ما دلالات التوافق الأمريكي الإيراني على الكاظمي رئيساً للحكومة العراقية؟

ما دلالات التوافق الأمريكي الإيراني على الكاظمي رئيساً للحكومة العراقية؟

مشاهدة

11/06/2020

لعلّ السؤال المطروح اليوم في العراق من قبل مختلف مكونات الشعب والمتابعين للمشهد العراقي هو حول قدرة رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي القادم من صلب المؤسسة الأمنية العراقية على الخروج بالعراق من الفوضى السياسية الناشئة، في ظل مشهد الاستقطاب بين الفاعلَين الأساسيَّين في البلاد، وهما: الولايات المتحدة وإيران، بالتزامن مع تحديات داخلية عنوانها: أزمة اقتصادية متفاقمة بعد انهيار أسعار النفط وتفشي الفساد منذ العام 2003، وأزمة مواجهة فيروس كورونا، وعودة تنظيم داعش في مناطق شمال وغرب ووسط العراق.

استراتيجية الكاظمي بإدارة الأزمة الداخلية والتعاطي مع الفوضى السياسية تستفيد من عدم انتمائه لأي من الأحزاب

من الواضح أنّ استراتيجية الكاظمي تقوم على إدارة الأزمة الداخلية، والتعاطي مع الفوضى السياسية في البلاد، مستفيداً من عدم انتمائه لأي من الأحزاب، وتقديم العراق بصورة جديدة جوهرها التوازن في علاقاته الخارجية وتحديداً بين واشنطن وطهران، وهي المقاربة التي حاول سلفاه؛ حيدر العبادي وعادل عبد المهدي، انتهاجها، ولم تحقق نتائج جادة تخرج العراق من الارتباط الوثيق مع الجانبين؛ إذ بقيت العلاقة مع طهران وواشنطن خاضعة لمراقبة الطرف الآخر، عبر اختراقات أمنية واسعة لمكونات الدولة العراقية ومؤسساتها، تقترب من كل طرف أو تبتعد عنه بمقدار تطورات الصراع بين الجانبين، وإرسال رسائلهما المشفرة عبر الساحة العراقية، عبر محطات آخرها مقتل  قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في العراق والرد الإيراني، وعبر الحشد الشعبي العراقي الموالي لإيران بتوجيه ضربات للقواعد الأمريكية في العراق.

اقرأ أيضاً: إغلاق مقار العصائب في العراق.. هل الخزعلي خائف أم مفلس؟
تسريبات متوالية ترجّح وبقوة أنّ هذا التوافق على تسمية الكاظمي رئيساً للوزراء، ما كان ليتم لولا أنّ هناك تفاهماً إيرانياً – أمريكياً قد تم إنجازه، جاء في ظل حاجة طهران ومن بعدها واشنطن لإنجازه، ربما لم يصل لمستوى الصفقة الكاملة بين الجانبين، لكن العراق أحد أهم الساحات التي يمكن من خلالها قراءة مستوى العلاقة بين طهران وواشنطن، ويبدو أنّ سياقات وتداعيات الأزمات الإيرانية دفعتها للقبول بحلولٍ وسط تضمن الحد الأدنى من مصالحها في العراق، وهو ما لا تعارضه واشنطن في إطار استراتيجيتها القائمة على تغيير سلوك "النظام الإيراني" وليس إسقاطه، خاصة وأنّ واشنطن تدرك قدرة إيران بالمشاغبة على مشاريعها في المنطقة بسوريا ولبنان، وفي فلسطين واليمن ودول الخليج.

اقرأ أيضاً: طرق جديدة.. هكذا يحاول تنظيم داعش الوصول إلى الجماهير العراقية
إجراءات الكاظمي ورسائله، خاصة ما يتعلق منها بالوقوف إلى جانب المتظاهرين، وتشكيله الحكومة العراقية دون الدخول في دوامة موافقة الأحزاب السياسية، ووعوده بمكافحة الفساد في أوساط النخبة السياسية، وإرسال إشارات حول توازن بالعلاقات مع طهران وواشنطن، بالإضافة إلى دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، جميعها سياسات قوبلت بارتياح مشروط من قبل الرأي العام العراقي، الذي سبق وتلقى وعوداً مكررة منذ العام 2003، فيما استمر الفساد وتراجع الاقتصاد وتفاقمت الأزمات بما فيها المرتبطة بالخدمات، بالتزامن مع قناعات بأنّ المشروعين؛ الإيراني والأمريكي لا يهدفان لمساعدة الشعب العراقي على تحقيق آماله بالإصلاح والتنمية.

التوافق على الكاظمي يرسل رسالة أنّ حل الصراع بساحات المنطقة يكمن بتوافق واشنطن وطهران

ورغم تعدد سيناريوهات احتمالات وإخفاقات الكاظمي في إنجاز استراتيجيته الإصلاحية على الصعيدين؛ الداخلي والخارجي، إلا أنّ المرجح أنّه قد يتمكن من تحقيق انفراجة في بعض القضايا الداخلية، من بينها الوضع السياسي الداخلي، بما يؤسِّس لمشهد تقل فيه مظاهر الفوضى السياسية، وبمستوى أقل فيما يتعلق بمواجهة الفساد، وتحقيق إنجازات على صعيد تقديم خدمات أفضل، فيما ستبقى مواجهة الإرهاب وتنظيم داعش عقبة، خاصة وأنّ ازدياد منسوب نشاطات التنظيم وانخفاضها أصبح خاضعاً لحسابات الصراع الأمريكية الإيرانية، وبالتزامن مع ذلك ستبقى قضية الوضع المستقبلي لفصائل الحشد العراقي الموالية للقيادة الإيرانية إحدى العقبات، بما في ذلك احتمالات دمجها بقوات الجيش العراقي والأجهزة الأمنية.

اقرأ أيضاً: هل فقدت إيران نفوذها في العراق؟ تقرير لـ"تلغراف" يجيب
أما على صعيد العلاقات العراقية مع طهران وواشنطن فإنّ الكاظمي سيبقى أسيراً لثنائية الصراع بين الجانبين، وتطوراته المستقبلية، خاصة وأنّ طهران وواشنطن تملكان الأدوات الكفيلة بإنجاح الكاظمي أو إفشاله، تبعاً لمصالح الطرفين، ومن المؤكد أنّ توافقهما على الكاظمي لن يكون اتفاقاً نهائياً بخصوص العراق، وربما لا يتجاوز مفاهيم تبادل الرسائل الإيجابية، في إطار تهدئة شاملة بين طهران وواشنطن ورهانات لكليهما على مفاوضات وصفقة سيتم إبرامها مستقبلاً، ويبدو أنّ مؤشرات إنجازها تزداد عبر تراكمات تؤكد أنّ إيران تقترب منها يوماً بعد يوم.

اقرأ أيضاً: العراق يطلق عملية واسعة لملاحقة "داعش" في كركوك
التوافق على الكاظمي يرسل رسالة تدركها طهران وواشنطن أنّ حل الجوانب الأهم في الصراع بساحات العراق وسوريا ولبنان واليمن يكمن بتوافق العاصمتين، وليس بالقوى والأدوات التي تنفذ أجندات العاصمتين في هذه الساحات، ويبدو أنّ إيران أدركت أنّ تفاهماً مع أمريكا يضمن الحفاظ على النظام الإيراني، ويحقق الحد الأدنى من طموحاته أفضل بكثير من استمرار العداء مع واشنطن "فهذا النمر الجريح ما زال قادراً على إلحاق الأذى بخصومه"، وهو ما ينبغي على دول الخليج أن تأخذه بالحسبان، فأمريكا "ليس لها أعداء ولا أصدقاء إنّما لها مصالح".


الصفحة الرئيسية