لماذا انحسرت التيارات اليساريّة والقوميّة في العالم العربي؟

القومية واليسار

لماذا انحسرت التيارات اليساريّة والقوميّة في العالم العربي؟


03/11/2019

يتكرر القول في السنوات الأخيرة بأن "اليسار العربي" دخل طور الاحتضار منذ مدّة، بانتظار إعلان خبر الوفاة، في حين يراهن البعض على انبعاث وصعود جديد مع توفّر الشروط وتغيّر الظروف. بالعودة إلى بالشريط الوراء، يتبدى جانب من مسار الانحدار والانحسار، والغاية استخلاص وإيجاز العوامل والأسباب، التي يعين إدراكها على فهم واقع التيار واستشراف مستقبله.
اقتران بأنظمة الحكم.. الثوريّ
تعود نشأة الحركات اليساريّة والقوميّة إلى فترة مبكرة، في عشرينيات القرن الماضي، فنجد الحزب الشيوعي الفلسطيني قد تأسس سنة 1919، وجبهة التحرير العربية سنة 1929. ومع امتداد الاستعمار إلى معظم أجزاء العالم العربي، تصاعدت تيارات المقاومة والتحرر، بمختلف مشاربها ومرجعياتها، ومع تبلور التنظيمات والتيارات، بدأ خلال عقد الأربعينات يحصل نوع من التقارب والاندماج ما بين جانب من التيارات اليساريّة والقوميّة والحركة التحرريّة؛ باعتبار أن أساس "التقدم" في البلدان العربيّة يكون عبر التحرّر من الاستعمار.

اقرأ أيضاً: لماذا يميل مسلمو أمريكا إلى اليسار؟
تصاعدت وتيرة الاندماج وأخذت منحاً جديداً بعد هزيمة العام 1948 في فلسطين، والتي كانت حدثاً مزلزلاً على مستوى المنطقة، وبلغ الاندماج ذروته مع تمكّن تنظيم "الضباط الأحرار" من الوصول إلى السلطة والحكم في مصر، بعد انقلاب/ ثورة 23 تموز (يوليو) 1952؛ فسرعان ما قدم النظام الجديد نفسه باعتباره المحقّق للاستقلال والتحرر والعدالة الاجتماعيّة، وليقدّم بذلك باعتباره نظاماً "ثوريّاً"، محتلّاً بذلك المساحة التي شغلتها التنظيمات اليساريّة والقوميّة، وهنا اختار جانب كبير من هذه التنظيمات خيار التقارب والتماهي مع السلطة الجديدة.

اختار جانب كبير من اليساريين والقوميين في مصر التقارب مع "ثورة" الضباط الأحرار

وقد تكرر هذا الاندماج في دول أخرى، من العراق، بعد انقلاب/ ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وتأسيس الجمهوريّة، إلى الجزائر، مع وصول الجناح العسكري من جبهة التحرير الجزائريّة إلى الحكم عام 1962، إلى سوريا، بعد وصول حزب البعث الاشتراكي إلى الحكم عام 1963، وفي اليمن، مع وصول الجبهة القومية للتحرير للحكم في اليمن الجنوبي بعد استقلاله عام 1967، وفي السودان، مع انقلاب النميري عام 1969، وكذلك ليبيا، بعد انقلاب/ ثورة الفاتح من سبتمبر بقيادة القذافي في العام ذاته؛ وذلك باعتبار التأكد من "تقدميّة" هذه الانقلابات واعتبارها ووصفها بأنها "ثورات"، بما تتضمنه هذه الكلمة من تقرير لتحقيقها مطالب التحرر والعدالة الاجتماعية، التي نادت بها الحركات اليسارية والقوميّة.

انهيار الاتحاد السوفييتي أحدث انقلاباً على المستوى النظريّ، وكان من أهم العوامل التي أدّت إلى ضعف وتراجع تيارات اليسار

وكما أعطى وصول هذه النظم دفعة للتيارات اليساريّة، ووضعها في موضع السلطة الحاكمة، كان كذلك سبباً في انحسارها بعد تراجع هذه النظم وعدم قدرتها على الاستمرار والمواصلة؛ بفعل التغيّرات المتسارعة على المستوى الداخلي، وتزايد الضغوطات والتحديّات الخارجيّة. بدايةً من هزيمة حزيران (يونيو) عام 1967، وما تبعها من نتائج عميقة الأثر على نظام حكم عبد الناصر، انتهت باستلام السادات الحكم بعد وفاته، واتجاهه بعد سنوات قليلة إلى إحداث انقلاب على جميع مبادئ ومنجزات الثورة، واتخاذ خطوات بالاتجاه المضاد، في جميع الصُعُد، من التحوّل نحو الرأسماليّة والتراجع عن سياسة التأميم والإصلاح الزراعي، إلى الاتجاه نحو التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكيّة والسلام مع "إسرائيل". إلى الانقلاب الذي أحدثه كذلك جعفر النميري على مستوى السياسات الداخليّة وتوجهه نحو تحقيق "إسلاميّة الدولة" في السودان، إلى استنزاف نظام الحكم البعثي بالعراق خلال سنوات الحرب العراقيّة الإيرانيّة، ومن ثمّ في حرب الخليج الثانية عام 1991، وما تبعها من فرض حصار اقتصادي خانق، حتى الانهيار مع حرب عام 2003، إلى الوحدة اليمنيّة وما نتج عنها من قضاء على جمهورية اليمن الديمقراطيّة (اليمن الجنوبي)، وصولاً حتى الاحتجاجات العربيّة نهاية العام 2010، وما تبعها من تغيّرات في النظم السياسية، بما في ذلك سقوط نظام القذافي في ليبيا.

انحسرت التيارات اليسارية والقومية مع انحسار وتراجع أنظمة الحكم الثوري

فشل وعجز.. على المستوى الاقتصادي
بالإضافة إلى ارتباط التيارات اليساريّة والقوميّة بأنظمة الحكم الثوري في مرحلة الاستقلال، وصعودها بصعودها ومن ثم انحسارها بانحسارها، جاء سبب آخر لفشل وانحسار هذه التيارات كنتيجة لفشل وقصور النموذج الاقتصادي الذي اتبعته الأنظمة الثوريّة؛ حيث اتجهت هذه النظم إلى تطبيق الاشتراكيّة عبر اتباع النموذج السوفيتي، القائم على توسيع مجالات مسؤوليّة الدولة، وتقييد آليات السوق، مع سيطرة الدولة على الصناعة والقطاعات الانتاجيّة، فيما عٌرف بنموذج "رأسماليّة الدولة".

سبب آخر لانحسار التيارات اليساريّة جاء بسبب دعم التيار المناوئ المتمثل أساساً في تيارات وجماعات "الإسلام السياسي"

وبالرغم من تحقيق البرامج الاقتصاديّة للنظم الثوريّة نجاحات على مستويات اجتماعيّة، عبر تنفيذ سياسات مثل: مجانيّة التعليم، والإصلاح الزراعي، إلّا أنّ النموذج المتبع فشل على مستوى النمو الاقتصادي، وأرهق ميزانيّات الدول؛ مع تراجع مقدار الإيرادات مقابل النفقات، وخصوصاً مع تزايد حجم مؤسسات القطاع العام وأعداد الموظفين وارتفاع فاتورة الرواتب والمعاشات، ولم يعد بالإمكان إسناده إلا عبر الاعتماد على إيرادات بيع الموارد ومصادر الطاقة - غير المتوفرة دائماً - وبالتالي مخاطرة التحوّل نحو "الريعيّة"، وهو ما دفع باتجاه التراجع تدريجيّاً بدرجات متفاوتة وعلى مراحل عن هذا النموذج، فحدث  التحوّل نحو أشكال وأنماط اقتصاديّة جديدة، مثل نموذج "رأسمالية المحاسيب"، وهو ما بدَت بوادره في دول مثل سوريا وليبيا، أو التحوّل نحو "الانفتاح الاقتصادي" كما حصل في مصر خلال عهد السادات.

فشل نموذج "رأسمالية الدولة" على مستوى النمو الاقتصادي

تشوّهات بنيويّة.. في الاقتصاد والاجتماع
وكان من أهم العوامل التي أضعفت تيارات اليسار في العالم العربي: التشوهات البنيويّة، في النظم الاقتصاديّة والاجتماعيّة بالدول العربيّة؛ فهي إما دول ثريّة دون اقتصاد حقيقي معتمد على الصناعة وتنوّع مصادر الدخل، وإنما يكاد يقتصر على تصدير المواد الأولية ومصادر الطاقة مثل النفط والغاز، كما في دول الخليج، والعراق، والجزائر، ويتعزز التشوّه في بعضها، مثل دول الخليج، بسبب غياب الطبقات العاملة المحليّة، في ظلّ وجود غالبية من العمالة الوافدة، أو نجدها دولاً تعتمد على أشكال أخرى من "الريع"، مثل المساعدات الخارجيّة، وهنا نجد الاقتصادات التي تعاني من الديون والعجز الدائم، والتي تعتمد كذلك على قطاعات غير مستقرة؛ فتعتمد أساساً على الخدمات والسياحة، إضافة إلى تبييض الأموال، والتحويلات المصرفيّة لأبنائها العاملين في الخارج.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون واليسار.. حب من طرف واحد
ولا تقف انعكاسات ذلك عند عدم وجود الطبقة العاملة التي تكون هي عماد الحركات اليساريّة؛ باعتبار أن هذه الحركات تنطلق من مساعي تحقيق مطالبها وتحصيل حقوقها، وإنما تستمر تأثيرات هذه التشوّهات عبر تشكيلها فئات اجتماعيّة واسعة معتمدة على الدولة بشكل مباشر في الحصول على دخلها، سواء عبر التوظيف في القطاع العام والمؤسسات الأمنيّة والعسكريّة، أو عبر تقديم الدول (الثريّة منها) العطايا والهبات الماليّة، وتكون نتيجة ذلك استحالة نشوء علاقة معارضة ومحاسبة من قبل المواطن للسلطة.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفق اليسار في المغرب رغم فشل الإسلاميين؟
وتتقاطع التشوّهات الاقتصاديّة مع التشوّهات على المستوى السياسي، والتي تأتي في إطار ما يعرف بـ "الزبائنيّة"، حيث تتشكل معظم الأنظمة السياسية العربيّة من تحالف السُلُطات مع خليط من مراكز القوى القبليّة والعشائريّة ورؤوس الأموال، أو تكون دولاً بحكومات محاصصة تدير مصالح طوائف متصارعة، وكلّ ذلك يمنع ويحول دون تشكّل حركات وتيارات تستطيع تقديم رؤى وبرامج يساريّة "تقدميّة".

تتقاطع التشوّهات الاقتصاديّة مع التشوّهات على المستوى السياسي في الدول العربيّة

عدم التجذّر في الثقافة
عامل آخر ساهم في تراجع التيارات اليساريّة وانحسارها، تمثّل في البعد الثقافي؛ باعتبار أنّ كثير من الأفكار والمقولات التي حملتها كانت ذات منبت وأصل من خارج السياق العربي والإسلامي، وكانت بالتالي بحاجة إلى تبيئة وتجذير في الثقافة العربية والإسلاميّة. وبالرغم من ظهور عدد من المحاولات التي سعت لبلورة خطاب يجمع بين الأفكار والمبادئ اليساريّة والثقافة العربية والإسلامية، ويعيد صياغتها في قوالب متوافقة معها، كما صنع مثقفين من أمثال: هادي علوي، وعلي شريعتي، ومنير شفيق، إلّا إنها بقيّت خارجة عن الخط الرئيسي لليسار، وظلّت في إطارات نخبويّة بعيدة عن الشارع، الذي كان التأثير الأكبر فيه يأتي من قبل الخطاب الديني التقليدي، وهو ما سهّل على الهجمة المضادة للتيار اليساري والقومي من وصفه واتهامه بالإلحاد والكفر ومعاداة الدين، في إطار تحريض عامّة الناس ضده، وهو خطاب كان قد انطلق مبكراً من الولايات المتحدة الأمريكية في إطار مكافحة الشيوعيّة، ومن ثم تبنته ونسجت على مِنواله أنظمة حكم عربيّة وتنظيمات إسلاميّة، وتمكنوا بذلك إلى حد بعيد من ترسيخ الارتباط في ذهن العامة ما بين الشيوعية واليسار والكفر، وبالتالي المساهمة بصدّ قطاعات واسعة عن الاقتراب منها. وهنا مثلاً نشاهد رابط لفيديو شهير للشيخ عبد الحميد كشك يربط فيه الشيوعية والماركسيّة مباشرة بالكفر والإلحاد:

دعم وصعود الإسلام السياسي
سبب آخر لانحسار التيارات اليساريّة جاء بسبب دعم التيار المناوئ، المتمثل أساساً في تيارات وجماعات "الإسلام السياسي"، والذي جاء أساساً من قبل الأنظمة التي رأت في التيارات اليساريّة والقوميّة تهديداً لاستقرارها، وهو ما تصاعد بعد الثورة في أسعار النفط عام 1973 وتوفّر فائض مكّن من دعم التيارات الإسلاميّة.

كان من أهم العوامل التي أضعفت تيارات اليسار في العالم العربي التشوهات البنيويّ في النظم الاقتصاديّة والاجتماعيّة بالدول العربيّة

وفي مصر، برز هذا التوظيف على نحو بارز، حين تبنى الرئيس السادات إعادة انتاج حالة الإسلام السياسي بشكل مباشر، فأطلق سراح الإسلاميين من السجون، كما جرى خلال عهده تشكيل جماعات إسلاميّة جديدة مثل "الجماعة الإسلاميّة"، أطلق لها حرية العمل في الجامعات والمجتمع؛ كوسيلة لضرب التيارات اليساريّة التي كانت قد تحولّت إلى موقع المعارضة وتسببت في خلق تحديّات لنظام الحكم، كما في أحداث كانون الثاني (يناير) عام 1977، فواجهها بالحبس والملاحقة، وأدى كل ذلك إلى إنحسار التيار اليساري والقومي تدريجياً. وهو ما تواصل في عصر حسني مبارك، الذي عمد إلى إطلاق جماعات الإسلام السياسي في الشارع، عبر اتّباع سياسة "الحكم لنا والشارع لكم"، وكان من نتيجة ذلك أن تقلصت مساحة حضور اليسار أكثر فأكثر.

جاء صعود التيارات الإسلامية خلال عهدي السادات ومبارك لمجابهة التيارات اليسارية

انهيار المعسكر الاشتراكي
ولا بُدّ من الوقوف أيضاً عند حدث انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وتفكك المنظومة الاشتراكيّة (الكتلة الشرقيّة)، وما أدى إليه ذلك من إحداث خلل في موازين القوى على مستوى العالم، ومن حدوث انقلاب على المستوى النظريّ، والذي كان من أهم العوامل التي أدّت إلى ضعف وتراجع تيارات اليسار تحديداً.

اقرأ أيضاً: حسن حنفي: لا تعارض بين اليسار والإسلام الحقيقي
ويعود سبب تأثر حركات اليسار العربيّة بهذا الحادث إلى أنها عجزت عن تأليف حركة مستقلة على مختلف الصعد، وارتكاز تصوّراتها على وجود نضال أممي تقوده موسكو بحيث صارت أقرب إلى أن تكون تابعة للاتحاد السوفيتي، وتحوّل نضالها في كثير من الأحيان إلى مجرد مناصرة للاتحاد السوفيتي وسياسته الخارجيّة، وحتى على المستوى النظريّ، باتت مقولاتها عبارة عن نقل لمقولات الأحزاب الشيوعية في الكتلة الاشتراكيّة، يتم إسقاطها على الواقع العربي دون النظر إلى الخصوصيات واختلاف السياقات.

سبب تأثر حركات اليسار العربيّة بانهيار الاتحاد السوفيتي هو عجزها عن تأليف حركة مستقلة

تتبدل الظروف والأحوال، ويتجدد توفر العوامل المساعدة على نشوء وانبعاث الحركات اليسارية في العالم العربي، والمتمثلة أساساً بزيادة مستويات الفقر والبطالة، وحدّة اللامساوة، وهو ما يستدعي ولادة ونشاط  حركات جديدة تسعى وراء مطلب العدالة الاجتماعية، فإلى أي حدّ يمكن أن يتحقق ذلك؟

الصفحة الرئيسية