
في نادرة تاريخية لا تتكرر جلست الفلسفة على رأس الدولة، وجلس راهب على العرش، لم يعرف التاريخ إلا فيما ندر جدًا شخصية مثل شخصية "ماركوس أوريليوس"، ذلك الإمبراطور الروماني الذي أثبت أنّ العظمة والقوة يمكنهما أن تبقيا هادئتين. وُلد ماركوس عام 121م لأسرة نبيلة، تبنّاه زوج عمته الإمبراطور أنطونيوس، وعندما وصل إلى عمر الـ (17) زوّجه ابنته فاوستينا، وبعد وفاة الإمبراطور ارتقى ماركوس العرش. بدأ يظهر مكنون تلك الشخصية الفريدة التي لم يرَ التاريخ ما يماثلها، حتى وإن اقترب منها، فقد سمح ماركوس لأخيه بأن يشاركه الحكم، على غير عادة الملوك الذين يحيكون الدسائس والمكائد لذوي القربى لينفردوا بالعرش، ونعرف من سير التاريخ ما يكفي عن صراع الأخوة على الحكم، دسائس وخيانات تصل إلى حدّ التحالف مع الأعداء والتسميم والقتل، لكن يبدو أنّ ماركوس كان من عجينة روحية مختلفة وفلسفة مغايرة في الحكم. كانت تنتظره متاعب كثيرة عندما جلس على العرش، فقد كان الباريثيون يتمردون في الشرق، وأخو ماركوس وشريكه في الحكم المولع بالشراب والترف لم يكن الرجل المناسب لإخماد تلك الفتن، التي لا تنطفئ إلّا بوجود قادة مخلصين في الجيش. وقد انتهت حياة هذا الأخ فجأة، كما لو أنّ القدر تدخل ليمنح ماركوس ما تجنب انتزاعه.
إمبراطور أقرب إلى الحكماء
على غير عادة الملوك الذين يضعون حياتهم وحياة البطانة الداخلية فوق مصالح الشعب، باع ماركوس مجوهرات ونفائس العائلة المالكة ليُطعم شعبه إثر مجاعة شديدة، وانتشار مرض الطاعون في أرجاء إمبراطوريته. لقد كانت السلطة بالنسبة إليه شرفة ينظر منها إلى آلام الناس.
وفي عام 175م خوّنه قائد جنوده في آسيا أفيديوس كاسيوس وأعلن نفسه إمبراطوراً، فقد ظنّ أنّ ماركوس لن يتعافى من مرضه الأخير، وعندما وصل ماركوس إلى آسيا لمواجهته، أتى بعض الجنود برأس أفيديوس إليه، فحزن ماركوس ورفض مقابلتهم، إذ رأى أنّهم حرموه نعمة تحويل عدو إلى صديق.
إنّ هذه المواقف نادرة جدّاً لمن يذهب بهم غرور الحُكم وتأخذهم عظمة إدارة شؤون العباد، لقد كان ماكورس نموذجاً فريداً، استطاع أن يُخرج الفلسفة من بطون الكتب لتمشي على قدمين وتجلس على العرش، استطاع أن يحوّلها من حالة ذهنية تعيش في برجها العاجي منفصلة عن عالم الحياة إلى سُدة الفعل الأول، لم نرَ الفلسفة ولا مرة تتحدث من تحت التاج، لم نرَ ولا مرّة الحكمة تعيش بحرّية تحت ثقل السلطة. لو ولد هذا الرجل في الشرق، لكان من أهل الفناء والزهد، أو كان وليّاً صاحب عرفان أقرب إلى الحكماء الروحيين من أمثال بوذا وعمر بن عبد العزيز.
سقطات بشرية
الحديث عن عدل الرجل ونزاهته لا يعني أنّه ليس له أخطاء، ولكنّ أخطاءه كانت بنيّة حسنة، فقد تغاضى عن اضطهاد المسيحيين في عهده، لأنّه رأى في دين جديد فوضى جديدة تغرق بلاده، ولم يكن قادراً على أن يؤمن بإله يمكن أن يُصلب، ورغم أنّ جوهر تعاليمه قريب جداً من الإيمان المسيحي، إلّا أنّه لم يؤمن بالمسيح. يقول جون ستيوارت ميل: "كانت كتابات ماركوس أوريليوس هي أرفع ما أنتجه العقل القديم في الفكر الأخلاقي، ولم تكن تختلف اختلافاً يُذكر عن أهمّ تعاليم المسيح".
كان ماركوس ابناً لفلسفة نبيلة جعلت منه نموذجاً تاريخياً نادراً ومتفرداً، فكما ذكرنا لم يستسغ ماركوس فكرة "إله مصلوب"، ولم يكن يقنع بالديانات الوثنية المنتشرة في روما، إذ كانت في نظره لا تعدو كونها أساطير ساذجة وطفولية، وعلاقة الإنسان فيها بالله مصلحية، يعبد الإنسان الله ويقدّم له القرابين مُستدراً لنعمه ودرءاً لابتلاءاته، على عكس الحرية التي وجدها في الفلسفة الرواقية.
والفلسفة الرواقية هي إحدى مدارس الفلسفة اليونانية الشهيرة، تأسست على يد زينون الرواقي وأجيال من الرواقيين اللاحقين الذين عمّقوا الرواقية وأثروها، حتى أنّ بعض الغربيين نظروا إليها باعتبارها "بوذا غربية"، والأساس في هذه الفلسفة هو عدم التعامل مع الحياة بأمل وتوقع زائدين، وإنّما معايشة أحداثها الجسام وأقدارها الصعبة دون وهم أنّ الألم عدوان مقصود، وأنّ على الإنسان أن يرضى ويُسلّم على الدوام، وأن ينظر إلى الأمور كلها من عَلٍ، فتصغر الحوادث بل تصغر الحياة كلها، وتصبح الآلام جزءاً من دراما كونية كبيرة وصورة عظيمة أكبر من أن نُحيط بها، واعتبروا أنّ الفعل الأسمى هو الفضيلة والحياة الخيّرة النبيلة، واعتمدوا مبدأ "اللذة "كشعار حياتي، أُسيء استخدامه لاحقاً، وفُسّر بأنّه دعوة إلى المجون والإغراق في الحسيات، بينما الحقيقة أنّ فلاسفة الرواقية عاشوا حياة بسيطة طيبة، قائمة على الحرية ونعمة الصداقة وعيش حياة الفكر وفِعل الخير، واعتبار العقل هو المندوب السامي عن الإنسان الذي عليه أن يتدخل ويتصرف في أوقات الحياة الهنية والصعبة.
تأملات عن الذات وإليها
كان ماركوس ابناً لهذه الرؤى الخيّرة، ويُعدّ كتابه "التأملات" آيات في الحكمة والنبل، وإن جاز أن نقول الكمال الإنساني، ولعلّ ما جعلها تصل وتعبر فوق (18) قرنًا ليس صدقها وحده، وإنّما لكون ماركوس قصد بهذه اللطائف من الحكمة العالية تهذيباً لشخصه، حتى أنّ عنوانها "إلى نفسه"، قاصدًا أن تكون هذه اللطائف فضّاً للروح واستبطاناً للدواخل وتمرين النفس، لهذا جاءت صادقة وكاشفة عن معدن نادر في فكر رجال الدولة، فما من زعيم أو رئيس توحي تصرفاته بأنّه يقنع بأنّه سيموت يوماً، وتأتي تصرفاته دليلاً على اعتقاده، على العكس، يتصرف الحكام كأنّهم آلهة، بينما ماركوس يتحدث عن الموت والفناء وقِصر الحياة، والحياة الخيرة، والفضيلة والكرم والتسامح والترقي العقلي والروحي، وهذه فضائل لا تُشبه رجال السلطة والمشتغلين بالسياسة.
إن جاز أن نقول إنّ هناك أرواحاً زمانية حاضرة إلى الأبد في أثير الكون وإنّ هناك معلمين للبشرية لا يتوقف عطاؤهم مع تعاقب القرون، فماركوس بكتابه "التأملات" واحد من هؤلاء. رجل بطاقة خالدة، إنّ أثره لدليل على إنسانية هذا العالم، ومنذ قديم الزمن والإنسان موجود يبحث عن النُبل والحكمة ويسعى للحقيقة ويسعى إلى الله.
توفي ماركوس في معسكره عام 180م عن عمر يناهز الـ (59)، وقد جاء في تأملاته: "أيّها الإنسان الفاني، لقد عشت كمواطن في هذه المدينة العظيمة. ماذا يهم لو كانت هذه الحياة خمسة أعوام أو خمسين؟ على الجميع تسري قوانين المدينة. فماذا يُخيفك من انصرافك من هذه المدينة؟ إنّ من يصرفك ليس قاضياً مستبداً أو فاسداً، إنّها الطبيعة ذاتها التي أتت بك. إنّها أشبه بمدير الفرقة الذي أشرك ممثلاً كوميديّاً في الرواية، وهو يصرفه من المسرح."
ومن أعذب الحكم التي وردت في كتابه "التأملات":
ـ لكل شيء في الطبيعة دوره في حبكة "الكل"، حتى النائم وحتى المُخرّب؛ وحتى مخلفات الطبيعة وعوارضها الضارة هي نواتج بعدية للنبيل والجميل.
ـ الذات الخالية من الانفعالات قلعة وحصن ومنتجع.
ـ ألا تصير مثل الذي أساء إليك... ذلك هو خير انتقام.
ـ طول الحياة غير فارق، لا جديد. إذا بلغت الأربعين، فقد رأيت كل شيء، وقد أفرغت دنياك طرافتها. الموت فعلك الطبيعي الأخير، فلتنجزه، ولتتقنه.
ـ لا مجد لك بمعزل عن مجد قومك. ما لا يفيد السرب لا يفيد النحلة.
ـ لا مجد لنحلة في خليّة مُنهارة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FB_IMG_1544169028806-1.jpg.webp?itok=qwRRyDww)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=0OjY_8fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/01_88_0_0.jpg.webp?itok=0kQcRIcL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_41_2_0.jpg.webp?itok=IrREvM8t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_0.jpg.webp?itok=-ytZF2BD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_0.jpg.webp?itok=m6OAb2DG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6.jpg.webp?itok=04T3Qc2_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_2_0_2_4_0_1.jpg.webp?itok=kLF7uVIF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_1_0_0.jpg.webp?itok=IzzqJrNy)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D9%8A%D8%AA%D9%85%D9%91%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=ccZ07Hvm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_3.jpg.webp?itok=NsR8Qg-C)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_28_0_2_2.jpg.webp?itok=q-0Er-5y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1.jpg.webp?itok=MsmU4uk7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bd_3_0.jpg.webp?itok=2AIUpTU2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%83_0.jpg.webp?itok=bruHBiiI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_9_0.jpg.webp?itok=FRVAjScv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_0.jpg.webp?itok=M28--bfZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)