كيف نقرأ عمليات داعش ضد الشيعة في أفغانستان؟

كيف نقرأ عمليات داعش ضد الشيعة في أفغانستان؟

مشاهدة

25/10/2021

لعل أسهل قراءة للعمليات التي ينفذها تنظيم داعش في أفغانستان ضد مساجد الشيعة في قندوز وقندهار، والتي ذهب ضحيتها العشرات من الأفغان ما بين قتيل وجريح، ربطها فقط بمرجعيات التناقض المذهبي بين تنظيم داعش "الموصوف بالسلفي السنّي المتشدد"، وبين أتباع المذهب الشيعي، وتحديداً "ولاية الفقيه"، واعتبار غالبية أوساط داعش أنّ "الروافض" أعداء، لا سيّما أنّ تنظيم الدولة نفذ العديد من العمليات التي استهدفت أتباع هذا المذهب وتشكيلاته السياسية والعسكرية ورموزه في العراق وسوريا لاحقاً، استناداً لتلك المقاربة، بما فيها من اتهام سياسي بتعاون قيادات الشيعة مع المحتل الأمريكي، وتحديداً في العراق.

اقرأ أيضاً: إدانات عربية ودولية لتفجير داعش مسجداً شيعياً بقندهار

مبدئياً، ربما تكون المقاربة أعلاه صحيحة، في تحديد أسباب استهداف داعش لمساجد شيعية، لكنّ سياقات تطورات المشهد الأفغاني لا تجعل هذا السبب وحده كافياً لتفسير ما يجري، استناداً لجملة أسئلة حول توقيت العمليات ومن المستفيد من وقوعها، ولماذا جاءت توقيتاتها بعد عودة طالبان وتسلمها السلطة في أفغانستان، عبر اتفاق مع الأمريكان، في الوقت الذي كان فيه تنظيم داعش قد نفذ العديد من العمليات ضد القوات الأمريكية وحركة طالبان التي كانت تخوض حرباً ضد الجيوش الأمريكية وقوات الحكومة الأفغانية؟

عملية داعش غير معزولة عن سلسلة العمليات الأخرى ضد الجنود الأمريكيين في مطار كابول ومسجد للشيعة في قندوز بالشمال، وكلها عمليات تؤكد وجود التنظيم وقدرته على الفعل

عملية داعش غير معزولة عن سلسلة العمليات الأخرى ضد الجنود الأمريكيين في مطار كابول ومسجد للشيعة في قندوز بالشمال، وكلها عمليات تؤكد وجود داعش وقدرته على الفعل، أمّا العملية التي شهدها مسجد للشيعة في قندهار، فإنها تبعث برسالة إلى طالبان بقدرة داعش على تنفيذ عمليات في المعاقل التاريخية لحركة طالبان، حيث مركزها في قندهار، وإثارة المحيط الأفغاني المتوجس من سيطرة طالبان "بفكرها السلفي المتشدد" على أفغانستان، وترجمة ذلك بإجراءات ضد الأقليات والمرأة، وإثارة النعرات المذهبية والطائفية، بما يؤثر سلباً على الأمن القومي لدول جوار أفغانستان، التي تعاني من مشاكل وتحديات تحت هذه العناوين.

اقرأ أيضاً: لماذا هبّ العالم الغربي لدعم طالبان في أفغانستان؟

عمليات داعش ضد الشيعة الأفغان لا يمكن حصر تفسيرها فقط في إحباط مشروع حكم حركة طالبان، وإظهار ضعفها وعدم قدرتها على توفير الأمن للمواطنين الأفغان، بل إنّ العودة إلى تاريخ تنظيم داعش وظهوره في العراق ولاحقاً في سوريا، ومبايعة تنظيمات جهادية في سيناء وشمال وشرق أفريقيا لزعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي"، ربما تعطي إشارات تفسر سبب استهدافها للشيعة في أفغانستان، وهو السيناريو الذي تم تطبيقه في العراق من قبل الحرس الثوري، لتبرير تأسيس الحشد الشعبي العراقي، ولاحقاً لإدخال الميليشيات الشيعية إلى سوريا، وهو ما يطرح تساؤلات عن الجهة المستفيدة من استهداف الشيعة في أفغانستان، فهل ستسهم تلك العمليات في إيجاد مبرر للقيادة الإيرانية لتشكيل ميليشيات شيعية تعلن أنها لا تستهدف حكم طالبان، بل مواجهة تنظيم داعش والدفاع عن الأقلية الشيعية؟ لا سيّما أنّ القيادة الإيرانية تدرك أنّ مخرجات حكم طالبان لأفغانستان لن تكون في صالحها، خاصة أنّ عودتها إلى الحكم جاءت باتفاق مع الأمريكان، وتدرك إيران التي تمكنت من بناء تحالفات مع بعض أجنحة طالبان "خلال الاحتلال الأمريكي" أنّ هناك أجنحة متشددة داخل طالبان قريبة في فكرها من الفكر المتشدد لتنظيم داعش، ولا يستبعد أن تتعاون معه.

هذه العمليات تنسجم إلى حد بعيد مع أحد السيناريوهات المطروحة لمستقبل أفغانستان، ما بعد الانسحاب الأمريكي، وهو خلط الأوراق وإثارة الفوضى

وبالتزامن مع ذلك، فإنّ هذه العمليات تنسجم إلى حد بعيد مع أحد السيناريوهات المطروحة لمستقبل أفغانستان، ما بعد الانسحاب الأمريكي، وهو خلط الأوراق وإثارة الفوضى، وهو ما يعني أنّ هذه العمليات تأتي في إطار هذا السيناريو، لا سيّما أنّ مقاربة الدولة الأمريكية العميقة تجاه الملف الأفغاني، التي عبّر عنها الرئيس بايدن علناً في تبرير الانسحاب الأمريكي، جوهرها أنّ أمريكا ذهبت إلى أفغانستان للقضاء على القاعدة، وتم إنجاز هذا الهدف، أمّا استقرار أفغانستان ومواجهة تبعات الفوضى فيها، فيجب أن تتحمله الدول المتضررة من تفجر الأوضاع الأفغانية، وعلى رأسها الصين وروسيا وإيران، بالإضافة إلى باكستان.

اقرأ أيضاً: هل باستطاعة طالبان قمع التهديد المتصاعد لداعش؟

وبمعزل عن الجهة الأكثر استفادة من عمليات داعش، إلا أنّ سياقاتها وتوقيتها تشير إلى أنّ سيناريو الفوضى الذي سيرتب تداعيات على جوار أفغانستان ومحيطها هو السيناريو المرجح في المدى المنظور، خاصة في حال توسع وازدياد عمليات داعش "كمّاً ونوعاً"، مع احتمالات عودة أفغانستان لاحقاً إلى ساحة جهاد عالمي، على غرار ما كانت عليه إبّان الاحتلال السوفييتي في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، خاصة أنّ هناك بيئة جديدة خصبة تنطلق من الأفكار الكبرى للمواجهة عند التنظيمات الجهادية، بمواجهة الشيعة "الروافض"، وإيران، والشيوعية "الإلحادية" التي تمثلها روسيا والصين.



الصفحة الرئيسية