لماذا غيرت باريس موقفها من الحوار مع الجهاديّين في مالي؟

لماذا غيرت باريس موقفها من الحوار مع الجهاديّين في مالي؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
28/12/2020

ترجمة: مدني قصري

فيما تسعى فرنسا إلى إستراتيجية خروج، أصبحت مسألة "المفاوضات" مع بعض القادة الجهاديين مطروحة، اليوم، علناً. وفي حين غيّرت جمهورية مالي بالفعل موقفها من مبدأ فتح حوار مع الجماعات الإسلامية التي تهيمن بشكل رئيس في شمال البلاد ووسطها؛ فإنّ باريس تُراجع إستراتيجيتها، في سياق خروجٍ محتمل من الساحل.

وقالت الرئاسة الفرنسية، الإثنين 21 كانون الأوّل (ديسمبر): إنّ "المفاوضات ممكنة في منطقة الساحل مع عناصر من الجماعات الجهادية، لكنها تظل مستبعَدة مع قيادة القاعدة وتنظيم داعش".

وتجدر الإشارة إلى أنّ فرنسا أبدت، حتى الآن، معارضتَها الشديدة لفتح محادثات مع "الجماعات الإرهابية المسلحة".

وأعلن الرئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، في نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) في مقابلة، مع "Jeune Afrique": "مع الإرهابيين لا نناقش.. نحن نتقاتل"، لكن في غضون ذلك، رفعت مالي من وتيرتها؛ حيث أعرب رئيس وزرائها الانتقالي، مختار أواني، عن رغبة حكومته في "الدخول في حوار مع جميع أطفال مالي، دون استبعاد، مؤكداً أنّها تريد أن تكون متماشية مع إرادة الماليين، ومراعاة للحقائق الوطنية".

أعلن الرئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، في نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) في مقابلة، مع "Jeune Afrique": "مع الإرهابيين لا نناقش.. نحن نتقاتل"

كان مختار أواني قد قال في حوار على قنوات فرنسا الدولية، في 3 كانون الأول (ديسمبر): "امتدّ انعدام الأمن في مالي إلى قلب منطقة الساحل ويهدّد الدول الساحلية المجاورة، وتسبّب بالفعل في مقتل حوالي 8000 شخص، ونزوح ملايين الأشخاص، وإغلاق آلاف المدارس، واستهدفت الهجمات باستمرار مسؤولي الدولة والسلطات التقليدية؛ هل يمكن لهذا الوضع المأساوي إيجاد مخرج من خلال التفاوض مع المتطرفين العنيفين؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال الوعي بعدة عوامل لا يستهان بها، سوف نستعرضها لفهمٍ أفضل.

باريس تفتش عن أنسب عملية 

قال مصدرٌ في الإليزيه، في مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية: "نحن نخوض حرباً ضدّ منظمتين غير ساحليتَين، بل دويلتَين تخوضان حرباً إرهابية فيما وراء المنطقة".

 قال الإليزيه إنه "مع وجود الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (EIGS) ،المصنَّفة كعدوّ أوّل في قمة باو، في كانون الثاني (يناير) 2020، لا توجد مفاوضات ممكنة، فلن تكون هناك أيّة مفاوضات، ولا أحد يطلبها في المنطقة".

اقرأ أيضاً: المشهد الجهادي 2020... بين الجمود والتغيير

ومع ذلك، فإنّ القضية الأكثر تعقيداً هي مع مجموعة دعم الإسلام والمسلمين (SIM) والتي تسمى أيضاً "جنيم"، وفق الاختصار العربي، وهي تحالفٌ من المنظمات التي بايعت "القاعدة".

في هذا الشأن، قال الإليزيه إنّ "القيادة العامة لـ "GSIM" تخضع للتسلسل الهرمي المركزي للقاعدة، وهي مندمجة بالكامل في مخططها التنظيمي. لم ينجح أحد في التفاوض مع القاعدة، وفرنسا لن تتفاوض معها"، لكن، أضاف المصدر نفسه، بعض عناصر "GSIM“ لديهم أجندة أكثر وطنية، وغالباً ما تكون انتهازية، وأحياناً إقليمية. مع هؤلاء المحاورين، من الممكن الحصول على إجابة أخرى غير إجابة مكافحة الإرهاب […].

 ولا يوجد مبرّر يدعو فرنسا إلى عرقلة مثل هذه المناقشات "بين دول الساحل وهذه المجموعات".

القضية الأكثر تعقيداً هي مع مجموعة دعم الإسلام والمسلمين (SIM) والتي تسمى أيضاً "جنيم"، وفق الاختصار العربي، وهي تحالفٌ من المنظمات التي بايعت "القاعدة"

كانت مثل هذه المناقشات مطروحة في المنطقة منذ سنوات عديدة، خاصة في مالي. وقد عادت إلى الواجهة في تشرين الأول (أكتوبر)، أثناء إطلاق سراح أربعة رهائن، بمن فيهم الفرنسية صوفي بترونين، بعد مفاوضات قادها مبعوثون ماليون لم تكن فرنسا مرتبطة بهم رسمياً.

نحو فكّ ارتباط فرنسا بمنطقة الساحل

في هذا الصدد؛ أكّدت الرئاسة الفرنسية تمسّكها بإعادة إطلاق اتفاقية السلام لعام 2015، الذي أُبرم بوساطة جزائرية، حيث قالت: "ليست فرنسا هي التي تراقب القطارات وهي تمر، الماليون أنفسهم هم من يقرّرون تنظيمهم"، وقال الإليزيه: "كلما أراد محاورون من شمال مالي الجلوس لمناقشة اتفاقات الجزائر، كانت هناك عمليات انتقامية فورية مع اغتيالات مستهدفة". وأضاف "هدفنا هو، من خلال القضاء على بعض القادة، السماح للماليين وغيرهم، بالجلوس إلى الطاولة".

وأشار المسؤول أيضاً إلى أنّ تقييم القرارات التي اتخذت في قمة باو سيكون موضوع قمة "في أفريقيا" قرابة منتصف شباط (فبراير) القادم، وقال الإليزيه: "النقاش جارٍ مع محاورينا في مجموعة الساحل الخمس (موريتانيا، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد) لمعرفة الجدول الزمني الأنسب".

كانت فرنسا تفكر، منذ بضعة أسابيع، في تقليصٍ محتمل للقوى العاملة في بركان، بحسب عدة مصادر اتصلت بها وكالة "فرانس برس"، قالت الرئاسة الفرنسية قبل أيام؛ إنّ السؤال يتعلّق بشكل خاص بسحب 600 رجل إضافي تمّ إرسالهم إلى المنطقة، من إجمالي 5100 رجل في الوقت الحالي، بعد قمة باو.

اقرأ أيضاً: كيف وظفت السلفية الجهادية مفهوم الطاغوت في القرآن الكريم

"المؤشرات تميل بدلاً من ذلك إلى سحب هذه التعزيزات، في ضوء النتائج التي تمّ الحصول عليها على الأرض، وقدرة شركائنا في منطقة الساحل على تولي عمل إقرار الاستقرار، بعد أن تتمّ استعادة الأراضي".

وبحسب المصدر ذاته؛ فإنّ "القرارات لم تُتّخذ، وتعتمد على المشاورات" بين باريس وشركائها، وكذلك على دور الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

www.lepoint.fr/afrique

الصفحة الرئيسية