لماذا يميل المجتمع لاختلاق الأعذار للمتحرش؟

لماذا يميل المجتمع لاختلاق الأعذار للمتحرش؟

مشاهدة

12/09/2020

يحتاج مصلح "التحرش" إلى تفكيك؛ كونه يحمل في تركيبته مبررات لفعل بشع، بمعناه العام الذي يحمل دلالة الاعتداء والتجني على الآخرين، ويمكن أن يصل درجة الاغتصاب.

اقرأ أيضاً: الظهور العلنيّ للنساء.. جدل الحداثة والطبقة والتحرش!
نجد في هذا المصطلح مطابقة بين التحرش والرغبة، لتبرير حالات التعدي على الفتيات باللمس أو التلفظ، أو أيّ سلوك آخر يدل على الاعتداء، وهنا يتسع مفهوم التحرش ليشمل كلّ المضايقات التي تتعرض لها المرأة.

إذا كانت المرأة المعتدى عليها ترتدي ما يخالف ثقافة المجتمع يصبح المتحرش تلقائياً شخصاً بريئاً

يأتي التبرير من خلال وضع علاقة متوهّمة، بين ما ترتديه المرأة أحياناً من لباس، أو من خلال ممارستها لأيّ نشاط آخر، يجعلها في طبيعة الحال تختلط بالرجال وتزاحمهم؛ حيث يبرّر المجتمع التحرش بإحالته إلى أحد هذه الأسباب، فإذا كانت المرأة التي تمّ الاعتداء عليها ترتدي ما يخالف ثقافة المجتمع، يصبح المتحرش، تلقائياً، شخصاً بريئاً، والمرأة هي المذنبة لإثارتها غريزته من خلال ملبسها، أما إذا كانت ترتدي ما يوافق عليه المجتمع، وتمّ الاعتداء عليها، تكون الإحالة الثانية لتواجدها في الشارع ومزاحمتها الرجال في العمل؛ إذ ينظر المجتمع هنا إلى أنّ مكان المرأة الطبيعي هو المنزل، وإلا فلا تلومنّ غير نفسها على ما يحدث من اعتداء خارج المنزل.
إذا نظرنا إلى هذه المبررات وجدناها متهافتة؛ فلا توجد علاقة بين التحرّش والإثارة في الأساس؛ فالتحرش ليس من مقدّمات أيّة علاقة، كما أنّه لا يمكن لأحد أن يشعر بالنشوة عبر التحرش لمساً أو لفظاً، وعليه؛ فما هو الدافع للتحرش؟!
الرجولة المتخيلة
من يقومون بالتحرش هم في الحقيقة يمارسون رجولة متوهَّمة، قوامها الشعور والظهور بمظهر الفحولة، وهو ما يربّي المجتمع الذكوري الذكور عليه؛ كالصوت العالي والعنف المفرط؛ فالذكر في مجتمعاتنا في حالة رغبة دائمة في إظاهر قدراته في السيطرة على المرأة، لتصبح صورة المرأة في اعتقاده هي فريسة يجب التدرب على اصطيادها؛ فالفحولة هي إحدى هذه الميكانيزمات التي يعتمد عليها الرجل في التفوق على المرأة. وهنا تحضر قضية اللباس وعلاقته بالتحرش.
إذن، الأمر برمّته ينبع من استشعار الذكر بالاستفزاز، وعدم تقدير واحترام فحولته ورجولته؛ إذ يظنّ أنّ لبس المرأة غير المحتشم يعني التشكيك في قدراته؛ لذلك يقوم بالتعدي والتحرش، دون أن تكون هناك بالضرورة إثارة، وعليه؛ فهو يقوم بذلك دفاعاً عن نرجسية ذكورية.
سبب ليس مبرَّراً
في القضية الأخيرة التي حدثت بإحدى مدارس الثانوية في الخرطوم؛ حيث كتبت طالبة على صفحتها؛ أنّها تعرضت للتحرش من قبل أحد الأساتذة بالمدرسة، ظهر نوع جديد من أنواع التحايل على الجريمة يحمل ملامح التحليل العميق، ويتداوله البعض؛ بأنّ اللباس غير المحتشم سبب للتحرش، وليس مبرراً له، كتفريق بين السبب والمبرّر، وجمع بين السبب والنتيجة، وهذا القول يتجاهل أنّ لكلّ شيء سبباً بطبيعة الحال، وأنّ لكلّ مجرم سبباً لارتكاب الجرائم، فلا يمكن أن يقال إنّ الضحية كانت مغرية للجريمة، مثل جرائم السرقة والقتل، على سبيل المثال، وأنّه سبب كافٍ لارتكابها من قبل المجرم.

اقرأ أيضاً: رحلة نفسية في رؤوس مغتصبي الأطفال والمتحرشين بهم
عليه؛ فالقول إنّ لباس المرأة غير المحتشم سبب وليس مبرّراً هو انتهازية واستغلال للجريمة، لتمرير أجندة فقهية أو أيديولوجية، معنيّة بأسلمة المجتمع عبر استغلال خوفه من الاعتداء بالتحرش، خاصة أنّ المجتمع يفضّل إحالة الجريمة إلى لباس المرأة كسبب للجريمة.
تبقى القاعدة الأساسية؛ أنّه بغضّ النظر عما يرتديه الإنسان، فليس من حقّ إنسان آخر الاعتداء عليه، جسدياً أو لفظياً.
لماذا لا يتفاعل المجتمع مع قضايا التحرش؟!
تقوم بنية مجتمعاتنا على مفاهيم ذات محددات ذكورية؛ إذ إنّ جسد المرأة ليس ملكاً لها بالدرجة الأولى، الأمر الذي يجعل المجتمع هو صاحب الحقّ في تسمية ما هو جريمة وما هو ليس بجريمة، وليس الضحية.
تعدّ المجتمعات الاغتصاب جريمة، وتنفعل به، لا لشيء غير عدم صلاحية المرأة بعده بفقدانها عذريتها؛ لذلك نجد أنّ كثيراً من المجتمعات تقوم بتزويج الضحية للمجرم كردّ فعل للجريمة، مما يجعل الاغتصاب غير حاضر على وجه حقيقته؛ كونه اعتداء وانتهاكاً للآخر، وهذا ما يجعل التفاعل ضعيفاً مع قضايا التحرش؛ كونها لا تصل إلى درجة فقدان العذرية، وعليه لا يعدّ المجتمع التحرش جريمة تستحق العقاب أو الوقوف عندها.
ليس ثمة مبرر للتحرش؛ فالذي يقوم بالتحرش ينطلق من تصورات ذكورية بحتة. والذي يقوم بتبرير التحرش يعدّ مشاركاً في الجريمة؛ فالتبرير يجعل المجرم يأمن العقاب والإدانة، ليصبح الاعتداء على الضحية اعتداءَين؛ مرة بالتحرش ومرة بتبريره.

الصفحة الرئيسية