
محمد الصالحين الهوني
في نيسان/أبريل من العام الماضي أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن اتفاقا “تاريخيّا” مع الولايات المتحدة بات “في متناول اليد”، وأن الدبلوماسية يجب أن تسبق أي تصعيد. وبعد أشهر قليلة، كانت إيران تُزوّد روسيا بطائرات مسيّرة، وتواصل تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء تقترب من مستوى صنع الأسلحة، وتشن ضرباتها على دول خليجية إثر اندلاع الحرب في فبراير 2026. هذا التسلسل ليس حالة شاذة في السياسة الخارجية الإيرانية، بل هو نمط متكرر يمتد منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 حتى اليوم، ويطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله في أي تقييم موضوعي: لماذا يصعب الوثوق بإيران؟
الثقة بين الدول ليست إحساسا عاطفيا بل هي رصيد إستراتيجي يُبنى على ثلاثة أعمدة: الوفاء بالالتزامات، واحترام السيادة، والانسجام بين الخطاب والممارسة. وإيران تُعاني من خلل مزمن في الأعمدة الثلاثة، خلل لا يُفسَّر بالضغوط الخارجية وحدها ولا بتعقيدات النظام الداخلي وحدها، بل بما يبدو خيارا إستراتيجيّا واعيا يجعل الغموض والتناقض أداةً من أدوات البقاء والنفوذ.
اتفاق 2015 النووي -المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”- كان الاختبار الأوضح والأوسع توثيقا في التاريخ الحديث لقدرة إيران على الوفاء بالتزاماتها الدولية. في المرحلة الأولى أبدت إيران التزاما فعليا بالشروط التقنية، وهو ما اعترف به المفتشون الدوليون. لكن حين انسحبت إدارة ترامب الأولى من الاتفاق عام 2018، بدأت إيران في التحلل المنهجي من التزاماتها لا كرد فعل مؤقت بل كمسار ممنهج للعودة إلى القدرات النووية وتجاوزها. وحين أعادت بريطانيا وفرنسا وألمانيا تفعيل آلية “التراجع عن الالتزامات” في سبتمبر 2025، كانت تستند إلى توثيق رسمي يُثبت أن إيران كانت في “عدم امتثال جوهري” للاتفاق. هذه الجملة التقنية الباردة تُخفي وراءها حقيقة سياسية صارخة: إيران وقّعت اتفاقا دوليّا ثم انتهكته بصورة منهجية، وحين وُوجهت بذلك أشارت إلى الانسحاب الأميركي ذريعةً، وهي ذريعة تملك جزءا من الحقيقة لكنها لا تُفسّر التجاوزات التي بدأت قبل أن تصبح العقوبات الأميركية قائمة بأثرها الكامل.
لكن ملف النووي ليس سوى طبقة واحدة في بنية الثقة المفككة. الطبقة الأعمق هي الدعم الإيراني الممنهج للجماعات المسلحة. حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيون في اليمن، وحماس في غزة… كلها تلقت لسنوات دعما إيرانيّا بالسلاح والتمويل والتدريب، بينما تُؤكد طهران في كل مناسبة دبلوماسية أنها لا تُدير هذه الجماعات ولا تُقرّر عملياتها. هذا التناقض بين الإنكار الرسمي والممارسة الميدانية الموثقة هو بالضبط ما يجعل الحوار مع إيران مُجهِدا: لأن التفاوض مع طرف ينفي ما تُثبته الوقائع يجعل كل اتفاق مُحتمَل قابلاً للتفسير والتحايل.
بين عامَي 2023 و2025 تضرّر الموقف العسكري الإقليمي لإيران تدريجيّا، إذ فقدت حليفها السوري بشار الأسد، وضعُفت منظومتها النووية بضربات أميركية وإسرائيلية، فيما باتت الجماعات المدعومة منها تواجه ضغوطا متصاعدة للتسليح. غير أن هذا الضعف لم يُنتج مراجعة إستراتيجية حقيقية، بل أنتج تصعيدا في فبراير 2026 حين شنّت إيران ضرباتها على دول الخليج وعلى منشآت مدنية ونفطية وعلى قواعد أميركية، وأغلقت مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز. وهذا الخيار -الضرب في لحظة الضعف- يُخبرنا شيئا جوهريّا عن المنطق الإيراني: إن الردع واستعراض القوة هما الاستجابة المؤسسية الأولى للضغط، لا التفاوض والتكيّف.
في أعقاب مفاوضات إسلام آباد الفاشلة، أشارت مصادر إيرانية عبر قنوات خلفية إلى وجود “عجز في الثقة” جراء تحوّل المحادثات السابقة إلى عمل عسكري. وهذا التوصيف الإيراني لانعدام الثقة يكشف إشكالية أعمق: إيران تطالب بثقة الآخرين بها بينما توثّق سلوكياتها نقيض ذلك، وتشكو من انعدام ثقتها بالآخرين بينما سجلّها يُبرر تلك الشكوى من الطرف المقابل. إنها معادلة متبادلة الاتهام لكنها غير متكافئة الأدلة: فسجل الانتهاكات الإيرانية الموثقة للاتفاقيات أثقل وأقدم وأوسع مما يمكن تفسيره بالردود على الضغوط الخارجية.
ثمة حجة يطرحها المدافعون عن إمكانية التفاوض مع إيران وتستحق عرضا أمينا: أن السياسة الأميركية غير المتسقة -وتحديدا الانسحاب من اتفاق 2015- هدمت بنية الثقة قبل أن تُمنح الفرصة لترسّخ، وأن الضغط الاقتصادي المتراكم يدفع النظام إلى تصعيد لا يعكس بالضرورة سياسة مدروسة. وفي هذه الحجة قدر من الوجاهة لا يصح إسقاطه. لكنها لا تُفسّر دعم إيران للميليشيات منذ عقود، ولا تُفسّر توريد طهران للأسلحة إلى روسيا بينما تطالب العالم بانتزاع تعهدات بعدم العدوان عليها، ولا تُفسّر تصريح محمد باقر قاليباف بعد مفاوضات إسلام آباد بأن “الثقة لم تتأسس” -وهو اعتراف إيراني بالأزمة لا يرافقه تحليل إيراني لأسبابها التي تعود جزئيا إلى السلوك الإيراني ذاته.
يُضاف إلى هذا كله أن إيران تعاني داخليّا من اضطرابات اقتصادية عميقة: تضخم مزمن، وعجز مالي متكرر، واحتجاجات اندلعت في كانون الثاني/يناير 2026 في جميع المقاطعات الإيرانية الواحدة والثلاثين بما فيها المناطق التي تُعدّ تاريخيّا موالية للنظام. وهذا الضغط الداخلي يُعقّد مسألة الثقة من زاوية مختلفة: فالنظام الذي يواجه معارضة داخلية واسعة ويعتمد على الاستعراض الخارجي لتقوية تماسكه الداخلي، هو نظام لديه حوافز بنيوية للتصعيد الخطابي والعملياتي. وهذا يعني أن أزمة الثقة مع إيران ليست فقط نتاج خيارات سياسية قابلة للتغيير بقيادة مختلفة، بل هي في جزء منها نتاج هندسة مؤسسية للنظام تجعل التصعيد والغموض جزءا من آليات بقائه.
ما الذي يعنيه كل هذا على صعيد السياسة العملية؟ إنه لا يعني أن التفاوض مع إيران مستحيل أو عديم الجدوى. فاتفاق 2015 أثبت أن إيران قادرة على الوفاء بالتزامات تقنية محددة وقابلة للتحقق في فترات زمنية معينة. لكنه يعني أن أي اتفاق مستقبلي يُعامل الثقة كمُعطى أو كنقطة انطلاق، بدلاً من أن يبني آليات التحقق والإلزام على افتراض افتقارها، هو اتفاق يحمل بذرة انهياره في صياغته. الوثوق بإيران ليس مستحيلاً، لكنه مشروط بما لم تُقدّمه إيران حتى الآن: سجل متراكم من الالتزام الموثق والشفافية المفتوحة والتناسق بين ما تقوله وما تفعله.
وحتى يتشكّل ذلك السجل، تظل الثقة كما وصفها رئيس البرلمان الإيراني قاليباف بنفسه بعد انهيار مفاوضات إسلام آباد: “لم تتأسس بعد”.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

