لماذا لا تتبدل السياسة الخارجية السورية بتبدل الوزراء؟

لماذا لا تتبدل السياسة الخارجية السورية بتبدل الوزراء؟

مشاهدة

28/11/2020

مثّل غياب وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، عن المشهد السياسيّ في ظرف دقيق متخم بالتحوّلات والسيولة، لحظة مفصلية، لا سيما في ظلّ التداعيات السياسية والإقليمية الصعبة التي تمرّ بها سوريا، وتعقيدات الوضع المحلي تحت وطأة الحرب الأهلية، المستمرة منذ العام 2011، وكذا الصراعات المحتدمة بالوكالة بين عدّة قوى خارجية.

اقرأ أيضاً: حزب الله في سوريا.. ثبات في استراتيجية التشيع وتعديل في خريطة المواقع العسكرية

ويضاف إلى ذلك؛ تغيير الإدارة الأمريكية، إثر انتخاب الرئيس جو بايدن، والذي يرجّح أن تختلف سياسته الخارجية باتجاه سوريا عن سابقه، والتي شهدت ما عرف بـ "تعويم الأسد"، خلال فترة الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، وانسحاب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا.

رحيل المعلم.. التداعيات والنتائج

أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية، سانا، وفاة المعلم (79 عاماً)، فجر الإثنين الماضي، وقد أمضى نحو أربعة عشر عاماً كوزير للخارجية؛ بينما كان آخر ظهور علنيّ له خلال افتتاح مؤتمر عودة اللاجئين العام 2020، الذي نظّمته دمشق بدعم روسي، ووصفت رئاسة مجلس الوزراء، في بيان رسمي، وزير الخارجية السابق بـ "الدبلوماسي العريق"، الذي لطالما ساهم، من خلال أدواره الدبلوماسيّة، في دعم مواقف النظام، خاصّة في ظلّ التهديدات الوجودية التي اعترضته، منذ العام 2011، وعدّها مجرّد "مؤامرات خارجيّة"، وظلّ يقلّل من حجمها وتأثيراتها، كما دان التدخّلات الأمريكيّة، وفي الوقت نفسه؛ لم يعدم حيلة لتبرير تحالف النظام مع روسيا وإيران.

وزير الخارجية السوري، وليد المعلم

تمكّن المعلم، المولود عام 1941، من الاحتفاظ بمنصبه في وزارة الخارجية السورية، لمدة تعدّ الأطول في تاريخ سوريا السياسي؛ إذ إنّه، بعد تخرّجه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بجامعة القاهرة، في ستينيات القرن الماضي، تدرّج في عدة مناصب بالسلك الدبلوماسي؛ حيث عُيّن سفيراً لدى الولايات المتحدة، في الفترة بين عامي 1990 و1999، ومعاوناً لوزير الخارجية، مطلع العام 2000،  بينما تولى منصب نائب وزير الخارجية، عام 2005، حتى شغل منصب وزير الخارجية، عام 2006، وبقي فيه حتى لحظة وفاته.

هنّأ وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، فيصل المقداد، إثر تعيينه وزيراً جديداً للخارجية السورية، مشدّداً على "استمرار التعاون الإستراتيجي بين البلدين"

وإثر هذه المساحات الهائلة التي شغلها المعلم في السياسة الخارجية؛ فإنّ وفاته عكست فراغاً ليس هيناً، ما تسبّب في حالة جدل حول من سيخلفه في منصب وزير الخارجية، من جهة، وطبيعة أجندته السياسية، وارتباطاته الخارجية، من جهة أخرى، والتي يرى مراقبون أنّها لن تكون مغايرة عن سياسة سابقه، الأمر الذي دعمه إعلان النظام بتسمية الدبلوماسي السوري، فيصل المقداد، باعتباره وزيراً للخارجية، خلفاً لوليد المعلم.

صديق الإيرانيين

وبحسب وكالة "فرانس برس" الفرنسية؛ فإنّ المقداد "لديه علاقات ممتازة مع الإيرانيين والصينيين، وذلك منذ شغل منصب نائب وزير الخارجية، عام 2006"، ولفتت إلى أنّ "المقداد هو خريج المدرسة ذاتها التي تخرّج فيها وليد المعلم، كما أنّ المقداد والمعلم اشتركا في إدارة الملف اللبناني، في أكثر اللحظات حرجاً للعلاقة بين البلدين، خصوصاً بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، عام 2005، وتوجيه أصابع الاتهام إلى دمشق".

اقرأ أيضاً: على خُطى داعش.. حزب الله وتركيا مستمران في نهب الآثار السورية

وفي غضون ذلك، قالت الرئاسة السورية عبر صفحتها الرسمية على تطبيق "تلغرام": "الرئيس بشار الأسد، أصدر ثلاثة مراسيم تقضي بـ: تسمية الدكتور فيصل المقداد وزيراً للخارجية والمغتربين، والدكتور بشار الجعفري، نائباً لوزير الخارجية والمغتربين، ونقل السفير بسام الصباغ إلى الوفد الدائم في نيويورك، واعتماده مندوباً دائماً للجمهورية العربية السورية لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك".

ومن جانبه، هنّأ وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، فيصل المقداد، إثر تعيينه وزيراً جديداً للخارجية السورية، مشدّداً على "استمرار التعاون الإستراتيجي بين البلدين".

هل تتخلّص سوريا من التبعية الخارجية؟

في حديثه لـ "حفريات"، يرى الباحث السوري في المجال الحقوقي، مصطفى عبدي، أنّه "في سوريا لا يعكس تغيير الأشخاص احتمالية في تغيير السياسات، وذلك بسبب الوضع القمعي والاستبدادي للنظام، الذي وصفه بـ "الفاشي" و"المافيوي"، ومن ثم، سيصبح وجود المقداد، الذي هو رابع من يتولى منصب وزير الخارجية في سوريا خلال حكم آل الأسد، مثل غيره"، مضيفاً: "تبديل وتغيير الشخص لا يؤثر البتة في سياسة النظام والدولة، بدليل أنّ انشقاقات سابقة ضربت السلطة، وذلك على مستوى كبار القادة العسكريين والأمنيين، إضافة إلى انشقاق رئيس الوزراء كذلك، دون أن يترتب على ذلك أيّ أفق مختلف".

الباحث السوري في المجال الحقوقي مصطفى عبدي

ويردف الباحث السوري في المجال الحقوقي بأنّ حالة التبعية السياسية لسوريا، والخاضعة لعدة ولاءات، ستظل قائمة ومتسيّدة؛ الأمر الذي نجد ترجمته على واقع الجغرافيا السياسية، الموزّعة بين عدة دول، من بينها إيران وتركيا، اللتان تعملان بالوكالة لحساب الولايات المتحدة وروسيا، وبينهما تنظيمات إسلامية متطرفة، مثل: داعش وهيئة تحرير الشام، المصنفَتين ضمن قوائم الإرهاب، بالتالي، فإنّ وفاة المعلم واستلام نائبه هو مجرد روتين؛ فالأشخاص عبارة عن موظفين ضمن نظام معقّد في سلطة العائلة، مثلهم مثل التجار، والقادة الأمنيين، وروسيا وإيران، حلقات وظيفية محدّدة تؤدي أدوارها في إطار نظام يحكمه شخص واحد؛ طائفي، بعثي، أمني، مافيوي".

سمات طائفية واضحة لنظام الأسد

يتّفق والرأي ذاته، الصحفي السوري، رستم محمود، الذي قال إنّ ثمة سمات طائفية واضحة للنظام الأسدي، منذ قرابة قرن ونصف القرن وإلى الآن، من حيث الاعتماد على أبناء طائفة بعينها في بنيان أجهزته العسكرية والأمنية، والمواقع الحساسة من تلك الأجهزة بالذات، أو عبر استخدامه الدائم للحساسيات والتوازنات الطائفية، من حيث تسعير التناقضات بين القوى الأهلية.

الباحث السوري في المجال الحقوقي مصطفى عبدي لـ"حفريات": في سوريا لا يعكس تغيير الأشخاص احتمالية في تغيير السياسات، وذلك بسبب الوضع القمعي والاستبدادي للنظام

ولفت محمود، في مقاله المنشور بعنوان "نعوة المعلم وأوهام المعارضة الطائفية": "إلى جانب الأمور الطائفية والهوياتية، ثمة كمّ هائل للاعتبارات والديناميكيات والهويات، التي شيّدتها وقامت عليها الأسدية، منذ تأسيسها. ولأجل ذلك؛ فإنّ أيّ ركون إلى اعتبار الأسدية مجرّد كتلة من الأدوات والهويات الطائفية، هو مجرد قصور واضح في وعي مناهضي الأسد، وفقر واضح في إمكانية إنتاج أدوات وديناميكيات الأسدية، التي هي نظام سياسي مبني على تعقيد من الحساسيات والمصالح والحسابات والتوافقات، الداخلية والإقليمية، وحتى الدولية.

وإلى جانب طائفيته (أي النظام السوري)، مثلاً، أتاح النظام الأسدي شروط أمان مناسبة لأبناء بعض البيئات المحلية السورية، بحسب الصحفي السوري، وبالذات للطبقات العليا من أبناء المدن الكبرى؛ إذ إنّ "الأسدية" حافظت على مكانة تلك الطبقات ومصالحها، وكذا أدوارها في الحياة العامة السورية، بالذات من حيث مركزية فعلها في المتن العام، وهذا الشرط هو الذي خلق روابط متينة بين أبناء تلك الطبقات المدينية العليا، الباحثة عن الأمان في دولة شديدة الريفية، وبين النظام الأسدي.

الصفحة الرئيسية