ما أبرز الخيارات والسيناريوهات المتوقعة لمستقبل أحزاب الإسلام السياسي العربية؟

ما أبرز الخيارات والسيناريوهات المتوقعة لمستقبل أحزاب الإسلام السياسي العربية؟

مشاهدة

25/10/2021

"في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء... ما لحزب قد عملنا نحن للدين فداء... فليعد للدين مجده... أو ترق منا الدماء"، كانت هذه من أشهر الشعارات التي رددها عناصر جماعة الإخوان المسلمين خلال مرحلة أوج صعودها في أعوام السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كلمات ذات طابع ملحمي ما لبثت أن تراجعت أمام التحديات التي فرضها واقع المشاركة في الحكم، وسرعان ما آلت إلى الخفوت في إطار ما اصطلح على تسميته بـ "المراجعات". واليوم ومع تعاقب الفشل والخيبات وتسارع التساقط والانحسار لحضور تيارات وأحزاب الإسلام السياسي، في مختلف الدول العربية، من مصر إلى السودان، وتونس، والمغرب، تبرز التساؤلات: هل هي مرحلة مراجعات جديدة؟ أم ثبات؟ هل هي مرحلة تلاشٍ وأفول؟ أم إعداد وإعادة بناء؟

مصائر متفاوتة... خيار القبول والمساكنة

لا يمكن الحديث عن مصير واحد مشترك ستواجهه كافة الأحزاب الإسلامية والتيار الإسلامي في مختلف الدول العربية؛ بسبب تنوع الظروف واختلافها من بلد إلى آخر؛ إذ يبدو أنّ كُلاً من "حركة النهضة" في تونس، و"العدالة والتنمية" في المغرب، سوف يتجهان بشكل أكبر نحو القبول بالمستجدات والانتقال إلى مربع المساكنة مع السلطة وإعادة التموضع كأحزاب معارضة من داخل المنظومة الديمقراطية، وذلك مع محاولة الترميم وإعادة البناء التدريجي للقوى، وخاصّة على مستوى القاعدة الشعبية.

اقترنت تجربة الحكم باتخاذ مواقف منافية لما كانت الأحزاب الإسلامية تعلن عنه وتتبناه من مبادئ وشعارات

إلا أنّ الصعود مجدداً لن يكون بالمهمة السهلة، وذلك بعد طابع الفشل الذي اقترنت به تجربة الحكم التي استمرت 10 أعوام كاملة لكل منهما، وما صاحبها من نهاية حالة "المظلومية" التي كانت هذه الأحزاب تستند إليها في عملية التجييش والتجنيد وبناء القاعدة (خلال فترة وحالة الانسداد السياسي التي سادت في البلدين قبل العام 2011)، فضلاً عن التباس تجربة هذه الأحزاب بعد دخولها في السلطة وما اقتضاه ذلك من الانخراط في شراكات مع شخصيات وجهات تثور حولها شبهات الفساد، إضافة إلى اتخاذ مواقف غير شعبية أو منافية لما كانت هذه الأحزاب تعلن عنه وتتبناه من مبادئ وشعارات في خطاباتها وأدبياتها، مثل وقوف حزب العدالة والتنمية المغربي ضد "حراك الريف" في شمال المغرب، أو المصادقة على تشريع زراعة "القنب الهندي" (الحشيش)، وكذلك تأييده عملية التطبيع مع إسرائيل، كلّ ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى مزيد من الصعوبة في عملية إعادة بناء قاعدة جماهيرية واسعة، كما كان الحال عليه عندما وصلت هذه الأحزاب إلى السلطة في العام 2011.

خيار التعنّت... التشبّث ومحاولة تعزيز الوجود في "الخارج"

أمّا في الحالة المصرية، فيتمثّل الخيار الأول لجماعة الإخوان المسلمين في الاستمرار بحالة الإنكار للواقع المستجدّ وما فرضه من معطيات جديدة، والاستمرار باتخاذ مواقف متصلّبة ورافضة لتقديم التنازلات الكبيرة والمراجعات الشاملة. وفي ظلّ عدم وجود أي داعم أو حاضن من الدول العربية لهذه الجماعة فإنّ خيارها سيكون باتجاه التموضع في الخارج، وخاصّة في تركيا ودول أوروبا الغربية، والعمل على زيادة الحضور والتغلغل هناك.

 

اقرأ أيضاً: إلى أين تتجه سيناريوهات الصراع بجماعة الإخوان؟

وهذا بالفعل هو الوضع القائم حاليّاً، حيث تتوزّع الجماعة على جبهتين أساسيتين؛ فهناك مجلس الشورى العام لجماعة الإخوان المسلمين المصريين بالخارج والمتواجد في لندن بقيادة إبراهيم منير، وهناك جبهة تركيا بقيادة محمود حسين الأمين العام السابق للجماعة.

في ظلّ عدم وجود أي داعم أو حاضن من الدول العربية لجماعة الإخوان، فإنّ خيارها هو الاتجاه للتموضع في الخارج، وخاصّة في تركيا ودول أوروبا الغربية

وهنا يُلاحظ تراجع وغياب مسميات كانت معتمدة لدى أطياف من الإسلاميين، مثل الحديث عن ثنائية "دار الحرب" و"دار الإسلام"، وذلك مقابل زيادة التوجه نحو اعتبار أوروبا بمثابة "دار الدعوة"، وهنا يكون الحضور في هذه الدول على مستويات متعددة؛ من وجود الهيئة والتنظيم السياسي والإداري إلى العمل على تعزيز الحضور والنفوذ الاقتصادي، وكذلك الاستمرار في عقد فعاليات وتنظيم الندوات المعبّرة عن أفكار الجماعة ومواقفها، ويكون التركيز بشكل أساسيّ على الجهد الإعلامي والتركيز على تأسيس منصّات إعلامية ومحاولة الوصول والتأثير على الرأي العام في مصر والدول العربية والتجييش ضد أنظمة الحكم بحيث تصبح أقرب إلى حالة "المعارضة الخارجية".

غلاف ترويجي لحلقة على قناة الحوار تم فيها استضافة أبرز الوجوه الإعلامية الإخوانية

وتُعتبر بريطانيا الملاذ الأهمّ للجماعة، حيث يتجمع فيها عدد كبير من قادة التنظيم وأعضائه، وقد باتت لندن الوجهة المفضلة للإعلام المناصر للجماعة والمرتبط بها، وخاصّة في ظل التوجه التركي نحو التضييق على هذه المنصّات إثر توجه التقارب التركي مع مصر، وهنا تبرز نماذج عدّة لهذا الحضور الإعلامي هناك، مثل نموذج قناة الحوار، ومواقع ومنصّات أخرى مثل: "ميدل إيست مونيتور"، وموقع "عربي 21".

ليونة ومهادنة حذرة... محاولة التوصّل إلى صفقات

أمّا المسار الثاني المطروح أمام الجماعة المصرية، والذي قد يكون امتداداً للأول (باعتباره نزولاً عنه)، فهو إبداء شيء من المرونة، والقبول بعقد صفقات تسمح لهم بالعودة إلى المشهد من جديد، وإن كان ذلك سيكون بالتأكيد بزخم وحضور أقل حتى ممّا كان عليه الحال قبل العام 2011.

 

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون ولعبة الأواني المستطرقة.. كيف يبحث التنظيم عن بعث جديد؟

في هذا المسار فإنّ الجماعة تنتظر إشارات من قبل السلطة السياسية وخطوات تعبّر عن الرغبة في احتواء الإخوان، حيث تعود إلى المشهد السياسي لتبدأ مرحلة جديدة من محاولة إعادة الإعداد والبناء من جديد. ولتحقيق هذا السيناريو تنتظر الجماعة توفر ظروف خاصّة مثل الضغوط الخارجية التي تطالب بالإصلاح السياسي والانتقال إلى الديمقراطية، ممّا قد يدفع إلى تنازل نظام الحكم بعض الشيء، ويكون في هذا التنازل ما يفيد الجماعة، وهو ما بدأت المراهنة عليه في نهاية العام 2020 مع قدوم الرئيس الأمريكي جو بايدن.

قد تذهب جماعة الإخوان إلى خيار انتظار توفر ظروف خاصّة مثل الضغوط الخارجية التي تطالب بالإصلاح السياسي والانتقال إلى الديمقراطية

إضافة إلى العامل الخارجي، تكون المراهنة كذلك على استغلال الأزمات السياسية الداخلية، حيث تنتظر الجماعة وقوع أزمات سياسية، بما في ذلك من احتمال اندلاع حالات من التوتر الشديد وانتفاضات شعبية، ومن ثم تقوم هي باستغلال المشهد بغية جني المكاسب والدخول ضمن منظومة سياسية جديدة تتبع هذه الاضطرابات. وهنا تكون قدرة الدول على التنمية والبناء الشامل للاقتصاد والمجتمع هي الكفيل الأهم لتبديد أيّ فرص في الوصول إلى مثل هذه الأزمات، وما قد يترتب عليها من تبعات وارتدادات في النظام السياسيّ.

مراجعات محتملة... إعادة بناء وصياغة للتصوّرات والممارسة

إثر وصول عدد من الأحزاب الإسلامية إلى الحكم والمشاركة في مجالس النواب، في فترة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، تميّزت مرحلة التسعينيات كونها مرحلة "مراجعات" لدى التيار الإسلامي، وشملت تطوير المواقف المتعلقة بقضايا مثل المشاركة الديمقراطية والقبول بالتعددية الحزبية، والقبول بخروج المرأة إلى العمل، ومراجعة مسائل فقهية مثل "إقامة الحدود"، ونتج عن ذلك تبلور مواقف من قبل الجماعة مغايرة ومخالفة لما كان قد ظهر في مرحلة التأسيس النظري للجماعة منذ كتابات حسن البنا، وحتى كتابات ومراحل لاحقة كما في مساهمات كتّاب مثل المودودي، وسيد قطب، والهضيبي.

عنوان لحوار مع إبراهيم منير (القائم بأعمال المرشد العام للجماعة) نُشر بعد انتخاب جو بايدن نهاية العام 2020

ومنذ ذلك الحين بدأ الحديث يتزايد عن الانتقال إلى مرحلة "ما بعد الإسلام السياسي"، باعتبارها مرحلة جديدة تتميّز بتوجّه الأحزاب الإسلامية نحو تبنّي خطاب جديد يقوم على القبول بالحريات والتعددية السياسية، والتخلي عن شعارات إقامة "دولة الشريعة" و"استعادة الخلافة"، واستبدالها بأخرى تقوم على القبول بالدولة الديمقراطية والمدنية، مع السعي لجعلها ذات "مرجعية" إسلامية، على مستوى الهوية والقيم والتشريعات.

 

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: مناورات عبثية في تونس وتسريحات داخلية في المغرب

إلا أنّ مثل هذه المراجعات لم تصل مداها الكامل ولم تنتشر لتشمل الطيف الأوسع من التنظيمات الإسلامية ومنتسبيها، وهو ما ظهر وثبُت ذلك خلال تجربة الأعوام الـ10 (2011-2021)، كما كان في حالة الوصول إلى الحكم بمصر وكيف استمرّ التعامل بمنطق التغلّب على الحكم لا المشاركة فيه، مع تقديم التنظيم والولاء له على "الدولة" ومصالحها. إضافة إلى استمرار عدد من الأحزاب الإسلامية بالتمسّك في صيغ وهياكل متجاوزة لحدود الأوطان من قبيل "التنظيم الدولي"، عدا عن التوجّه لإقامة العلاقات الدولية بشكل متجاوز للأطر الرسمية، وعلى أساس من الولاء التنظيمي، كما ظهر مثلاً في العلاقات الخاصة التي كان يقيمها حزب النهضة التونسي أو حزب "العدالة والبناء" الليبي (وما يزال) مع حزب العدالة والتنمية في تركيا.

باتت الفئات الشابّة المحافظة تتجه لبناء ذاتها بشكل مستقل وبعيداً عن الارتباطات التنظيمية

وبعد الانهيارات والهزائم الأخيرة، يُطرح السؤال مجدداً حول إمكانية الاتجاه نحو التكيّف مع المعطيات الجديدة، وتجاوز التصوّر الأداتي "الوصولي" للديمقراطية باعتبارها فقط مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، والانتقال إلى طور التعامل معها باعتبارها منظومة، وحيث تتبلور مرحلة جديدة من المراجعات الشاملة تتجه الأحزاب الإسلامية على إثرها لتوطين تنظيماتها وأنشطتها ولتكون مرتبطة بالنظام السياسي للدولة وضمن الإطار الوطني وانطلاقاً منه، وليكون التحوّل نحو نموذج من الأحزاب "المحافظة" اجتماعياً ذات المرجعية القيمية الإسلامية، كما هو نموذج الأحزاب "الديمقراطية المسيحية" في أوروبا.

مصير مرتقب... انحسار وأفول

السيناريو الأخير، وفي حال عدم التوصل إلى تسويات جديدة مع أنظمة الحكم (بالنسبة إلى الأحزاب المتصادمة مع الأنظمة)، وفي حال عدم القدرة على بناء القواعد والتمدد من جديد (بالنسبة إلى التيارات التي هي في مربع المساكنة والمهادنة)، فإنه لا يمكن الجزم والقول إنّ المصير سيكون النهاية التامة والحتمية بقدر ما يعنيه تكرّس هذه الحالة ضمن المدى الزمني الأبعد، من تحول إلى أحزاب أقل انتشاراً في المجتمعات، ينحصر المصوتون والمنتمون لها ضمن الفئات العمرية الأكبر سناً، ممّن انتموا إليها وعايشوا المراحل السابقة لهذه الأحزاب، في حين تكون قدرتها على استقطاب الفئات العمرية الأحدث سناً أقل بكثير، ويبقى ذلك محدوداً في إطار "توريث" العقائد السياسية، وضمن أطر القرابة والأسر الضيقة، تماماً كما هو الحال الذي انتهت إليه معظم الأحزاب اليسارية في العالم العربي.

تسببت أعوام الحكم بفقدان البريق والجاذبية والرأسمال الرمزي الذي راكمته جماعات الإسلام السياسي طيلة أعوام المعارضة

يأتي جانب أساسيّ من فقدان الجاذبية اليوم - وخلال المرحلة القادمة - ضمن نتائج وتبعات الوصول إلى السلطة، وما أنتجه ذلك من نهاية خطاب الاضطهاد والمظلومية (وهو الخطاب الذي كان له الدور والفعالية في التجنيد والاستقطاب)، كذلك بسبب الفشل في تلبية الوعود والشعارات خلال مرحلة الوصول إلى الحكم والمشاركة فيه، خاصّة في حالة مثل تونس والمغرب، حيث امتدت المشاركة لمدة طويلة، في حين لم تسفر عن  محاربة فعلية للفساد أو تقليل ملحوظ لنسب البطالة مثلاً.

لقد تسببت أعوام الحكم بفقدان البريق والجاذبية والرصيد والرأسمال الرمزي الذي راكمته جماعات الإسلام السياسي طيلة أعوام المعارضة؛ إذ إنّ هذه المشاركة كانت تعني وضع اليد مع من كانوا يوصفون بـ "الفساد"، وتبنّي مواقف صادمة للقواعد ومتعارضة مع الخطابات المعلنة، من قبيل سكوت وموافقة "العدالة والتنمية" في المغرب على "التطبيع".

اقرأ أيضاً: هل ينتهي صراع الإخوان باغتيال أحد الخصمين؟

إزاء ذلك، باتت الفئات الشابّة المحافظة والمتديّنة تتجه اليوم لبناء ذاتها بشكل مستقل، وتحت عناوين عريضة كـ "خدمة المشروع الإسلامي"، وبعيداً عن الارتباطات التنظيمية. وقد ينشأ عن هذا التوجه الجديد تأسيس كيانات جديدة، ولكنها كيانات بطابع مختلف وقواعد جديدة، بعيدة عن البناء العقائدي المغلق، أو الهيكل الهرمي الصارم، وترتكز بشكل أساسي على المشاريع ذات الطابع الفكري والإعلامي أو الخيري والاجتماعي.

تبقى ظاهرة الأحزاب الإسلامية العربية من الظواهر المركّبة والمتشعّبة التي يصعب اختزالها وحصرها في أبعاد معدودة. ونظراً لارتباطها بسياقات متعلّقة بمرحلة ما بعد الاستعمار ومعضلات الدولة الوطنية وتحديّات تشكل الهوية وبناء المؤسسات، وارتباطها كذلك بمستويات الجهل وضعف التنمية والفقر واختلال توزيع الثروات، فإنه يصعب الحديث عن نهاية حتمية وشاملة لكل أشكالها، وإنما يبقى باب البحث والتساؤل مشروعاً حول طبيعة هذه الأشكال وحدودها والاتجاه العام الذي تنحو للسير ضمنه.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية