلى قوة عسكرية ضخمة بقيادة الجنرال كراييف، والذي أصدر أوامره بنقل الأرمن وعزلهم في مكان آمن، قبل أن ينجح أخيراً في السيطرة على الوضع المنفلت، في المدينة الواقعة على بعد 36 كم من العاصمة باكو.

تداعيات المذبحة وسيناريوهات التواطؤ

يقول أحد شهود العيان، ويدعى كارين، لوكالة يورونيوز: "لقد كان أمراً مروعاً حقاً، كانوا يحرقون الناس أحياء، ويغتصبون النساء، وحتى الأطفال، لا أتمنى، ولو لألدّ أعدائي، ما عانيناه خلال تلك الأيام الثلاثة، في سومغايت".

في أعقاب الهدوء الحذر، شنت الحكومة السوفياتية حملة اعتقالات واسعة، شملت نحو أربعمئة شخص، أدين العشرات منهم جنائياً، أمام المحكمة السوفياتية العليا، في العاصمة موسكو، وصدرت أحكام بالسجن المشدّد على بعض المدانين، كما صدر حكم بالإعدام على، على أحمدوف، المتورط في قيادة العصابات المسلحة الأذرية.

اقرأ أيضاً: 30 دولة تعترف بالإبادة العثمانية للأرمن: هل ثمة أكاذيب أخرى لدى أنقرة؟

ورغم هذه الأحكام، فإنّ البعض يرى أنّ الحكومة السوفياتية تواطأت عن قصد في أحداث المذبحة، وأنّها غضت الطرف عن تحريض السلطات الأذرية على الأرمن، واكتفت بعزل عمدة المدينة، ورئيس الشرطة، رغبة في وأد تطلعات الأرتساخ نحو العودة إلى الوطن الأم، وتثبيتاً للوضع في ناغورنو كاراباخ، لأنّ فتح الملفات الإثنية في هذا التوقيت الحرج، كان سيجر على الحكومة المركزية كوارث حقيقية، فيما يتعلق بحقوق إثنيات أخرى على امتداد الدولة السوفياتية.

وأكد آخرون أنّ السلطات المحيلة تعمّدت إخفاء آثار الجرائم التي جرت، ومنعت كثيرين من تقديم شهاداتهم، تحت مرأى من الحكومة المركزية في موسكو، كما سمحت بخروج تظاهرات تطالب بالإفراج عن المدانين، ضمن حمّلة "الحرية من أجل أبطال سومغايت.

اقرأ أيضاً: "لمواجهة سيطرة الأرمن".. كيف أسست تركيا جيش أذربيجان؟

يقول العالم النووي الروسي، والناشط الحقوقي الملقب بضمير الأمّة، أندريه ساخاروف، في رسالة وجهها، عقب المذبحة، إلى الرئيس السوفياتي، ميخائيل غورباتشوف: "لو كان أحد قبل مذبحة سومغايت يرتاب في أنّ أذربيجان، قد يكون لها الحق في ناغورنو كاراباخ، فبعد هذه المأساة، لا أحد لديه حق أخلاقي للإصرار على ذلك".

هذا وقدّر الصحافي الروسي بوكالة كلاسنوست، أندريه شيلكوف، عدد القتلى الأرمن بنحو 350 قتيلاً على الأقل، في واحدة من أفظع المذابح العرقيّة، وإن تلتها مذابح أخرى، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، واندلاع القتال بين أرمينيا وأذربيجان، حول إقليم ناغورنو كاراباخ، أبرزها مذبحة قرية ماراغا وخنلار وغيرها.

أدّت المذبحة إلى نزوح نحو 1200 عائلة أرمينية من سومغايت، وجرت عمليات نزوح مشابهة في عدة قرى ومدن أذريّة

أدّت المذبحة إلى نزوح نحو 1200 عائلة أرمينية من سومغايت، وجرت عمليات نزوح مشابهة في عدة قرى ومدن أذريّة، حيث تقدر مصادر مجموع عدد النازحين الأرمن من أذربيجان، بنحو نصف مليون شخص.

وفي السابع من تمّوز (يوليو) العام 1988، ندّد المجلس الأوروبّي بما اُقترف بحق المدنيين العزّل في سومغايت، وانتقد ما وُصف العمل الإجرامي، في بند واضح نصّ على أنّ: "المذابح الهمجية الّتي حصلت في سومغايت في شباط (فبراير) العام 1988، وكذلك الاعتقالات العشوائيّة في باكو، أمر يشكّل تهديداً للأرمن، وخطراً على عيشهم في ظل أذربيجان، التي يجب أن تحاكم على أعمالها".

اقرأ أيضاً: هل تكمل تركيا في "قره باغ" تصفية حساباتها مع الأرمن؟

كانت مذبحة سومغايت تجربة مبكرة، لما حدث في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، وضلوع أذربيجان في احتلال إقليم ناغورنو كاراباخ، والتهجير القسري للأرمن، مع الاستيلاء على بيتوهم وأموالهم، وشن حرب إبادة عرقيّة، حاولت تكرار فصولها في الأسابيع الأخيرة، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

الصفحة الرئيسية