مارين مارشال تُحذر من تمدد الإخوان داخل أوروبا: مطالبات بإجراءات برلمانية حاسمة

مارين مارشال تُحذر من تمدد الإخوان داخل أوروبا: مطالبات بإجراءات برلمانية حاسمة

مارين مارشال تُحذر من تمدد الإخوان داخل أوروبا: مطالبات بإجراءات برلمانية حاسمة


08/10/2025

أعادت البرلمانية الفرنسية مارين مارشال ملف نفوذ جماعة الإخوان المسلمين داخل المؤسسات الأوروبية إلى واجهة النقاش، بعد أن وجهت رسالة رسمية إلى رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا دعت فيها إلى تحقيق برلماني وإجراءات واضحة للحد من تغلغل الجماعة في أطر العمل الأوروبي.

وتأتي هذه المطالبة عقب الجدل الذي أثاره اجتماع عقده البرلمان الأوروبي في 22 أيلول (سبتمبر) الماضي لمنظمة "فيميسو"، منتدى المنظمات الأوروبية للشباب والطلاب المسلمين، وهي منظمة شبابية تُقدَّم بوصفها صوت المسلمين في أوروبا، لكنّها بحسب اتهامات مارشال تمثل الواجهة الشبابية لجماعة الإخوان المسلمين.

وقالت مارشال في رسالتها: إنّ السماح لهذه المنظمة بعقد اجتماع رسمي داخل البرلمان الأوروبي يؤكد حجم الاختراق الذي تمارسه الجماعة عبر واجهات مدنية، معتبرة أنّ ما جرى يمثل مؤشراً مقلقاً على تنامي التأثير الإيديولوجي للإسلام السياسي داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وأشارت النائبة الفرنسية إلى أنّ مظاهر الاجتماع، التي شملت ارتداء الحجاب والكوفية الفلسطينية ورفع شعارات تضامن مع غزة، لا يمكن فصلها عن البُعد السياسي والإيديولوجي الذي تسعى الجماعة إلى تمريره من خلال هذه الفعاليات.

واعتبرت أنّ هذه الرموز تم توظيفها لإيصال رسائل سياسية مقنّعة داخل مؤسسة يفترض أن تكون محايدة في قضايا الهوية والدين.

واستندت مارشال في موقفها إلى تقرير سابق لوزارة الداخلية الفرنسية، خلص إلى أنّ منظمة "فيميسو" تعمل ضمن شبكة من الكيانات المرتبطة بالمجلس الأوروبي للمسلمين، وهو كيان يُعتقد أنّه يُستخدم كمنصة لتوسيع نفوذ الجماعة في أوروبا عبر خطاب معتدل ظاهرياً، لكنّه يخدم أهدافاً تنظيمية وفكرية على المدى الطويل.

وحذّرت مارشال من أنّ تسامح البرلمان الأوروبي مع منظمات تحمل أجندات إسلاموية يفتح الباب أمام تسويق خطاب ديني ذي طابع سياسي، يمكن أن يتحول إلى وسيلة لاختراق مؤسسات القرار وصياغة مواقف مؤثرة في السياسات العامة للاتحاد.

وأكدت أنّ هذا المسار يشكّل، بحسب تعبيرها، تهديداً مباشراً للقيم التعددية والعلمانية التي يقوم عليها المشروع الأوروبي.

 

باريس تواصل تضييق الخناق على التنظيمات الإسلاموية

تزامنت تصريحات مارين مارشال مع استمرار الخط الحكومي الفرنسي في مواجهة ما تصفه باريس بالإسلام السياسي وشبكات الإخوان.

فمنذ عام 2020 أطلقت السلطات الفرنسية سلسلة من الإجراءات تهدف إلى تفكيك البنى الإدارية والتنظيمية للجماعة داخل الأراضي الفرنسية، ضمن استراتيجية وُصفت بأنّها طويلة المدى وتندرج تحت عنوان مكافحة الانفصالية.

وتتمثل هذه السياسة في مزيج من القوانين والممارسات الإدارية التي تشمل مراقبة مصادر تمويل الجمعيات الدينية والثقافية، وإلزامها بالإفصاح المالي الكامل، إلى جانب فرض رقابة على المدارس الخاصة التي تدار من قبل جمعيات إسلامية.

وجرى تشديد الإجراءات الخاصة بترخيص المساجد وتعيين الأئمة، حيث يتم التأكد من عدم تلقي أيّ دعم خارجي يمكن أن يُستغل في نشر خطاب موازٍ لقيم الجمهورية.

وفي هذا الإطار أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال الأشهر الماضية عن حزمة جديدة من التدابير، تركز على تجفيف منابع التمويل الخارجي ومتابعة التحويلات المالية المشبوهة القادمة من الخارج، خاصة تلك المرتبطة بمؤسسات تحمل فكر الإخوان أو تعمل في بيئة قريبة من التنظيم.

وأكد ماكرون حينها أنّ بلاده لن تتسامح مع أيّ كيان يستغل القانون الفرنسي لتمرير مشروع إيديولوجي يناقض مبادئ الجمهورية.

تحرك أوروبي متدرج

القضية التي أثارتها مارين مارشال داخل البرلمان الأوروبي لم تُقرأ بمعزل عن التحولات الجارية في القارة.

ففي الأعوام الأخيرة بدأت عدة دول أوروبية تتعامل بجدية أكبر مع نشاط التنظيمات الإسلامية ذات الطابع السياسي، بعدما ثبت عبر تقارير أمنية ومخابراتية أنّ بعض هذه الكيانات تعمل كأذرع فكرية أو مالية لجماعة الإخوان المسلمين.

في ألمانيا مثلاً، تم إدراج عدد من الجمعيات ضمن مراقبة جهاز حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) بسبب الاشتباه في ارتباطها بالمجلس الأوروبي للأئمة والمراكز الإسلامية، وأنشأت النمسا عام 2021 مركزاً خاصاً لتوثيق ومتابعة الإسلام السياسي، يُعنى بجمع البيانات وتحليل الخطاب الديني في المجال العام.

أمّا في هولندا والدنمارك، فقد صدرت تشريعات جديدة تُلزم الجمعيات الدينية بالشفافية المالية الكاملة، وتمنع قبول التمويل من جهات أجنبية دون إذن رسمي.

ويرى مراقبون أنّ هذه التطورات تشير إلى تنامي قناعة أوروبية بأنّ نشاط الإخوان لم يعد قضية تخص الجاليات المسلمة فقط، بل تحول إلى ملف يرتبط مباشرة بالأمن الفكري والثقافي والسياسي للاتحاد الأوروبي.

البرلمان الأوروبي في دائرة التساؤلات

استضافة منظمة "فيميسو" داخل أروقة البرلمان الأوروبي سلّطت الضوء على ثغرات في آليات اعتماد المنظمات المشاركة في فعاليات البرلمان.

فبينما تقول إدارة البرلمان إنّ أيّ جهة يمكنها تنظيم حدث في مقره بعد استيفاء المتطلبات القانونية، يعتقد منتقدو هذا النظام أنّ غياب التدقيق الإيديولوجي يسمح بتسلل منظمات ذات ارتباطات فكرية أو سياسية تتعارض مع القيم الأوروبية.

الاجتماع الأخير الذي عقدته المنظمة حمل عنوان تمكين الشباب المسلم في أوروبا، لكنّه تضمّن وفق تقارير إعلامية مداخلات تحمل خطاباً ذا طابع سياسي واضح، خاصة ما تعلق منها بمسائل الهوية، والتمييز، وموقف الاتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية.

وقد رأت مارين مارشال أنّ السماح بمثل هذه النقاشات داخل البرلمان الأوروبي يمثل خلطاً بين النشاط المدني والعمل السياسي المؤدلج، وهو ما يستدعي حسب قولها وضع ضوابط أكثر صرامة.

ورغم أنّ البرلمان الأوروبي لم يُعلّق رسمياً على مضمون شكوى مارشال، فإنّ مصادر من داخله أشارت إلى أنّ المؤسسة تدرس آلية جديدة لمراجعة خلفيات المنظمات المشاركة في الفعاليات البرلمانية، تفادياً لأيّ توظيف سياسي أو ديني لمقر البرلمان.

شبكة التمويل والاختراق الناعم

تشير تقارير استخباراتية أوروبية إلى أنّ جماعة الإخوان تعتمد على شبكة واسعة من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي تعمل في مجالات التعليم والثقافة والدمج الاجتماعي، وتستخدم هذه الواجهات وسيلة لنشر أفكارها وتجنيد أنصار جدد داخل المجتمعات الغربية.

وبحسب تحقيقات فرنسية سابقة، تتلقى بعض هذه الجمعيات دعماً من مؤسسات خارجية في قطر وتركيا، ويتم توجيه جزء من التمويل إلى مشاريع تعليمية أو مؤتمرات فكرية ذات أهداف إيديولوجية غير معلنة.

وفي هذا السياق، أثارت مارين مارشال مسألة حصول "فيميسو" على دعم مالي من برامج أوروبية مخصصة للشباب، معتبرة أنّ الأمر يستدعي مراجعة شاملة لآليات التمويل الأوروبي لتجنب تمويل منظمات ذات توجهات سياسية مغلفة بخطاب ديني.

وترى دوائر بحثية في باريس أنّ الإشكالية ليست فقط في التمويل، بل في طبيعة الخطاب المستخدم، إذ تميل هذه الكيانات إلى تقديم نفسها كممثل شرعي للمسلمين الأوروبيين، بينما تعمل في الواقع على إعادة إنتاج خطاب الهوية والانفصال الثقافي الذي يضع الدين في مواجهة قيم الدولة المدنية.

في فرنسا، تحاول الحكومة تنفيذ ما تسميه بـ "إعادة تنظيم المجال الديني"، عبر نقل الإشراف على الشؤون الإسلامية من الكيانات التقليدية المرتبطة بجهات خارجية إلى مؤسسات فرنسية خاضعة للرقابة المحلية.

وفي عام2021  أقرّ البرلمان الفرنسي قانون تعزيز مبادئ الجمهورية، الذي يفرض على الجمعيات الدينية توقيع ميثاق التزام بالقيم الجمهورية كشرط للحصول على الدعم المالي أو الترخيص القانوني.

وأطلقت وزارة الداخلية وحدة خاصة لمتابعة أنشطة الجمعيات الإسلامية، مهمتها رصد التمويل الأجنبي، وتحليل الخطاب الدعوي، ومراجعة المناهج التعليمية داخل المدارس الدينية.

ويُنظر إلى هذه الإجراءات كجزء من محاولة فرنسية لتفكيك البنية الإيديولوجية لجماعة الإخوان داخل البلاد، بعد عقود من تمددها في المجالين الثقافي والاجتماعي.

ويرى محللون أنّ رسالة مارين مارشال تُعبّر عن تحول ملحوظ في الخطاب السياسي الأوروبي، الذي انتقل من مرحلة التسامح مع الجماعات الإسلامية إلى مرحلة المساءلة والمراجعة.

فخلال العقدين الماضيين كانت المؤسسات الأوروبية تعتبر بعض الكيانات المرتبطة بالإخوان شركاء محتملين في قضايا الاندماج ومكافحة التطرف، إلا أنّ التجربة أثبتت وفق ما تقوله أجهزة الأمن أنّ هذه التنظيمات تطرح نفسها كبديل ثقافي داخل المجتمعات الغربية، لا كشريك في منظومة المواطنة.

وبناءً على ذلك، يتجه الاتحاد الأوروبي نحو وضع سياسات مشتركة لمراقبة التمويل الخارجي للمنظمات الإسلامية، مع مراجعة معايير منح التراخيص والدعم.

ويشير خبراء في شؤون الحركات الإسلامية إلى أنّ التحرك الفرنسي داخل البرلمان الأوروبي قد يكون الخطوة الأولى نحو بلورة سياسة أوروبية موحدة لمواجهة تغلغل الإخوان، عبر تنسيق تشريعي بين دول الاتحاد.

وتفتح هذه التطورات باباً أوسع للنقاش حول الهوية الأوروبية والعلاقة مع الدين داخل المجال العام، ففي الوقت الذي تؤكد فيه مؤسسات الاتحاد على احترام حرية المعتقد، تتصاعد المخاوف من أن تتحول بعض الرموز الدينية إلى أدوات ضغط سياسي، تستغلها جماعة الإخوان لتوسيع نفوذها داخل المجتمعات الأوروبية.

وفي هذا السياق، تبدو ملاحظات مارشال جزءاً من اتجاه أوسع في اليمين الأوروبي يرى أنّ الاتحاد بحاجة إلى مراجعة علاقته بالمنظمات الإسلامية، خاصة تلك التي تتخذ من قضايا الهوية وسيلة لتبرير حضورها السياسي.

تظهر قضية "فيميسو" وما تبعها من تصريحات مارين مارشال أنّ ملف الإخوان داخل أوروبا لم يعد قضية هامشية، بل تحول إلى موضوع رئيسي في النقاش السياسي حول مستقبل القارة وهويتها الثقافية.

ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومات إلى دمج الجاليات المسلمة ضمن منظومة المواطنة، تتصاعد الهواجس من محاولات بعض التنظيمات استغلال هذا الانفتاح لتثبيت نفوذها داخل المؤسسات الديمقراطية.

وبين دعوات المراجعة التي يقودها اليمين الأوروبي، ومساعي الاحتواء التي تتبناها بعض الحكومات الليبرالية، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الاتحاد الأوروبي على رسم حدود واضحة بين الدين كقيمة إنسانية، والإسلاموية كإيديولوجيا سياسية عابرة للحدود.

وفي ظل هذا المشهد تبدو رسالة مارين مارشال إلى رئيسة البرلمان الأوروبي بداية مرحلة جديدة من المواجهة الفكرية والقانونية بين أوروبا ومشروع الإخوان، مرحلة يسعى فيها الساسة الأوروبيون إلى حماية قيمهم من أيّ توظيف ديني، دون المساس بحقوق المواطنين المسلمين في الممارسة والإيمان.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية