كيف يخوض الجزائريون معركتهم مع كورونا؟

كورونا

كيف يخوض الجزائريون معركتهم مع كورونا؟

مشاهدة

30/03/2020

منذ ظهور مرض كورونا المستجد، تشهد الجزائر ردود فعل مثيرة من اللامبالاة والسخرية والشائعات، وسط هبّة خير تتنامى في بلد يشهد تمدّد الفيروس القاتل الذي أدى إلى وفاة 31 شخصاً، وإصابة 511 آخرين في حصيلة ما تزال مرشّحة للارتفاع.

تعامل مضطرب
يقول الكاتب أمحمد بن ديدة إنّ تعامل الناس مع فيروس كورونا في الجزائر "لا يزال مضطرباً نوعاً ما على جميع النواحي، وذلك بسبب المراحل التي مرّ بها الوباء محلياً، وظهور مفاجآت جديدة في كل يوم، غالبيتها متضاربة حتى على الأخصائيين، ففي البداية كان يظنّ أغلب الجزائريين أنّ "كوفيد 19" لن يصل إليهم، وذلك لضعف بيان انتشاره وإظهاره مقتصراً على الصين".

اقرأ أيضاً: الحب في زمن كورونا: خطوبة آية وباسم "أونلاين"

ويشير بن ديدة، في حديثه لـ "حفريات"، إلى ما يطبع تعاطي الجزائريين مع الكورونا، من "لامبالاة بالعزل الصحي وقراراته الصارمة والدرجات القصوى للتوعية"، وبروز حالات من قلة وعي المواطنين وعدم شعورهم بالمسؤولية لحد الساعة في أغلب جهات الوطن، على وقع مستويات متدنّية من التعامل مع خطر الوباء بأساليب السخرية والتقليل من حجم خطره حتى لدى الكثير من المثقفين المحسوبين على مستوى الوعي الجمعي".

تحوّل الوباء إلى ناقوس خطر اجتماعي كشف عن جشعي النفوس من التجار

ويلفت بن ديدة إلى أنّ "هنالك من بات يصدّق إشاعات خطيرة تعمل على نشر الوباء بشكل أو بآخر، مثل أنّ هذا "ليس فيروساً بيولوجياً بل هو غاز كيميائي"، وهنالك من بات يتهم السلطات بأنّها تخفي معلومات على المواطنين، في المقابل، ربطه آخرون بـ "سياسة تفكيك الحراك"، بينما يعلق فريق رابع الأمل على دواء الفلكي الجزائري لوط بوناطيرو، الذي خلق نوعاً من الوسواس، وفي مقابل ذلك ضجة إعلامية واستهتار ساخر".

بن ديدة: أغلب الجزائريين كان يظنّون أنّ كورونا لن يصلهم لضعف التوعية وإظهاره مقتصراً على الصين

ويرى بن ديدة أنّ: "بوناطيرو ساهم في خوارزمية الاضطراب الجمعي الجزائري في التعامل مع الكورونا؛ لأنّه في النهاية صنع صدمة نفسية واجتماعية لدى المواطن الذي كان ينتظر بحماسة فائقة نجاح "دوائه"، وغير ذلك من مستويات تعليب الوعي في فضاءات ضيقة مضادة للتفتح على المعلومات الصحيحة التي من المفترض أنّها توفر لنا عملية التعامل مع فيروس كورونا على أنّه وباء عالمي وصل إلى درجة الخطر ولا يجب الاستهانة به أو تجاهله".

وبالتزامن مع إصدار الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، الإثنين الماضي، أمراً بفرض حجر صحي تام على مدينة البليدة التي تعدّ أكبر بؤرة للكورونا في البلاد، مع إقرار حظر محدود للتجوال، تحوّل الوباء إلى ناقوس خطر اجتماعي كشف عن جشعي النفوس من التجار والمستهلكين في مغالاتهم وتخزينهم المَرَضي للغذاء والدواء، مدفوعين بهوس جماعي بشكل مفرط كما لو كانت الحرب دقت طبولها ولا يمكن الخروج منها أبداً.

فرض حجر صحي تام على مدينة البليدة التي تعدّ أكبر بؤرة للكورونا في البلاد

مخاطر اجتماعية
الخطر الأكبر، في منظور بن ديدة، يكمن في "سوء التعامل النفسي والعقلاني مع الكورونا بالجزائر، بما قد يفرز وضعاً مريباً خاصة اجتماعياً من حيث الروح الأخوية والإنسانية بين الناس، كما يحدث الآن في النظرات السلبية تجاه المغتربين الجزائريين وسكان حاضرة البليدة، حيث يتم تقديمهم على أنّهم "صنّاع الوباء"".

استجاب العديد من الجزائريين لهبّة عارمة عبر حملة انتقلت إلى مرحلة التبرّع والتكافل

ووفق خبراء، تعجّ منصة التواصل الاجتماعي (فيسبوك) في الجزائر بنشر معطيات مكذوبة، وخوض الناس في أمور طبية وكيميائية بمعلومات مغلوطة كنُدرة وسائل التعقيم والقيام بخلطات غريبة قد تكون أكثر خطراً على صحة المواطنين، إضافة إلى التشبث بموضوع "مؤامرة الكورونا"، بما زجّ بالجزائريين في موجات هلع وتشتيت لمفاهيمهم الوقائية، وتحويلها إلى انكسارات نفسية تورث الكآبة بكل أنواعها.

ويبقى أنّ القادم كفيل بإبراز ما إذا كان وعي الجزائريين قادراً على التعامل الإيجابي اجتماعياً ونفسياً وفكرياً مع الكورونا.

اقرأ أيضاً: شوارع السعودية خالية بسبب كورونا: الترقب سيد المكان
وعلى نقيض ما سلكه البعض، فضّل فريق من الجزائريين الانتصار لهبّة عارمة لهزم وباء الكورونا في حملة انتقلت إلى مرحلة التبرّع والتعاضد، على نحو كرّس انتشار المظاهر الإيجابية، حيث انبرت عدة مجموعات شبابية ونوادٍ رياضية وتنظيمات في حملات حيوية تتمدّد على طول محافظات الجزائر.
يقول حسن علي صدوق الذي يدير خلية دائمة بضاحية بابا حسن (20 كيلومتراً غربي العاصمة الجزائرية) لـ"حفريات": "إنّ الخير يتمدد ويتقوى، ويمنح طاقة استثنائية للجزائريين رغم الزحف المقلق للوباء الفتّاك".

اقرأ أيضاً: الإمارات تكافح فيروس كورونا في سوريا
وفي هذا السياق، شهدت مختلف المدن الجزائرية، تنافساً على خفض أسعار السلع الواسعة الاستهلاك وتنظيف الميادين والشوارع وسائر المرافق العامة، بينما جادت قوافل الخير بكميات ضخمة من المواد الغذائية وأدوات التعقيم، فضلاً عن الكمامات والقفازات.

ووضع الناديان الرياضيان العريقان؛ شبيبة القبائل وشباب بلوزداد، منشآتهما تحت تصرف فِرَق الحَجْر الصحي، كما تبرعت طواقمهما بربع الرواتب لصالح جهود الإغاثة، وعلى المنوال ذاته، أسهم العديد من رجال الأعمال بوضع إمكانات معتبرة خدمة للصالح العام لتجاوز هذه المرحلة.

اقرأ أيضاً: هكذا تواجه غزة المحاصرة فيروس كورونا

هذا أعاد إلى الأذهان صوراً مشرقة رسمها الجزائريون في أزمات سابقة على غرار ما حصل من لحمة وعطاء في أعقاب زلزال العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 وزلزال 21 أيار (مايو) 2003 وغيرهما. 
جادت قوافل الخير بكميات ضخمة من المواد الغذائية وأدوات التعقيم

عودة الوعي
ينوّه السوسيولوجي حسين شرفاوي لـ"حفريات" إلى أنّ أزمة الكورونا شحذت الهمم، بما جعل آفات الهمز واللمز والتنمرّ تضمحل لصالح فضائل الأخوة والمحبة والتعاون، "بالوعي سنقهر الكورونا، سلاحنا هي المبادرات الخيرية والإنسانية المتنامية في هذا الظرف الصعب والاستثنائي".

شهدت مختلف المدن الجزائرية تنافساً على خفض أسعار السلع الواسعة الاستهلاك وتنظيف الميادين والشوارع والمرافق العامة

وشهدت منطقة مشرية الغربية، قيام رجل أعمال بوضع فندق تحت تصرف البلدية لاستعماله في الحجر الصحي، بينما كانت مناطق برج بوعريريج وخنشلة والبيّض على موعد مع حملة موسّعة لمساعدة العائلات الفقيرة التي تعيش على مداخيل يومية هزيلة وأتى الحجر المنزلي ليكبّلها.
واستطلعت "حفريات" آراء بعض الناشطين في المبادرات التطوعية؛ يحيى الناشط في جمعية حراء يقول: "فترة البقاء في المنزل والإغلاق التام لا يتضرّر منها كل من الموظفين والتجار، لكن هناك فئات هشة أخرى سيطالها الضرر، لذا ننتبه لهؤلاء في الأحياء والقرى والمناطق المعزولة، ونجعل ذلك انتصاراً لأنفسنا وأبناء وطننا، انتصاراً على الكورونا".

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا: خمسة أسباب لتشعر بالتفاؤل رغم تفشي الوباء

من جهتها، تجزم الناشطة "أميرة" أنّ "الظرف الحالي ليس للفلسفة والتنظير بل للوقاية والتدبير والعمل" وأنّ إنتاج أفق مشرق يفرض تكثيف نسق الخير؛ "في زمن الجائحة المستجدة التي تلتهم الأب والأم والشقيقة والأخ والصديق والحبيب، على هذه الأرض ما يستحق المحبة".
ويضيف العم الجيلالي: "الكورونا التي أهلكت الحرث والنسل، وزرعت الرعب في كل بيت، لم يعد ينفع معها ( لو) ولا (ليت)، بل تقديم كل المساعدات اللازمة تضامنا مع إخواننا وأخواتنا، في هذه المحنة العصيبة، ليس منّة منّا بل هو الواجب الذي يفرضه علينا الراهن الخطير".

اقرأ أيضاً: هل ينجو النظام الإيراني من صدمة فيروس كورونا؟

وفي هذا السياق، بادر طلّاب كليتي الصيدلة والبيولوجيا في جامعة تيزي وزو (110 كيلومترات شرق الجزائر)، بإنتاج مطهرّ كحولي داخل مخابر الجامعة وتوزيعها مجاناً، كما قام آخرون بصناعة واقيات.

أزمة الكورونا شحذت الهمم

شهادتان..
روى أحد الممرضين، طلب عدم ذكر اسمه، اللحظات الأخيرة في حياة امرأة قضت بالكورونا في مستشفى البليدة (50 كيلومتراً غربي العاصمة الجزائرية): "كانت علامات كوفيد 19 واضحة عليها، حيث ظلت تعاني من السعال الحاد والحمى، قبل أن يتطور الأمر إلى غثيان حاد وتقيؤ، ونوبات إسهال".

اقرأ أيضاً: هل ستقلب البشرية صفحة كورونا نحو مستقبل أفضل؟

وتابع المتحدث لـ "حفريات": "بعد أيام تضاعف معاناة المريضة من ضيق في التنفس، ما فرض نقلها على نحو عاجل إلى قاعة الإنعاش لمساعدتها على التنفس، لكن جسدها لم يكن محصّناً لمقاومة الفيروس القاتل، فأسلمت الروح بعد 40 دقيقة.. كانت أشبه بالغريقة التي لم تقوَ على توديع أحبائها".

وضع الناديان الرياضيان العريقان شبيبة القبائل وشباب بلوزداد منشآتهما تحت تصرف فِرَق الحَجْر الصحي

ويبدي الممرض أسفاً بالغاً "لما تعانيه مستشفيات بلاده من نقص في الطواقم والعتاد، وتأخر وصول التحاليل من معهد "باستور" المركزي"، مشيراً إلى "عدم الحصول الطواقم الطبية على موارد وضمانات كافية بوسعها تحصينهم ضدّ الفيروس الذي أودى بحياة طبيب وممرّض فضلاً عن غياب لافت لسيارات الإسعاف".

من جانبه، قال نجيب (46 عاماً) المصاب بفيروس كورونا والموجود رهن الحجر الصحي بمستشفى غرب العاصمة الجزائرية: "قمت بجولة سياحية إلى تركيا، وعدت مساء 27 شباط (فبراير) الماضي، وشعرت على الفور بارتفاع حاد في حرارة جسدي، مثلما عانيت من قشعريرة شديدة وسعال جاف، ما جعلني أتوجه رأساً إلى أقرب مشفى".

اقرأ أيضاً: هل قضى كورونا على ابتزاز أردوغان لأوروبا بورقة اللاجئين؟

وفي مكالمة هاتفية مع "حفريات"، قال نجيب إنّه أيقن أنّه تعرّض للعدوى في رحلته، كاشفاً: "حين علمت بأني مصاب، أغمي عليّ، وأقرّ أنّ ذلك ناجم عن التهويل الممارس في فيسبوك، لكني سرعان ما استرجعت معنوياتي بعد ما حظيت به مع باقي المرضى من طرف الطاقم الطبي الذي تعامل معنا بلطف بالغ".

ويرفض نجيب الذي تعافى، الفكرة المسوّقة محلياً ومفادها أنّ الإصابة بالكورونا تعني الموت المحتوم، ويؤكد: "كثيرون تماثلوا للشفاء، وعادوا إلى بيوتهم بشكل طبيعي، وهو أمر مشجّع، خلافاً للعدمية التي يحاول البعض بثّها في أوساط مواطنينا".

الصفحة الرئيسية