ماذا تكشف مقاربة بايدن السياسية في "وثيقة الأمن القومي"؟

ماذا تكشف مقاربة بايدن السياسية في "وثيقة الأمن القومي"؟

مشاهدة

09/03/2021

تبرز وثيقة الأمن القومي الأمريكية التي كشف عنها البيت الأبيض، مؤخراً، جملة من القضايا التي تمثل أهمية وأولوية قصوى أو بالأحرى إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، وكذا سبل التعامل معها، ومن ثم؛ تفصح عن توجهات الإدارة الأمريكية وسياساتها باتجاه الملفات الحيوية، في الشرق الأوسط والعالم، لاسيما وأنّ الوثيقة التي نشرها البيت الأبيض، بعد نحو 45 يوماً من وصول جو بايدن للحكم، تضع الصين وروسيا ضمن التهديدات الرئيسية والمباشرة، بالإضافة إلى تحديات أخرى، مثل فيروس كورونا المستجد، وقضايا الإرهاب، وتغير المناخ، وأزمة الملف النووي الإيراني، وقد اعتبرت طهران "دولة مزعزعة للاستقرار".

إعادة النظر في الأمن القومي الأمريكي

ولفتت الوثيقة إلى أنّ "مصير أمريكا اليوم أصبح أكثر ارتباطاً بالأحداث خارج شواطئنا أكثر من أي وقت مضى"، لذا؛ حددت مجموعة من القضايا التي تشكل تهديداً للولايات المتحدة، من بينها صعود القوى المنافسة لها عالمياً، مثل موسكو وبكين، بينما أوضحت أنّ ثمة تهديدات أخرى مثل فيروس كورونا، وتغير المناخ العالمي، والتغيرات التكنولوجية.

وبحسب نص الوثيقة المنشور: "نحن ندرك أيضاً أنّ المنافسة الإستراتيجية لا تمنع ولا ينبغي أن تمنع العمل مع الصين عندما يكون من مصلحتنا الوطنية أن نفعل ذلك.. تجديد مزايا أميركا يضمن أنّنا سنشرك الصين من موقع ثقة وقوة، وسنتبع دبلوماسية عملية موجهة نحو النتائج مع بكين والعمل على تقليل المخاطر.. نرحب بتعاون الحكومة الصينية في قضايا مثل تغير المناخ والأمن الصحي العالمي والحد من التسلح .. مصائرنا الوطنية متشابكة".

بحسب الوثيقة الأمريكية، سيتم التركيز، في أفريقيا، على إقامة شراكات جديدة لتنمية المجتمع المدني والاقتصاد والمؤسسات الصحية، وإقامة التحالفات والشراكات

وبينما قالت الوثيقة الأمريكية إنّ "النظام الديمقراطي في العالم وخاصة في الولايات المتحدة، تحت الحصار"، لكنها عاودت التأكيد على أنّ "الولايات المتحدة يجب أن تشكل مستقبل النظام الدولي، وهذه المهمة ملحة".

وشددت وثيقة الأمن القومي على أنّ "الولايات المتحدة سوف تردع مع دول المنطقة تهديدات إيران لسيادة وسلامة أراضي الدول الأخرى، وستعزز جهودها لمواجهة "القاعدة" و"داعش"".

التدخل العسكري الأمريكي.. ما الجديد؟

كما أشارت الوثيقة الأمريكية إلى أنّ الولايات المتحدة لن تتورط في حروب طويلة الأمد، بدون أفق، مؤكدة على أنّه "سننتهي بشكل مسؤول من أطول حرب أمريكية في أفغانستان مع ضمان أنّ أفغانستان ليست ملاذاً آمناً، مرة أخرى، للهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة، وفي أماكن أخرى".

اقرأ أيضاً: ماذا قالت "الإيكونوميست" و"فورين بوليسي" عن سياسة بايدن في الشرق الأوسط؟

وتابعت: "سيكون وجودنا العسكري الأقوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا، مع ردع أعدائنا، والدفاع عن مصالحنا. وفي الشرق الأوسط سنترك القدر اللازم من القوة للقضاء على الشبكات الإرهابية، وردع العدوان الإيراني، وحماية المصالح الأمريكية الرئيسية الأخرى".

اقرأ أيضاً: هذه أبرز ملامح سياسة بايدن في الشرق الأوسط

ويرى الباحث الأردني، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، مالك العثامنة، أنّ "المصلحة" هي مفتاح أيّ قراءة لسياسات الولايات المتحدة، وفي عهد إدارة بايدن تحديداً، موضحاً لـ"حفريات": "مراجعة سياسات الإدارة السابقة لا يعني بالضرورة الانكفاء نحو الخلف في السياسات؛ فالثقل السياسي للتحرك الأمريكي باهظ ومكلف في ما يخص علاقاتها مع إيران، والتي لم تكن يوماً في شهر عسل منذ تولت عمائم الفقيه السلطة السياسية، عام ١٩٧٩".

الباحث الأردني مالك العثامنة

ويردف: "كانت البداية في حكم الثورة الإيرانية هي الأسوأ في عهد إدارة ديمقراطية "كارتر"، وقد دشنتها بأزمة احتجاز رهائن أمريكيين في طهران، وهي أزمة لم تنته في العقل السياسي الأمريكي، ولن تنتهي بسهولة، فطهران لا تزال تعبث وتمد أذرعها في الأماكن البعيدة مسببة الإزعاج والقلق وكثير من الدم، وتحمل رؤية ترسخ فكرتها الأولى التي نادى بها الخميني بـ"تصدير الثورة"".

إيران في وثيقة الأمن القومي

ومقاربة بايدن في ما يسمى "الاحتواء"، لا تعني مصالحة أو طي الصفحة باتجاه الأزمات والمشاكل السياسية والأمنية والإقليمية المتسببة فيها طهران، بحسب العثامنة، فإيران تمثل تهديداً لا لمصالح واشنطن بل مصالح أوروبا والإقليم الذي يتغير نحو معطيات جديدة، بينما طهران لا تزال تحلم بدور "الشرطي" الإقليمي بلا سلطة فوقه.

الباحث مالك العثامنة لـ"حفريات": الوضع في طهران يرجح حدوث انشقاقات؛ فالإصلاحيون باتوا أكثر شراسة في المطالبة بهدنة مع واشنطن والجوار الإقليمي

ومن جانبها، قالت إدارة بايدن، عقب نشر الوثيقة، إنّ الهدف من الإستراتيجية الجديدة يتمثل في "تهدئة" التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، كما دعت الإستراتيجية الأمنية إلى "حل النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط التي تهدد الاستقرار الإقليمي"، لافتة إلى ضرورة "حل الدولتين للصراع الفلسطيني الإسرائيلي".

واعتبرت الولايات المتحدة أنّ القوة العسكرية ليست "الرد المناسب" على تحديات المنطقة، وتبعاً للسياسة الجديدة فإنّ "الجيش والاستخبارات الأمريكية ملزمان بالحصول على موافقة من البيت الأبيض قبل شن أيّ هجمات".

اقرأ أيضاً: بايدن وطهران والمناورة السياسية.. من الرابح؟

وبحسب الوثيقة الأمريكية، سيتم التركيز، في أفريقيا، على إقامة شراكات جديدة لتنمية المجتمع المدني والاقتصاد والمؤسسات الصحية، كما أنّ الولايات المتحدة ستولي أهمية "للتعاون الدولي وإقامة التحالفات والشراكات، لاسيما وأنّ هناك اتجاهاً لإعادة تأسيس قيادة واشنطن في المنظمات الدولية من أجل إيجاد حلول للمشاكل العالمية، خاصة تغير المناخ".

التهدئة الأمريكية والدبلوماسية

وتعرج الوثيقة على الخطر الإيراني، حيث تشير إلى أنّ "إيران تشكل خطراً، وهي دولة مزعزعة للاستقرار"، لكن، في الوقت ذاته، شدد وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، بألا تستخدم واشنطن القوة لإسقاط الأنظمة، حيث إنّ "التدخلات السابقة شوهت سمعة الديمقراطية الأمريكية"، موضحاً أنّ "إدارة بايدن ستسعى إلى تغيير المسارات التي اتبعت في الماضى لتغيير الأنظمة في البلدان الأخرى من التدخلات العسكرية المكلفة، إلى إجراء حوارات دبلوماسية".

ويعلق على ذلك مالك العثامنة بأنّ "الاحتواء" الأمريكي، كما نقرأه، اليوم، في إدارة بايدن، يعمل على انتظار نضج الاستحقاقات والتدخل ضمن رؤية إقليمية ودولية؛ ولعل أقرب الاستحقاقات التي تستحق الانتظار "الانتخابات الرئاسية الإيرانية، في حزيران (يونيو) القادم؛ وهي انتخابات ستعطي المؤشرات لمن سوف يحكم الجمهورية الإسلامية التي تختنق باقتصاد منهك وثورة  كامنة تحت رماد ثورتها "المعممة"".

اقرأ أيضاً: لماذا على بايدن منع أردوغان من إساءة توظيف الإرهاب

وأبلغ العثامنة "حفريات" أنّ الوضع في طهران "يرجح حدوث انشقاقات داخل النظام؛ فالإصلاحيون باتوا أكثر شراسة في المطالبة بهدنة مع واشنطن والجوار الإقليمي، ومن ثم، وقف المغامرات العسكرية في الشرق الأوسط. وعند بعض الإصلاحيين لا مصلحة مطلقاً لإيران في مواجهة عسكرية مع إسرائيل".

ويختتم: "ومن الناحية السياسية العملية، فإنّ الواقع يفيد بأنّ الاحتواء الأمريكي لطهران، هو إعادة ترتيب الأوراق على الطاولة فقط.. وأنّ الاتفاق النووي مع إيران صارت له شروط جديدة ومختلفة عن السابق، بتأييد أوروبي وعالمي، وصمت روسي، هذه المرة".

الصفحة الرئيسية