لبنان: في الطريق إلى الجحيم.. مَن سيعض أصابعه ندماً؟

لبنان: في الطريق إلى الجحيم.. مَن سيعض أصابعه ندماً؟

مشاهدة

28/09/2020

"أعتذر من مهمة تشكيل الحكومة، وأتمنى لمن سيكلف بعدي كل التوفيق في هذه الظروف الصعبة.. أتوجه من الشعب اللبناني بالاعتذار، ومبادرة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يجب أنّ تستمر لأنها تعبر عن نية صادقة من فرنسا". كان هذا الخطاب المقتضب، الذي صدر عن رئيس الوزراء اللبناني المكلف بتشكيل الحكومة، مصطفى أديب، السبت الماضي، من داخل قصر بعبدا بعد لقاء الرئيس اللبناني، ميشال عون، وكشف عن إخفاقه في تشكيل الحكومة، مماثلاً في مضمونه لعدد من التصريحات التي أعقبت هذا الموقف النهائي والحاسم، من عدة أطراف حكومية وسياسية؛ إذ أعلنت عن تمسكها بـ"المبادرة الفرنسية"، في مناورة للتبرؤ من التبعات المترتبة على ذلك، والمتمثلة في دخول لبنان في انسداد سياسي، وتجميد فرص الإصلاحات المتوقعة، وعدم الحصول على دعم مالي دولي.

المبادرة الفرنسية.. المسارات والمآلات

استمرار مبادرة الرئيس الفرنسي الذي زار بيروت في أعقاب انفجار المرفأ مرتين، والتقى عدداً من السياسيين اللبنانيين، وقدم أجندة سياسية إصلاحية، طالب من خلالها التوافق على حكومة مستقلة، تعني لدى الفرقاء السياسيين، في لبنان، فرصة سياسية، لا بديل عنها، للحصول على دعم مالي وسياسي خارجي، من خلال الالتزام ببرنامج اقتصادي يوفره صندوق النقد الدولي، باعتباره الوحيد القادر على إنقاذ لبنان من حالة الإفلاس، والانهيار الاقتصادي، وذلك في ظل التعبئة الهائلة، والاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المأزومة. وبغض النظر عن فرص وواقعية المبادرة، التي لا تحظى بدعم أمريكي أو عربي، لكن لا أحد يمكنه تحمل فكرة إفشالها.

مصطفى أديب

وثمة عقبات عديدة، محلية وخارجية، حالت دون تحقيق الخطة الإصلاحية في لبنان، فقد قال ديفيد هيل، مساعد وزير الخارجية الأمريكية، إنّه "لا مساعدات للبنان من دون تغيير وإصلاحات، وإنهاء سيطرة حزب الله"، كما طاولت العقوبات الأمريكية، مؤخراً، اثنين من حلفاء حزب الله، الأمر الذي اعتبره مراقبون فشلاً في إدارة فرنسا للملف اللبناني، ووساطتها للأزمة مع طهران. ويضاف إلى ذلك، انخراط الثنائي الشيعي في مجموعة ضغوطات لوضع المزيد من العراقيل أمام تشكيل الحكومة، والتي طالبت فرنسا أنّ تكون "من غير الحزبيين"؛ إذ تمسك حزب الله بحقيبة المالية، بل وتسمية اسم الوزير.

السيناريوهات القادمة في لبنان لا تبدو واضحة، بصورة كافية، لكن يسود القلق والخوف بين عموم اللبنانيين، وذلك بخصوص الوضع الاقتصادي والأمني، حيث تدهور سعر صرف الليرة أمام الدولار

بيد أنّ الانسداد السياسي المتسبب فيه حزب الله وحلفاؤه في لبنان، يعد حادثاً متجدداً، لطالما اعتاد عليه في سبيل تحقيق أهدافه السياسية، المحلية والإقليمية، وقد بلغ ذروته عندما عمد إلى تعطيل الانتخابات البرلمانية، واختيار رئيس جمهورية، لمدة تسع سنوات، حتى تم تمرير الانتخابات البرلمانية، قبل عامين، على نحو يشكل ضمانة كاملة لأجندته السياسية الكاملة، وبالصورة التي جعلت علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، يصرح أنّ "تصويت الشعب اللبناني للائحة المقاومة (يقصد حزب الله)، ناتج عن تأثير السياسات اللبنانية الراهنة، في الحفاظ على استقلال ودعم سوريا أمام الإرهابيين".

وقد اعتبر الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، أنّ "تركيبة المجلس النيابي الجديد تشكل حماية وقوة كبيرة لحماية خيار المقاومة".

اللاواقعية السياسية

وفي حديثه لـ"حفريات"، يرى السياسي اللبناني، شارل جبور، أنّ اعتذار الرئيس المكلف، مصطفى أديب، حصل بسبب الفريق الحاكم الذي فرض شروطاً تتعارض وتتناقض مع طبيعة المبادرة الفرنسية؛ والأخيرة اشترطت حكومة تخصصية ومستقلة، غير مسيسة أو مرتبطة بالقوى السياسية التقليدية، لجهة إخراج لبنان من أزمته المالية، غير أنّ أديب اصطدم بشروط القوى الحاكمة، الممثلة في فريق 8 آذار، وفي مقدمتهم الثنائي الشيعي (أمل وحزب الله)، والذي ضغط وراء ما يعتبره استحقاقاته السياسية، وفقاً للاكثرية البرلمانية.

ويضيف، في حال استجاب أديب إلى ذلك الأمر، فهذا كان سيعني الفشل بعينه، وإعادة استنساخ للحكومة القديمة، ومن ثم عدم تحقيق أي نتائج، وكذا عدم الحصول على المساعدات المالية الدولية المفترضة؛ إذ إنّ الفريق السلطوي الموجود، قائم على منظومتي السلاح والفساد اللذين يستحيل معهما الإصلاح، وبالتبعية، سوف يستمر الانهيار، وانزلاق لبنان نحو الفوضى.

السياسي اللبناني، شارل جبور لـ"حفريات": اعتذار مصطفى أديب، حصل بسبب الفريق الحاكم الذي فرض شروطاً تتعارض وتتناقض مع طبيعة المبادرة الفرنسية؛ والأخيرة اشترطت حكومة تخصصية

وبحسب جبور، فإنّ انسحاب أديب، ترتب عليه، وصول عدة رسائل لفريق 8 آذار، وذلك من عدة قوى إقليمية ترى أنّه "ليس ثمة سبيل أمام القوى السياسية في لبنان إلا تشكيل حكومة وفقاً لشروط المبادرة الفرنسية، والاستجابة لشروط المرحلة الراهنة، والامتثال لواقع الأزمة الاقتصادية المحتدمة، وأعباء الوضع السياسي اللبناني؛ لأنّ الفريق السلطوي الحاكم هو من يتحمل الفشل المتراكم أمام الرأي العام، والأخير يدرك أنّ ممارسات هؤلاء السياسية، وسلوكهم المتعنت، هو المتسبب في تلك النتائج السلبية، والتي ستعرض لبنان لمزيد من الضغوط الخارجية، وكذا انهيار أوضاعه الاقتصادية.

الموقف الإقليمي

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء اللبناني السابق، سعد الحريري، بعد اعتذار أديب عن تشكيل الحكومة إنّ "كل من يحتفل بسقوط المبادرة الفرنسية لدفع زعماء لبنان المنقسمين إلى تشكيل حكومة جديدة سيندم على ضياع تلك الفرصة"، مضيفاً: "نقول إلى أولئك الذين يصفقون اليوم لسقوط مبادرة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إنّكم ستعضون أصابعكم ندماً".

وشدّد رئيس الوزراء اللبناني، على أنّ مبادرة ماكرون لم تسقط، إنّما سقط "النهج الذي يقود لبنان واللبنانيين إلى الخراب"، مؤكداً: "لن تنفع بعد ذلك أساليب تقاذف الاتهامات ورمي المسؤولية على الآخرين، ووضع مكون رئيسي لبناني في مواجهة كل المكونات الأخرى".

وغرد وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، عبر حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "لا يستوي منطق الدولة ومؤسساتها وكفاءتها مع منطق الميليشيات ومصالحها، درس عربي يتكرر".

اقرأ أيضاً: لبنان يدخل باب جهنم والدعم الدولي يتبخر

ووصفت باريس استقالة أديب بـ"الخيانة الجماعية"، حسبما صرحت مصادر دبلوماسية مقربة من الرئيس الفرنسي؛ إذ قالت إنّ "ماكرون اعتبر استقالة مصطفى أديب خيانة جماعية من مختلف الأحزاب اللبنانية"، مشدّدة على "إنّه من الضروري أن يكون للبنان حكومة قادرة على تلقي المساعدات الدولية، وفرنسا لن تترك لبنان لوحده".

ويرى الكاتب الصحافي اللبناني، خليل حرب، أنّ المشكلة قائمة على عدة أسباب متباينة، تتصل بطبيعة المبادرة الفرنسية المطروحة، سواء من حيث سياقها أو توقيتها أو علاقتها بالأطراف الخارجية؛ فمن حيث مضمونها، تبدو هلامية وفضفاضة نوعاً ما، وقد تأخد تأويلات مختلفة، كما أنّها جاءت في سياق لحظة انفجار المرفأ، وتداعياتها السياسية، وكأنّها محاولة لاغتنام فرصة لإحداث انفراجة، على أكثر من مستوى، وبطبيعة الحال، أثارت المبادرة مخاوف لدى بعض الأطراف المحلية، لاسيما وأنّها تهدف إلى إحراج الجميع.

ويضيف لـ"حفريات": "المبادرة، بشكل عام، أوحت أنّها محاولة للخروج من الصيغ والمعادلات السياسية، القائمة منذ 30 عاماً، لكن، في نفس الوقت، تبدو محاولة للالتفاف على وضع سياسي قائم، من الصعب تجاوزه، وبالتالي، جاءت لتثير حفيظة بعض القوى التي تخشى من تقزيم دورها، خاصة، وأنّ الصورة السائدة تبرز مسؤولية الثنائي الشيعي في إحباط حكومة أديب، وهذا صحيح، بشكل جزئي، لكنّها تحمل تعميه وتشويه لباقي الحقائق في مستوياتها الكبيرة والأعمق؛ والمتمثلة في تعقيدات الوضع المحلي، من ناحية، والموقف الامريكي، من ناحية أخرى".

قراءة الموقف الأمريكي

ويمكن قراءة الموقف الأمريكي، بحسب الكاتب اللبناني، من خلال مقال لمايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، الذي نشر، بعد أيام قليلة، من زيارة ماكرون الثانية؛ إذ انتقد السياسة الفرنسية تجاه بيروت، وتواصل الرئيس الفرنسي مع أعضاء في حزب الله، وعليه، التقط الحزب هذه الإشارة، وفهم مضمون ومغزى الموقف الأمريكي، الذي لن يقبل بنجاح المبادرة الفرنسية.

اقرأ أيضاً: لماذا يصر حزب الله وحلفاؤه على قيادة لبنان إلى الجحيم؟

وفي ما يتصل بالسيناريوهات القادمة، يرى حرب أنّها لا تبدو واضحة، بصورة كافية، لكن يسود القلق والخوف بين عموم اللبنانيين، وذلك بخصوص الوضع الاقتصادي والأمني، الأمر الذي انعكس على الليرة مباشرة، وقد تدهور سعر صرفها أمام الدولار، بمجرد اعتذار رئيس الحكومة، ناهيك عن دخول لبنان في دوامة أزمة إقليمية، قد يتعرض لها، وهو ما يمكن استيضاحه من عدة رسائل خارجية، صرح بها مسؤولون عدة.

الصفحة الرئيسية