كيف يتحول الاختلاف في الرؤى إلى صراع أجيال؟

كيف يتحول الاختلاف في الرؤى إلى صراع أجيال؟

مشاهدة

24/08/2021

عادةً ما يوصم الجيل الجديد في مجتمعاتنا من قبل الجيل الذي يسبقه بأنه: مستهتر، غير مسؤول، مهمل، لا مبالٍ وخمول، وهذا بالضبط ما يجعل الجيل القديم يتغاضى عن مسؤوليته في وصول الجيل الجديد إلى ما وصل إليه، إنه يعيد إنتاج المقدمات نفسها ويعتقد بإمكانيّة الوصول إلى نتائج مختلفة، فإذا كان جيل الألفية الجديدة يتصف بالإهمال واللامسؤولية والخمول واللامبالاة، ذلك ببساطة لأنه لم يجد واقعاً يعبّر عنه وعن رغباته، وأنّ كل ما يقدمه هذا الواقع، ليس أكثر من قوالب تضيّق الخناق عليهم، وتحدّ من تفتحهم.

لكن الانشغال المستمر للكبار وعلى الرغم من نتائجه السلبية، منح الجيل الجديد هامشاً من الحريّة في ظل الانفتاح على أشكال التواصل الجديدة الذي وفره العالم الافتراضي، ليجد فيه مكاناً لاكتشاف الذات، فالمواكبة المستمرّة للتكنولوجيا المتسارعة من قبل جيل الألفية الثالثة، وقدرته على هضم نتاجاتها وإعادة إنتاجها أيضاً، ساهمت نسبياً في جعله أكثر مرونةً وانفتاحاً على العالم؛ أي إنه أكثر مرونة وانفتاحاً على كل ما هو جديد، وبمعنىً أدقّ، أنه أقلّ تعصباً وانغلاقاً وأكثر قبولاً للآخر المختلف، ومما ينحو به لرؤية الجيل القديم ـــ جيل الآباء والأمهات على أنه: جيلّ تقليدي ومتخلف، وجاهلٌ أمام تفوقه التقني، جيلٌ يخاف ويخشى كلّ ما هو جديد، إنّ الكبار كما يراهم جيل الألفية الجديدة، يميلون إلى الانغلاق والتعصّب، فالرغبة بالأمان لدى الطفل والتي باتت ملحّة وملازمة له، تكمن أساساً في الإنتاج المستمر لعوامل الخوف والقلق. 

 

إذا كان جيل الألفية الجديدة يتصف بالإهمال واللامسؤولية والخمول واللامبالاة، ذلك ببساطة لأنه لم يجد واقعاً يعبّر عنه وعن رغباته

ينفي علماء النفس وجود مسمى "صراع الأجيال" في علم النفس، وإنما هو اختلاف في الرؤى بين جيلين، وهم محقون في ذلك، فباعتبار الإنسان كائناً اجتماعياً، فإنّ وجوده كاملاً يقوم على التواصل، فالتواصل الفعّال هو التواصل الذي يفترض إصغاءً متبادلاً بين طرفين، يقوم على الاعتراف بالآخر وحقّه بالاختلاف، بمعنى أنّ التواصل الفعّال هو إزاحة مستمرة للإقصاء والتعصب والعنف، ولكن أي خلل في هذا التواصل سوف يحوّل الاختلاف في الرؤى إلى صراع، هذا الخلل الذي يغذيه باستمرار تجاهل الكبار لاحتياجات الأطفال النفسيّة والعقليّة والجسديّة؛ أي تلقينهم الحياة بالمسطرة، فعدم قبول الجيل الجديد لنا نتج أصلاً عن عدم اعترافنا ورفضنا العميق لهم، ولم يقتصر هذا الرفض على سلوكهم وإنما طال شخوصهم أيضاً، والمؤسف أننا لم نقم بتأسيس عدم مقبوليتنا لديهم فقط، بل قمنا بتأسيس ما هو أخطر، لقد أسسنا لتطرفهم.

إنّ رغبة الجيل الجديد العارمة في إثبات الذات، تصطدم بكونه على ثقةٍ أنّ الكبار لا يولون أهميّة إلا لما يتوقعونه منهم، وهم يمتلكون من الذكاء ما يؤهلهم ليدركوا أن تطلعاتهم تتحطم على صخور الواقع، لأنها لا تُعار انتباهاً، وفي مجتمعاتٍ كثيرة وجد هذا الجيل نفسه ضمن فوضى تعمّ كل شيء، ابتداءً من الأسرة التي ضاقت بها السبل لتأمين لقمة العيش، ثم المدرسة التي أصبحت في الكثير من مجتمعاتنا مصدراً للعنف بأشكاله المادية والرمزية، إلى إحساسهم العام بعدم الأمان والقلق والترقب، مروراً بالإعلام الذي يحمل الوزر الأكبر في إنتاج ونشر خطاب الكراهيّة، ضمن أجندات الاصطفافات والمصالح التي تغذي توجهاته. 

إنّ نموذج اللامنتمي الذي أصدره كولن ولسون في القرن الماضي، ما هو إلّا تسمية جديدة للنموذج العدمي الذي شرّحه الفيلسوف الألماني نيتشه في عيادة "إرادة القوة" قبل "ولسون" بكثير، فنحن حين نصف الجيل الجديد باللا انتماء، هذا لأن شعوراً عدمياً يرتبط بفقدان المعنى من الوجود بدأ يتملكهم، خاصةً أنّ إجابات الكبار باتت غير مقنعةٍ على ضوء التهاوي العالمي للأخلاق والقيم، فمن يفقد قدرته على التعيّن والوجود في وجودٍ بلا معنى، لن يجد ضيراً من أن تستقطبه فكرة أو جماعة طالما بإمكانها أن تدغدغ مشاعره، فالانهيارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعيّة الكبيرة في كثيرٍ من مجتمعاتنا، تجلّت على صعيد المدرسة، بالنسب الكبيرة لأعداد الأطفال المتسربين منها، إنّ ضغط الحاجة وانعدام القيمة بالنسبة للجيل الجديد يشكلّان عاملين حاسمين في اختياره العنف حلاً.

رغبة الجيل الجديد العارمة في إثبات الذات، تصطدم بكونه على ثقةٍ أنّ الكبار لا يولون أهميّة إلا لما يتوقعونه منهم

البيئات غير الآمنة التي خلفّها الكبار، هي الناتج الرئيس عن تراخي القيم الاجتماعيّة أو انعدامها، ففي الحرب يصبح كل شيءٍ مباح، فنحن نجد الكثير من أطفال الجيل الجديد قد انخرطوا في الأعمال القتالية والأعمال غير المشروعة، كعمليات التهريب وتجارة السلاح والمخدرات، هذا الوجه القبيح هو النتيجة المنطقيّة لغياب المنطق الذي يحكم العالم، وغياب الإحساس بالمسؤولية الناجم عن عدميّة ما، جعلت من اللاجدوى المبرر الوحيد لكل ما يقومون به، وقد دفعت هذه اللاجدوى الكثير منهم إلى التفكير بالانتحار أو الإقدام عليه، ضمن مبرراتٍ أقل ما يمكن أن يُقال عنها، أنها مقنعة، وحالات الانتحار الكبيرة التي وثّقت لأعمار تراوحت ما بين 14 و18 عاماً تشهد على ذلك، كما أنّ انسحاب أطفال الجيل الجديد من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، هو مؤشر على إفلاس العلاقة مع الواقع والكبار، وافتقارها إلى الحميميّة التي تربطهم، وبالتالي إنّ العزلة والاكتئاب وعدم القدرة على الاندماج والتطرّف، هي الحالات النفسية المأزقيّة التي وضعنا أطفالنا بها.

إنّ الحال في مجمله يشبه قصة الحكيم الذي وضع ريشة على صخرة، وطلب من تلاميذه أن يحركوها بقوة أفكارهم، بالطبع ركّز التلاميذ في الريشة ما يزيد على ثلاث ساعات، حتى تمكّن أحدهم من تحريكها قليلاً بعد أن أجهدوا واستنفدوا طاقتهم، وفي هذه الأثناء اقترب الحكيم من الورقة وأعادها إلى موضعها، ثم نفخ عليها فطارت بعيداً وبسرعة. ما فعله الحكيم يمثل في الحقيقة جيل الألفيّة الثالثة الذي يرفض أن يُستنفد بمشاكل الكبار، الكبار الذين يستبدلون المشكلات القديمة بجديدة ويستنزفون العالم في هذا النشاط المجاني، بينما هذا الجيل كل ما يريده أن يُمنح فرصةً في النفخ على الريشة كي تطير.



الصفحة الرئيسية