ماذا سيفعل جناح "النهضة" السري بعد قرارات الرئيس التونسي؟

ماذا سيفعل جناح "النهضة" السري بعد قرارات الرئيس التونسي؟

مشاهدة

28/07/2021

عاد من جديد الحديث عن الجهاز السري لحركة النهضة، عقب أن أعلن الرئيس قيس سعيد مساء الأحد الماضي، إعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه، فضلًا عن تجميد سلطات مجلس النواب ورفع الحصانة عن كل أعضاء البرلمان، بعد هجوم من الشعب التونسي على مقرات الحركة، وتحميلها ما آلت إليه الأوضاع في البلاد.

 اعتمدت النهضة لبناء تمكينها وجهازها السري على شبكة من النشطاء والتنظيم الميداني

يعتقد كثيرون أنّ هناك سيناريو مطروحاً لدى النهضة التي تنتمي في أصولها الأيديولوجية للإخوان المسلمين، باعتماد خيار القوة لمواجهة تلك القرارات الرئاسية، حيث إنّها في المجمل لها إرث طويل من العنف منذ محاولتها اغتيال الرئيس الأسبق بورقيبة، ثم زين العابدين بن علي، ومحاولتها الانقلاب على الشرعية باستخدام العنف المسلح، انتهاءً باتهامها باغتيال كل من شكري بلعيد ومحمد البراهمي العام 2013 المحسوبين على التيار العلماني شديد العداء لمشروع الحركة.

تمكين الجهاز السري

منذ سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي في تونس أدركت حركة النهضة أنّ الوصول إلى سدة السلطة في تونس أمر عسير بسبب كثير من القوى الممانعة في المجتمع، فاعتمدت خيار التمكين، أو ما أطلق عليه الغنوشي (تمكين النخبة) الذي يعني تعزيز مواقعها في مراكز القرار، ومن ثم محاولة إبعاد المناوئين لها من مراكز حساسة تفعل فعلها على مستوى الشارع ومؤسسات الدولة في آن واحد، وهنا برز جناحها السري، الذي كان له ذراع مسلح متهم بارتكاب عدة عمليات تصفية ضد معارضين سياسيين بارزين، بالإضافة إلى إنشاء دولة ظل داخل تونس.

اعتمدت النهضة لبناء تمكينها وجهازها السري على شبكة من النشطاء والتنظيم الميداني، الذي استقبل الغنوشي بعد سنوات المنفى بنشيد "طلع البدر علينا"، لكن الحركة فوجئت أنّ هناك رصيداً شعبياً مضاداً لتوجهاتها، فاعتمدت عدم الدخول في مواجهات مع القوى أو السلطة، وتعاونت مع بعض القوى الوطنية، كما تحالفت مع حزب المؤتمر لمنصف المرزوقي.

بناءً على السياسة السابقة التي اعتمدتها الحركة تقربت من رجال بن علي عبر قوانين تمنع محاكمتهم، وانسحبت من الحكم، وقامت باستكمال بناء جهازها السري، وبناء جهاز أمن موازٍ، وتابعت العسكريين، وكتبت تقارير حولهم، كما تابعت أنشطة القضاة والصحفيين، وتجسست عليهم.

اقرأ أيضاً: التونسيون يواصلون الالتفاف حول قرارات الرئيس.. وحلفاء "النهضة" ينفضّون عنها

ووفق الوثائق التي أفرجت عنها الداخلية التونسية عقب مطالبات من محامي الدفاع في قضية اغتيال بلعيد والبراهمي، فقد أشرف الجهاز السري العسكري على دورات حول التنصت والاستخبارات وكيفية كتابة التقارير.

ونسق الجهاز السري وفق وثائقي حول الغرف السوداء للجناح السري للحركة عرضته قناة (سكاي نيوز) مع إخوان مصر، وشارك المصري سليمان عزمي عويس،  في تدريب العناصر في عدد من الدورات بالعاصمة التونسية.

كما تداولت وسائل إعلام محلية تونسية تقريراً عن وجود 21 ألف عنصر ضمن الجهاز المذكور، تغلغلوا في كل مؤسسات الدولة.

واعترف وزير الداخلية التونسي الأسبق، "لطفي بن جدو"، أنّ النهضة تمتلك أجهزة تنصت تفوق قدرات الجيش والأمن في تونس، وهي تجهيزات في شكل حقائب قادرة على التقاط 4000 مكالمة في نفس الوقت وعادةً ما تنتقل على متن سيارات مغلقة.

كما كان منفّذ عملية باب سويقة والعضو سابقاً في حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حالياً) كريم عبدالسلام اعترف خلال لقاء في إذاعة "شمس أف إم" إنه كان وراء مقترح استهداف لجنة تنسيق التجمع الدستوري الديمقراطي بباب سويقة عام 1991، وأنه خطط للعملية بمشاركة قياديين في الحركة الإسلامية أمثال منجي الرعاش وعماد المغيربي والهادي السعيدي ومصطفى حسين.

وقد كانت قيادة الحركة، حسب عبدالسلام، على علم بهذه العملية وغيرها من العمليات المسلّحة والعنيفة على غرار افتكاك أسلحة لأمنيين والاعتداء على مواطنين بمادة ماء الفرق في كل من جندوبة والكرم.

الحركة تمتلك أجهزة تنصت تفوق قدرات الجيش والأمن بشكل حقائب قادرة على التقاط 4000 مكالمة في آن

وجاءت هذه العمليات في سياق خطة صادقت عليها هياكل الحركة في مؤتمرها، وغايتها استهداف النظام حينها. الأخطر من كل ذلك هو ما جاء في اعترافات منفّذ عملية باب سويقة من أنّ حركة النهضة "لها جهاز خاص أمني واستخباراتي وجهاز سرّي مسلّح، كان تحت مسؤولية وتوجيه قيادات حالية في حركة النهضة وأن هذا الجهاز السري للحركة ما يزال موجوداً".

وأفادت وثائق الجناح السري التي نشرتها وسائل إعلام تونسية أنّ هناك مقربين من الغنوشي يقودون هذا الجهاز وهم: مصطفى خضر، محي الدين الفرجاني، على العريض، رضا الباروني، وعبد العزيز الدغسني، صهر راشد الغنوشي.

السيناريوهات المحتملة

يعتقد كثيرون أنّ حركة النهضة ليست جسداً واحداً، وأنّها أجرت مراجعات كثيرة، وبناء عليه فإنّ خروجها من الحكم بهذه الطريقة يمكن أن يدفعها للانكفاء على نفسها، أو الاستعانة بشرعية الانتخابات والبرلمان في مقابل شرعية الجماهير والرئيس، وهذا يمكن أن يدفع إلى حلول وسط تمكنها من البقاء في المشهد السياسي، إلا أنّ هذا مرهون بالقرارات التالية من الرئاسة والجيش التونسي، الذي ألمح إلى محاكمات وفتح موضوع الجناح السري للحركة، مما سيؤدي بالقبض على عدد من عناصره، وإجراء محاكمات له، وهذا ما يمكن ألا يكون مقبولاً في تلك الظروف ويدفع في اتجاه رد الفعل العنيف.

نشر معهد العربية للدراسات على موقعه، دراسة تحت عنوان: "النهضة والخروج من حكم تونس: العوامل السيناريوهات المحتملة"، للباحث والصحفي التونسي منذر بالضيافي، حيث لم يستبعد فيها أن ينجح التيار البراغماتي داخل الحركة، في إحداث مراجعات جذرية، وإعادة تجربة الأحزاب المسيحية في أوروبا. وهذا السيناريو مرجح جداً، حيث برأيه التيار الإسلامي -ممثلاً في حركة النهضة- سيحافظ له على موقع قدم داخل الحقل السياسي، إلا أنّه في ذات الوقت قد يحتشد أنصار الرئيس، وأنصار النهضة في الشوارع في أنحاء البلاد مما قد يؤدي لمواجهات عنيفة بين الجانبين قد تدفع قوات الأمن للتورط وبدء عهد من الاضطرابات.

اقرأ أيضاً: الجيش التونسي يستعيد ملفاً أخفته وزيرة العدل يفضح جرائم "النهضة"

ويرى مراقبون أنّه قد يتم تكرار النمط الذي اتبعته الإخوان في مصر وهي سياسة حافة الهاوية، والنقاط المؤلمة، أي إيلام الدولة بعمليات عنف تدفع السلطة للحوار معها، وهو ما ثبت فشله، إلا أنّ تفاعلات المشهد السياسي في تونس في مجملها لا توحي بالخير، وتنذر بمؤشرات خطيرة، وفق الباحث السياسي التونسي، بلحسن اليحياوي، في تصريحات إعلامية.

هذا ومن المحتمل حال حدوث صدام متواصل، حال فشل الاحتكام للشارع، وعدم وجود حل وسط يضمن للحركة بقاءها في المشهد فإنها ستلجأ لجهازها السري، الذي ينشط في نطاق جغرافي أوسع من تونس ويشمل ليبيا والجزائر.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة تضع تونس عند مفترق الطريق.. قراءة في قرارات قيس سعيّد

كما من المرجح أن تطلق الحركة يد جماعات حليفة لها، من مجموعات القاعدة أو داعش، التي تسكن في جبل الشعانبي الوعر، بما يضمن عدم اتهامها بشكل مباشر بممارسة العنف المسلح.

من الواضح أنّ حركة النهضة تقترب من نفس سيناريو جماعة الإخوان في مصر، وهو الاحتكام للجماهير، وفي حال الفشل لن يكون أمامها سوى الالتجاء للأجهزة السرية واستخدام السلاح.

الصفحة الرئيسية